أَمَانِي “نوفيللا في حلقات”

د. أميمة منير جادو

الفصل الثالث:
هدية صغيرة وقلب كبير

لم أكن أعلم، وأنا أدخل إلى استراحة السيدات في تلك الظهيرة، أنني سأرى من أماني ما يضيف إلى معرفتي بها شيئًا لا تمنحه الأحاديث العابرة، مهما طالت.
كنت أود أن أرتب هيئتي قليلًا قبل العودة إلى القاعة، وأن أستعيد نشاطي بعد ساعات من الجلوس والإصغاء، فإذا بالمصادفة تضعني أمام مشهد صغير، لكنه ظل عالقًا في ذاكرتي.
كانت أماني هناك، تستعد للصلاة. خلعت حجابها، وشمَّرت عن ذراعيها لتتوضأ، في بساطة لا تعرف التصنع. أسعدني المشهد؛ فقد كنت أقدّر أن يحتفظ الإنسان بصلته بعبادته، حتى وهو خارج بيته، بين برنامج مزدحم ووجوه كثيرة ومواعيد متلاحقة.
لم تقل شيئًا عن ذلك، ولم تكن بحاجة إلى أن تقول. كانت تؤدي ما اعتادته، وكأن الصلاة موعد لا تُزاحمه مشاغل اليوم.
اقتربتُ من المرآة، وتأملت وجهي، ثم انتبهت إلى أن الكحل قد زال عن عينيَّ و لعلها لاحظت ذلك، أو لعلني ذكرت الأمر عفوًا، فإذا بها تفتح حقيبتها وتخرج “قلم كحل”، ثم تمده إليَّ في تلقائية خجلى.
قالت ببشاشة: إنه جديد، واقسمت انه لم يُستعمل من قبل، وألحَّت عليَّ أن آخذه.
(حاولت أن أعتذر في البداية؛ فليس من عادتي أن أقبل شيئًا من شخص لم يمض على معرفتي به إلا وقت قصير. لكنها لم تجعل الأمر يبدو كهدية تستدعي الحرج، بل كأنها تقدم شيئًا يسيرًا إلى امرأة تعرفها منذ زمن. لم تترك لي مجالًا واسعًا للاعتذار، وظلت تؤكد أنه جديد حتى قبلته.
كان قلمًا صغيرًا، لا يستحق في حساب الأشياء المادية أن يُروى خبره، لكنني لم أنظر إليه يومها باعتباره قلم كحل فحسب. لفتني ما وراءه: سرعة المبادرة، وسماحة النفس، وتلك الرغبة البسيطة في أن تمنح من أمامها شيئًا يسعده، من غير حساب ولا انتظار لمقابل.

أتعرفين يا أماني؟ ليست قيمة العطايا فيما تحمله من ثمن، وإنما فيما تكشفه من طبيعة أصحابها. ثمة من يمنحك الكثير وهو ينتظر أن تظل ممتنًّا له، وثمة من يقدم شيئًا صغيرًا ثم يمضي، كأن العطاء عنده عادة لا تحتاج إلى إعلان. وقد شعرتُ يومها أنك من الصنف الثاني.

عدنا بعد الاستراحة إلى القاعة، وعاد المتحدثون إلى المنصة، وعاد الحضور إلى مقاعدهم. جلست أماني إلى جواري من جديد، واستأنفنا حديثنا الخافت في الفواصل القصيرة. غير أنني لم أعد أراها كما رأيتها في أول الصباح تمامًا؛ فقد أضاف ذلك الموقف العابر إلى ملامحها ملمحًا آخر، لا يناقض هدوءها ووقارها، بل يكملهما.
ومع ذلك، لم أكن قد عرفت بعدُ ما الذي يسكن وراء ذلك الهدوء. كانت في أماني مسحة حزن خفيفة، لا تظهر في كل لحظة، لكنها كانت تلوح أحيانًا في عينيها، أو في سكون مفاجئ يتخلل حديثها. لم أرد أن أتطفل على ما لا أعرفه، لكن شيئًا في داخلي جعلني أتساءل إن كان وراء ابتسامتها ما لا تقوله.

وفي لحظة من تلك اللحظات، غلبني السؤال. التفتُّ إليها برفق، وسألتها عما إذا كان هناك ما يضايقها.

لم تكن إجابتها طويلة، ولم تمهد لها بحكاية أو تفاصيل.

قالت إن أمها قد ماتت.

هبطت الكلمات على قلبي أثقل مما توقعت. لم أكن أعرف أن الفقد قريب إلى هذا الحد، وأن وراء وجهها الهادئ وجعًا لم يمض عليه وقت طويل. ثم أخبرتني أن أباها رحل قبل أمها بعام، وأنهما كانا سندها الكبير في الحياة.

عندها فقط فهمت أنني كنت أقف أمام حزن مضاعف؛ فقدت أباها، ثم فقدت أمها بعده بوقت قصير، وبقيت تحمل غيابهما في داخلها وهي تواصل حياتها، وتربي أبناءها، وتسعى إلى إتمام دراستها، وتسافر بين بلدين، وتجلس في مؤتمر يتحدث عن جمال اللغة، بينما في قلبها كلمات لا تستطيع أي لغة أن ترد بها الغائبين.
شعرتُ بوخزة ندم لأنني سألت. لم أكن أريد أن أفتح جرحًا، ولم أتصور أن وراء تلك المسحة الحزينة حكاية بهذا الثقل. تمنيت لو استطعت أن أرجع بالسؤال إلى داخلي، قبل أن أنطقه، لكن الكلمات كانت قد قيلت، ولم يبقَ أمامي إلا أن أقترب منها بما يسمح به المقام، وأن أعزيها بصدق.

لم يكن في وسعي أن أزيل حزنها، ولا أن أقول ما يعيد إليها أبويها، ولا أن أزعم أنني أعرف مقدار ما فقدته. كنت أعلم أن بعض الأوجاع لا تُواسيها الكلمات بقدر ما يواسيها أن يجد صاحبها قلبًا لا يستعجل نسيانها، ولا يطالبه بأن يبدو قويًّا طوال الوقت.

أتدرين يا أماني؟ لعلني في تلك اللحظة بدأت أفهم شيئًا من سر انجذابي إليكِ منذ اللقاء الأول. لم يكن الأمر متعلقًا بملامحك وحدها، ولا بهدوئك، ولا بتلك السمرة التي ذكرتني بملكات مصر القديمة. كان ثمة شيء إنساني أعمق، أخذ يتكشف أمامي ببطء؛ امرأة تعرف كيف تواصل طريقها رغم ما فقدت، وكيف تمنح الآخرين لطفًا جميلا، بينما تحمل في قلبها فراغًا لا يراه معظمهم.

ظل حديثنا يمضي في حدود ما تسمح به الجلسة، لكن معرفتي بكِ كانت قد عبرت عتبة جديدة. لم تعودي بالنسبة إليَّ تلك الشابة التي استوقفتني ملامحها بين الحاضرين، بل صرتِ إنسانة بدأت أرى خلف صورتها حكاية، وخلف ابتسامتها غيابًا، وخلف إصرارها على الحياة سندًا كان يومًا قريبًا ثم صار ذكرى.

ولم أكن أدري أن هذا اللقاء، الذي بدأ عند مائدة للشاي في مؤتمر، سيترك في نفسي رغبة حقيقية في ألا يكون عابرًا. كنت أريد أن أعرفك أكثر، لا لأفتش في أحزانك، بل لأن شيئًا في روحي كان قد مال نحوك، ولأنني شعرت، للمرة الأولى منذ وقت طويل، أن بعض اللقاءات لا تنتهي حين يغادر أصحابها المكان.
كان عليَّ أن أجد وسيلة أبقي بها هذا الخيط الرفيع بيننا ممتدًّا، قبل أن يطوي المؤتمر صفحته الأخيرة، وتعود كلتانا إلى حياتها، كأن شيئًا لم يحدث.

ربما كان عليَّ أن أتعلم، منذ تلك اللحظة، ألا أبحث عن تفسير لكل ما يتحرك في أعماقي. فليس كل ما نشعر به وليد أسباب نستطيع ترتيبها في سلسلة منطقية، وليس كل ميل إلى إنسان جديد- نتيجة صفات أحصيناها فيه واحدة بعد أخرى- أحيانًا تسبق الألفةُ المعرفةَ، ويستيقظ في النفس شعور لا نملك له اسمًا دقيقًا، ثم تأتي الأيام لتمنحه ملامحه ومعناه.

لقد رأيتُ أماني للمرة الأولى في قاعة مزدحمة بالوجوه، ولم يكن بيننا تاريخ مشترك، ولا مواقف سابقة، ولا مصلحة تدعوني إلى الاقتراب منها. ومع ذلك، كان في نفسي نحوها شيء يتجاوز الإعجاب العابر. لم أكن أعرفها بما يكفي لأقول إنني أحببت شخصيتها، ولم أكن قد سمعت منها ما يسمح لي بأن أحيط بها خبرا؛ لكنني شعرت بانجذاب هادئ إليها، كأن روحي انتبهت إلى حضورها قبل أن يستكمل عقلي أسباب انتباهه.

أتدرين يا أماني؟
كنت أظن أن القرب يُبنى دائمًا بالطريقة التي نعرفها: وقت طويل، ومواقف تتراكم، وأحاديث تتكرر، ثم تنشأ المودة على مهل. لكن لقاءكِ جعلني أراجع يقيني القديم. أدركت أن الزمن يصنع الألفة، نعم، لكنه لا يفسر وحده لماذا يظل بعض الناس غرباء مهما طال مقامهم في حياتنا، بينما يترك آخرون فينا أثرًا عميقًا منذ اللحظة الأولى.

لعل هذا ما يجعلني أستحضر جلال الدين الرومي، لا بوصفه صاحب أقوال نرددها كلما استعصى علينا تفسير الشعور، بل بوصفه إنسانًا جعل المحبة طريقًا إلى معرفة أعمق بالنفس وبالوجود.
ففي الرؤية الصوفية لا تكون المحبة امتلاكًا للآخر، ولا مطالبة له بأن يملأ فراغاتنا، وإنما انفتاحًا على الخير الذي نراه فيه، وامتنانًا لأن وجوده أضاء في داخلنا شيئًا كان ساكنًا أو غائبًا عن وعينا.

ولعل شمس التبريزي يلوح في هذا المعنى أيضًا؛ ففي الحكاية التي جمعت اسمه باسم الرومي، تحتل الصحبة الروحية مكانة تتجاوز تبادل المعرفة إلى التحول الذي يحدثه اللقاء في الإنسان. لم يكن المهم مجرد أن يلتقي اثنان، بل أن يرى كل منهما في الآخر بابًا إلى أسئلة أعمق عن نفسه وعن الحياة وعن الله.

وأنا لا أزعم أن ما حدث بيني وبينك يشبه حكايتهما، ولا أريد أن أحمّل لقاءنا ما لا يحتمل. لكنني أفهم، من خلال تلك الروح الصوفية، أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا فيوقظون فينا قدرة على المحبة لم نكن نعرف مقدارها، وأن قيمة اللقاء لا تُقاس دائمًا بما يغيّره في الخارج، بل بما يوقظه في الداخل.
لم أشعر يومها أنني أريد أن أمتلك مكانًا في حياتكِ، أو أن أزاحم أحدًا على قلبكِ، أو أن أكون بديلًا لمن فقدتِهم. كنت أعرف أن للأم مكانًا لا تملؤه امرأة أخرى، وأن فقد الأبوين ليس فراغًا يُسدّ بعبارة حانية أو صداقة جديدة. لكنني شعرت أنني أريد أن أكون قريبة منكِ بما أستطيع؛ أن أسمعكِ حين تحتاجين إلى الكلام، وأن أطمئن عليكِ، وأن أفرح لفرحكِ، وأن أحزن حين يثقل عليكِ الطريق، من غير أن أطالب هذه المودة باسم أو مقابل.

قد يعجبك ايضا
∧