إبراهيم الآلوسي… طبيب الدولة

محمد علي محيي الدين

يُعدّ الدكتور إبراهيم عاكف الألوسي واحدًا من الشخصيات العراقية التي تجاوز أثرها حدود المهنة، فجمع بين الطب والإدارة والعمل السياسي والدبلوماسي، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة العراقية الحديثة منذ سنواتها الأولى. وقد ارتبط اسمه بتاريخ الصحة العامة والتعليم الطبي والعمل المدني، حتى غدا من رجالات العراق الذين تركوا بصمات واضحة في أكثر من ميدان، مستندًا إلى إرث عائلي عريق وإلى ثقافة واسعة جعلته يرى في الخدمة العامة رسالة لا وظيفة.
وُلد إبراهيم عاكف الألوسي في بغداد عام 1898، في محلة العاقولية القريبة من جامع الحيدرخانة في جانب الرصافة، وهي إحدى أعرق محلات العاصمة. ونشأ في بيت علم ووجاهة، إذ تنتمي أسرته إلى الأسرة الألوسية البغدادية الشهيرة التي يعود نسبها إلى موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد عليه السلام، وهي أسرة أنجبت عددًا من العلماء والقضاة والأدباء الذين كان لهم حضور بارز في الحياة الفكرية العراقية.
وكان والده عاكف بك الألوسي من رجال الإدارة في العهد العثماني، إذ تخرج في مدرسة البريد ببغداد، وتدرج في الوظائف الإدارية حتى تولى قائمقامية السماوة والشامية في منطقة الفرات الأوسط، كما شيد جامع الألوسي في الشامية، الذي لا يزال جزء منه قائمًا إلى اليوم. وعندما دخلت القوات البريطانية العراق خلال الحرب العالمية الأولى، وقع أسيرًا في سامراء، وتوفي أثناء نقله إلى المعتقل في الهند، بعد رحلة مأساوية انتهت بدفنه في مدينة العمارة. أما جده السيد عبد الباقي الألوسي، فقد كان من كبار علماء الفقه والقضاء في الدولة العثمانية، فيما كان جده الأكبر العلامة أبو الثناء محمود شهاب الدين الألوسي صاحب التفسير الشهير «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»، أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي في القرن التاسع عشر.
في هذا المناخ العلمي نشأ إبراهيم الألوسي، فأكمل دراسته الأولى في بغداد، ثم تخرج في المدرسة السلطانية، قبل أن يشد الرحال إلى إسطنبول ليدرس الطب في كلية حيدر باشا العسكرية، إحدى أعرق المؤسسات الطبية في الدولة العثمانية، حيث نال شهادة الطب عام 1921 برتبة ملازم أول طبيب. وبعد قيام المملكة العراقية عاد إلى بغداد عام 1922، ليبدأ مسيرة طويلة في خدمة القطاع الصحي.
استهل عمله في مصلحة الصحة العامة التابعة للواء بغداد، ثم انتقل طبيبًا إلى مستشفى كربلاء بين عامي 1923 و1926، حيث تخصص في الجراحة، قبل أن يعود إلى بغداد للعمل في المستشفى المجيدي. ولم تمض سنوات حتى بدأت مسؤولياته الإدارية تتسع، فعُيّن مديرًا لصحة لواء العمارة عام 1930، ثم مديرًا لصحة العاصمة عام 1931، ورئيسًا لصحة لواء البصرة عام 1933، وهي مناصب أكسبته خبرة واسعة في إدارة المؤسسات الصحية في مختلف أنحاء العراق.
وفي أواخر الثلاثينيات، تولى إدارة المعاهد الصحية، ثم أصبح مديرًا عامًا للصحة عام 1939، قبل أن يُعيّن مفتشًا عامًا للصحة العامة، ثم مفتشًا عامًا للشؤون الصحية والاجتماعية عام 1942. وقد جاءت هذه المناصب في مرحلة كان العراق يعمل فيها على بناء جهاز صحي حديث، فكان للدكتور الألوسي دور مهم في تطوير الإدارة الصحية، وتوسيع الخدمات الطبية، والاهتمام بإعداد الكوادر الوسطية، إدراكًا منه أن نجاح أي نظام صحي لا يعتمد على الأطباء وحدهم، بل على منظومة متكاملة من المساعدين والفنيين والإداريين.
وفي الرابع من حزيران عام 1944، اختاره حمدي الباجه جي وزيرًا للمعارف (التربية)، فدخل مجلس الوزراء في مرحلة شهدت اهتمامًا متزايدًا بتطوير التعليم. واستمر في هذا المنصب حتى شباط 1946، كما انتُخب نائبًا عن لواء بغداد في الفترة نفسها، جامعًا بين المسؤولية التنفيذية والعمل النيابي، وهي تجربة تعكس الثقة التي حظي بها في الأوساط السياسية والإدارية آنذاك.
وبعد انتهاء مهمته الوزارية عاد إلى العمل الإداري، فتولى إدارة الصحة العامة، ثم أصبح مديرًا عامًا للشؤون الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى السلك الدبلوماسي عام 1948 وزيرًا مفوضًا في وزارة الخارجية، ثم ممثلًا للعراق في دمشق، وبعدها في أنقرة، حيث رُفع إلى درجة سفير عام 1953، وظل يمثل العراق في تركيا حتى عام 1956، قبل أن يعود إلى بغداد مديرًا عامًا للطب الوقائي، ثم يختار التقاعد في العام نفسه.
ولم تنتهِ مسيرته العامة عند هذا الحد، إذ عُيّن عضوًا في مجلس الأعيان عام 1957، لكنه آثر الابتعاد عن الحياة العامة بعد أحداث الرابع عشر من تموز 1958، مفضّلًا الانصراف إلى حياته الخاصة بعد عقود طويلة من العمل في خدمة الدولة.
وإلى جانب مسؤولياته الرسمية، كان الدكتور إبراهيم الألوسي من رواد العمل المدني في العراق. فقد كان من مؤسسي الجمعية الطبية البغدادية التي أصبحت لاحقًا الجمعية الطبية العراقية، وشغل فيها منصب أمين الصندوق ثم نائب الرئيس، وأسهم في تأسيس جمعية حماية الأطفال، وجمعية مكافحة التدرن العراقية، وجمعية الهلال الأحمر العراقية، وظل ناشطًا فيها سنوات طويلة. كما كان من أوائل الداعين إلى تأسيس جمعية الطيران المدني العراقية، إدراكًا منه لأهمية النقل الجوي في مستقبل البلاد، وهو تصور يعكس بعد نظره في قراءة متطلبات التنمية الحديثة.
وكان من أبرز إنجازاته مساهمته في تأسيس الكلية الطبية الملكية العراقية، إذ كان من الموقعين على العريضة التي رفعت إلى الملك فيصل الأول لإنشائها، كما تولى في سنواتها الأولى تدريس مادة قانون وأخلاق الطب، مؤمنًا بأن الطبيب لا يكتمل تكوينه بالعلم وحده، بل يحتاج إلى منظومة أخلاقية تحكم علاقته بالمريض والمجتمع.
وتقديرًا لخدماته الكبيرة، نال عددًا من الأوسمة والأنواط، من بينها وسام الرافدين المدني، إلى جانب أوسمة من جمعية الهلال الأحمر العراقية وجمعية حماية الأطفال، وهي تكريمات جسدت الاعتراف الرسمي والمجتمعي بدوره في بناء المؤسسات الصحية والاجتماعية.
وامتد أثره إلى أسرته أيضًا، إذ واصل ابنه الأستاذ الدكتور خليل إبراهيم الألوسي المسيرة العلمية، فكان من أبرز أساتذة علم الأمراض في كلية الطب بجامعة بغداد، ورئيسًا لفرع الباثولوجي، ومديرًا لمعهد علم الأمراض المركزي، وصاحب مؤلفات وبحوث علمية عديدة، في استمرار واضح للتقاليد العلمية التي عُرفت بها الأسرة الألوسية.
وفي عام 1985 أسدل الستار على حياة الدكتور إبراهيم عاكف الألوسي، فرحل في داره بمنطقة الصليخ المطلة على نهر دجلة، المدينة التي ولد فيها وخدمها طوال حياته، ودُفن في مقبرة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في الأعظمية، ليطوى برحيله فصل من فصول بغداد الحديثة، ورحلة رجل أسهم في بناء مؤسساتها الصحية والتعليمية والإدارية.
لقد كان إبراهيم عاكف الألوسي أكثر من طبيب ناجح أو مسؤول حكومي؛ فقد مثل نموذجًا لجيل آمن بأن نهضة العراق تبدأ ببناء الإنسان والمؤسسة معًا، وأن الطب والتعليم والعمل المدني والدبلوماسية ليست ميادين متفرقة، بل حلقات في مشروع وطني واحد. ولهذا بقي اسمه حاضرًا بين رواد العراق الحديث الذين جمعوا بين المعرفة والإدارة، وبين الكفاءة والإخلاص في خدمة الوطن.
وقد استندت هذه السيرة إلى المعلومات الواردة في «موسوعة المطبعي»، وإلى المادة التوثيقية المنشورة في صفحة «شخصية من بلادي» للأستاذ موفق الربيعي، فضلًا عن المعلومات الخاصة بتاريخ الأسرة الألوسية، وهي مصادر تتكامل في رسم صورة أحد أبرز رجالات العراق في النصف الأول من القرن العشرين.

قد يعجبك ايضا
∧