بلاغة القبح في الخطاب الإعلامي: من جماليات التأثير إلى صناعة القبول الاجتماعي قراءة نقدية في ضوء كتاب «جماليات القبح في الشعر العربي: رؤية ثقافية» للدكتورة سرى ظافر سلمان
د. زيد محمد كاظم
ليست خطورة اللغة في ما تقوله فحسب، بل في الطريقة التي تجعلنا نتقبّل ما تقوله. فقد تتحول الكلمات، بفعل الصياغة البلاغية، من أدوات لوصف الواقع إلى وسائل لإعادة تشكيله، ومن وسيلة لنقل الحقيقة إلى أداة لتوجيه الإدراك وصناعة المواقف. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لخطاب إعلامي أن يقدم فكرة إقصائية أو ممارسة تمييزية أو سلوكاً عنيفاً، ثم ينجح في إكسابها قدراً من القبول الاجتماعي من خلال اختيار مفردات تبدو جذابة أو مألوفة أو مشروعة؟ هذا السؤال يقودنا إلى منطقة مشتركة بين النقد الثقافي والإعلام، ويفتح مجالاً لقراءة معاصرة تستلهم ما طرحته الدكتورة سرى ظافر سلمان في كتابها «جماليات القبح في الشعر العربي: رؤية ثقافية»، الصادر عن دار كنوز المعرفة العلمية. فعلى الرغم من أن الكتاب يتجه أساساً إلى دراسة الموروث الشعري العربي والكشف عن الأنساق القيمية والاجتماعية المختبئة خلف جماليات النص، فإن مفاهيمه، ولا سيما مفهوم «المباغتة الجمالية»، تتيح لنا أفقاً نقدياً يمكن الإفادة منه في تحليل الخطاب الإعلامي المعاصر. فإذا كان الشاعر قادراً على تغليف بعض القيم المنبوذة بإطار بلاغي يجعلها مقبولة جمالياً، فإن الخطاب الإعلامي يمتلك بدوره أدوات لغوية وتعبيرية قادرة على إعادة تقديم بعض الممارسات الاجتماعية والسياسية في صور مختلفة، مستفيداً من سلطة المفردة، وتأثير الصورة، وقوة العنوان، وسرعة انتشار الرسالة. وهنا يمكن الانتقال من سؤال: كيف يجمّل الشعر القبح؟ إلى سؤال أكثر اتصالاً بواقعنا الإعلامي: كيف تصنع اللغة الإعلامية قبولاً اجتماعياً لبعض أشكال القبح؟
أولاً: من المباغتة الجمالية إلى المباغتة الإعلامية
تُعد المباغتة الجمالية من المفاهيم التي تفتح باباً لفهم العلاقة بين الشكل والمضمون؛ إذ قد ينجذب المتلقي إلى جمال الصياغة قبل أن يتوقف عند طبيعة الفكرة التي تحملها. فالإيقاع والصورة والاستعارة والمبالغة تمنح النص قدرة على التأثير تتجاوز المعنى المباشر. وإذا نقلنا هذه الفكرة إلى المجال الإعلامي، سنجد أن العنوان الصحفي، والعبارة المختارة، والصورة المصاحبة، وطريقة تقديم الحدث، كلها عناصر يمكن أن تصنع ما يمكن تسميته «المباغتة الإعلامية». وهي حالة يسبق فيها التأثير العاطفي عملية التفكير النقدي، فيتفاعل الجمهور مع الرسالة قبل أن يفحص دلالاتها ومضامينها. فعلى سبيل المثال، ثمة فرق دلالي واضح بين أن تصف وسيلة إعلامية حدثاً بأنه «اعتداء على مجموعة من المواطنين»، وأن تقدمه بوصفه «إجراءً لحفظ النظام». قد يبدو الاختلاف لغوياً، لكنه في الحقيقة اختلاف في بناء المعنى؛ فالمفردة الأولى تستدعي مساءلة الفعل، بينما قد تمنح الثانية انطباعاً بالمشروعية، حتى قبل معرفة تفاصيل الحدث. ولا يعني ذلك أن كل استخدام لعبارة «حفظ النظام» يمثل تضليلاً، وإنما تكمن المسألة في مدى مطابقة التسمية للوقائع، وفي ما إذا كانت اللغة تشرح الحدث أم تحاول إعادة تشكيل موقف الجمهور منه. فالخطاب الإعلامي لا ينقل الواقع بصورة محايدة دائماً، بل يشارك في إنتاج المعاني التي يتعامل الجمهور من خلالها مع ذلك الواقع. وهنا تصبح البلاغة الإعلامية قوة مؤثرة، يمكن أن تخدم التوعية وكشف الحقيقة، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتجميل الممارسات المرفوضة.
ثانياً: تجميل العنف وإعادة إنتاج البطولة
من أبرز الأنساق التي تناولتها المقاربة الثقافية للقبح نسق العنف، وكيف يمكن أن يتحول من ممارسة تثير الرفض إلى قيمة ترتبط بالقوة والانتصار والمجد. اذ نجد في الخطاب الإعلامي المعاصر صوراً مشابهة عندما تُستخدم عبارات مثل «سحق الخصم» أو «تصفية الحسابات» أو «الضربة القاضية» في سياقات تتعلق بالصراعات الاجتماعية والسياسية، فتتحول لغة المواجهة إلى لغة احتفاء بالغلبة، ويصبح الانتصار على الآخر أهم من البحث عن أسباب الصراع ونتائجه الإنسانية. وتزداد خطورة هذا الخطاب عندما تتحول معاناة الضحايا إلى تفاصيل هامشية، بينما تتصدر مشاهد القوة والانتقام والبطولة واجهة التغطية الإعلامية. فالمشكلة ليست في استخدام اللغة الحماسية بحد ذاتها، وإنما في أن تتحول الحماسة إلى غطاء يحجب الأبعاد الإنسانية والأخلاقية للحدث. فالإعلام الذي يحتفي بالقوة دون مساءلة نتائجها قد يسهم في تطبيع العنف داخل الوعي الجمعي، ويجعل بعض الممارسات تبدو مقبولة لمجرد أنها قُدّمت في إطار بطولي. وهذا يذكرنا بما تكشفه القراءة الثقافية للشعر الحماسي والفخري من قدرة الخطاب على تحويل القوة والعنف إلى علامات للمجد والتفوق.
ثالثاً: اللغة الإعلامية وصناعة التمييز الاجتماعي
لا تقتصر بلاغة القبح على تجميل العنف، بل تمتد إلى إعادة إنتاج التمييز الطبقي والعرقي والاجتماعي من خلال المفردات والتوصيفات التي تُستخدم في تقديم الأفراد والجماعات. فاللغة الإعلامية ليست مجرد وسيلة للتعريف بالأشخاص، بل قد تتحول إلى أداة لتصنيفهم ووضعهم داخل مراتب اجتماعية وثقافية. وعندما تصف بعض الفئات بأنها أقل تحضراً أو أقل وعياً أو غير جديرة بالمشاركة، فإنها لا تقدم وصفاً بريئاً بالضرورة، بل قد تسهم في تكريس صورة نمطية تجعل التمييز يبدو نتيجة طبيعية للاختلاف. ولنتأمل الفرق بين وصف مجموعة من المواطنين بأنهم «أصحاب مطالب اجتماعية»، ووصفهم بأنهم «عناصر مثيرة للفوضى» قبل التحقق من طبيعة أفعالهم ومطالبهم. إن الاختيار الثاني قد ينقل الجمهور من فهم المطالب إلى الحكم المسبق على أصحابها. وتتجلى خطورة المفردة الإعلامية؛ فهي لا تكتفي بتسمية الأشخاص، بل قد تمنحهم موقعاً اجتماعياً وأخلاقياً في مخيلة الجمهور. ويصبح من الضروري تفكيك هذه اللغة، والبحث عن الأنساق التي تقف خلفها، ومعرفة ما إذا كانت تسهم في تعزيز التعددية والاعتراف بالآخر، أم تعيد إنتاج ثقافة الإقصاء والتفاضل غير العادل.
رابعاً: المرأة في الخطاب الإعلامي بين الحضور والتهميش
إذا كانت صورة المرأة في بعض النصوص الشعرية قد خضعت لهيمنة النظرة الذكورية، فإن الخطاب الإعلامي المعاصر لم يتحرر تماماً من بعض هذه الأنماط، رغم التطور الكبير في أدوات الاتصال واتساع حضور المرأة في المجالات العلمية والسياسية والمهنية. ففي بعض المعالجات الإعلامية، لا تزال المرأة تُقدَّم من خلال مظهرها الخارجي أو عمرها أو تفاصيل حياتها الخاصة، بينما تُهمَّش كفاءتها وخبرتها ومساهمتها في المجتمع. وتكون المفارقة أكثر وضوحاً عندما تتناول وسيلة إعلامية إنجازاً علمياً لامرأة، فتجعل مظهرها أو حياتها الشخصية محور التغطية، بدلاً من التركيز على إنجازها ذاته. وهذا النوع من التناول لا يمثل مجرد خلل في اختيار المفردات، بل يعكس نسقاً ثقافياً يجعل المرأة موضوعاً للنظر والتقييم أكثر من كونها ذاتاً فاعلة ومنتجة للمعرفة. وتبرز أهمية النقد الثقافي في تحليل الخطاب الإعلامي النسوي، ليس فقط من خلال عدد مرات ظهور المرأة في وسائل الإعلام، وإنما من خلال طبيعة الصورة التي تُبنى عنها، والصفات التي تُلصق بها، والمساحة التي تُمنح لصوتها ورأيها. فالحضور الإعلامي لا يعني بالضرورة تحقق العدالة في التمثيل، كما أن كثرة الصور لا تعني أن المرأة حاضرة بوصفها شخصية مستقلة تمتلك صوتها وقرارها.
خامساً: العنوان الإعلامي بوصفه أداة لتشكيل الوعي
يمثل العنوان أحد أكثر العناصر الإعلامية قدرة على توجيه المتلقي؛ لأنه غالباً ما يكون نقطة الاتصال الأولى بين الجمهور والحدث. وقد يقرأ الجمهور العنوان دون الرجوع إلى التفاصيل، فيتكون لديه موقف أولي قد يصعب تغييره لاحقاً. ويمكن ملاحظة الدور الذي تؤديه الاستعارة والمبالغة والتوصيفات الانفعالية في بناء العناوين. فعندما يُستخدم عنوان مثل «معركة كسر العظام» لوصف خلاف إداري أو سياسي، فإن اللغة تستدعي صورة صراع جسدي عنيف، وتمنح الحدث طابعاً درامياً قد يتجاوز حقيقته. وعندما يُقال «زلزال في المؤسسة» أو «انفجار في مواقع التواصل الاجتماعي»، فإن الاستعارة تنقل الحدث من مستواه الواقعي إلى مستوى انفعالي أكثر إثارة. ولا يمكن عدّ هذه التعبيرات قبيحة في ذاتها، فهي جزء من الإمكانات البلاغية للغة الإعلامية، لكن الإشكالية تظهر عندما تصبح الإثارة بديلاً عن الدقة، أو عندما يُستخدم التهويل لتوجيه الرأي العام بعيداً عن جوهر القضية. فالعنوان الجيد لا يُقاس فقط بقدرته على جذب الانتباه، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين التأثير والصدق، وبين الجاذبية والدقة المهنية.
سادساً: من جماليات القبح إلى أخلاقيات الخطاب الإعلامي
إن نقل مفاهيم جماليات القبح من الحقل الشعري إلى الحقل الإعلامي يضعنا أمام ضرورة إعادة التفكير في المسؤولية الأخلاقية للغة. فالإعلام لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك داخل بيئة اجتماعية وثقافية تتشكل فيها الاتجاهات والقيم والمواقف. وإذا كانت البلاغة قادرة على منح النص الشعري طاقة جمالية، فإنها في الإعلام تمتلك قدرة إضافية تتمثل في الانتشار والتكرار والوصول إلى جمهور واسع خلال زمن قصير. وتبرز أهمية الفصل بين جمال الصياغة وسلامة فالرسالة. فقد يكون العنوان جذاباً لكنه مضلل، وقد تكون العبارة مؤثرة لكنها تحرض على الكراهية، وقد تكون الصورة مبهرة لكنها تنتقص من كرامة الإنسان. وإن المسؤولية المهنية تقتضي ألا تتحول أدوات التأثير إلى وسائل لتبرير التمييز أو تزييف الوقائع أو صناعة العداء بين الجماعات. ويضع المؤسسات الإعلامية والعاملين في العلاقات العامة أمام اختبار حقيقي: هل تُستخدم البلاغة لتقريب الحقيقة إلى الجمهور، أم لتجميل ما ينبغي مساءلته؟ فالعلاقات العامة، على وجه الخصوص، لا ينبغي أن تختزل وظيفتها في صناعة الصورة الإيجابية للمؤسسة مهما كان الثمن، بل عليها أن توازن بين بناء السمعة المؤسسية والالتزام بالشفافية والمسؤولية الاجتماعية. فالسمعة التي تُبنى على تجميل الأخطاء لا تصمد طويلاً أمام انكشاف الحقيقة.
حين تصبح اللغة مرآة للقيم لا ستاراً لإخفائها
إن التأمل في كتاب «جماليات القبح في الشعر العربي: رؤية ثقافية» للدكتورة سرى ظافر سلمان يتيح لنا فرصة لتوسيع مجال التفكير النقدي، والانتقال من مساءلة جماليات النص الشعري إلى مساءلة جماليات الخطاب الإعلامي. فالمفاهيم التي تكشف عن القبح القيمي المختبئ خلف الصورة الشعرية يمكن أن تساعدنا في فهم بعض الممارسات اللغوية التي تُستخدم في الإعلام لتقديم الأفكار والمواقف بصورة تستميل المتلقي، وربما تدفعه إلى قبول ما كان ينبغي أن يخضع للتفكير والمساءلة. ولعل أكثر ما يستحق الانتباه أن القبح لا يحتاج دائماً إلى لغة قبيحة كي ينتشر؛ فقد يرتدي ثوب البلاغة، ويتخفى خلف عنوان جذاب، ويظهر في صورة إعلامية متقنة، ويُقدَّم في قالب من العبارات التي تستثير المشاعر وتستدرج المواقف. وهنا تكمن المفارقة: قد تكون اللغة جميلة، لكن الفكرة التي تحملها ليست كذلك. إننا بحاجة إلى إعلام لا يكتفي بجمال التعبير، بل يدرك مسؤولية المعنى، ولا يجعل من التأثير غاية منفصلة عن الحقيقة، ولا يسمح للبلاغة بأن تتحول إلى ستار يحجب القيم الإنسانية. فليست مهمة الإعلام أن يجعل كل شيء يبدو جميلاً، وإنما أن يساعد الجمهور على رؤية الأشياء كما هي، وأن يمتلك القدرة على التمييز بين جمال اللغة ونبل الفكرة، وبين قوة التأثير وصحة الموقف. وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجه كل إعلامي وكاتب وصانع محتوى هو: هل نستخدم اللغة لنكشف القبح ونواجهه، أم نستخدم جمال اللغة لكي نجعل القبح مقبولاً؟