سمير السورميري
إنّ الأمم لا تُقاس حضارتها بالحجارة فقط، بل بما خطّه الفنانون عليها، وما نقشوه فيها، وما تركوه من أثر في المشاعر الإنسانية والأحاسيس الرهيفة في نفوس الآخرين، فالفن لا تحصره الحدود، بل يمتد إلى آفاق واسعة تملأ الأفق بالمشاعر، وتبيّن جمال صنعة الخالق، ولم تكن السياسة يومًا المشهد الدائم في تاريخ الأمم، فالأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تقدّمه للعالم من إنتاج وإبداع وإرث ثقافي وفني يُغني الحياة.
إنّ العطاء الفني الراقي يتجاوز العصور، وكم ترك لنا التاريخ من سير هؤلاء المبدعين، بينما غابت عنه أسماء أخرى، فما يقدّمه الفنانون ليس عملًا عابرًا ينتهي بانسدال الستار أو إطفاء أضواء المسرح، فكم من الغير المؤثرين نسيناهم، وكم تحمل ذاكرتنا من صور جميلة لهؤلاء الفنانين المبدعين، وكم من آهات الجمال والمشاعر التي توهجت وما زالت تلامس الوجدان، بفضل تلك الأنامل والحناجر.
الخبرة التي لا يجوز التفريط بها، إنّ العالم لا يتعرّف إلى الشعوب من خلال قراراتها السياسية، بل من خلال موسيقاها وأدبها وفنها ومبدعيها، فلماذا تُترك هذه العقول المبدعة؟ من المؤسف أن يُختزل عطاء الفنان الكبير في عدد سنوات عمره، أو أن يُنظر إليه باعتباره مرحلة انتهت بمجرد ابتعاده عن الاضواء، فالعمر قد يغيّر قدرة الإنسان على ممارسة بعض الأعمال، لكنه لا يمحو بالضرورة
خبرته، بل قد يزيدها رصانة وإبداعًا، ولا ينتقص من قدرته على التوجيه والإبداع ونقل المعرفة.
إنّ الحضارة لا تعني المباني الفخمة وحدها، ولا إقامة المهرجانات الباذخة، بل تعني تعامل المجتمع مع الإنسان الذي أفنى عمره في خدمته، فالأمم التي تحفظ كرامة مبدعيها تحفظ كرامة ذاكرتها، والأمم الحضارية تصون خبرات مبدعيها، ولا تبدأ من الصفر مع كل جيل، بل تبني على ما أنجزه السابقون.
إن دعم الفنانين والمخرجين الكبار في السن ليس إحسانًا، بل وفاء لذاكرة الوطن، واستثمار في خبرات نضجت أكثر، ولا ينبغي أن يتوقف دعم هؤلاء المبدعين عند تقديم المساعدات المادية، على أهميتها، بل يجب أن يشمل بناء علاقات متواصلة بين أجيال الفن المختلفة، ويمكن للمؤسسات الثقافية الاستفادة من هؤلاء الروّاد من خلال حفظ تجاربهم وأعمالهم، ونقل خبراتهم إلى الشباب عبر دورات بإشرافهم، وإشراكهم في لجان استشارية ثقافية للاستفادة من رؤاهم في تطوير المؤسسات الفنية ودعم المواهب الجديدة، وإنتاج أفلام وثائقية وأعمال توثيقية تسجّل تجاربهم، وتكشف للاجيال القادمة كيف تشكّلت الحركة الفنية على أيدي روّادها.
إنّ هذه الكلمات لم تأتِ اعتباطا، بل انطلقت من حسرة على أفكار إبداعية لم تجد من يدعمها ويمنحها فرصة للتحقق على أرض الواقع، وهذا ما لمسته من خلال لقائي بأحد مخرجينا الكبار، الذي أفنى جهده وفكره في خدمة الحركة الفنية الكوردية، ساعيًا إلى حفظ ذاكرتها وصون منجزاتها، كي لا تُمحى من ذاكرة الوطن والأرض.
لقد وجدته منهكًا، يمضي وحيدًا في مواجهة أعباء العمر والزمن والصحة، حاملًا مشروعًا ثقافيًا وفنيًا يستحق الاهتمام والدعم، مشروعًا يوثق سيرة حياة فنان كوردي أصيل، برؤية حضارية وأسلوب متجدّد يواكب العصر، ويقدّم تجربته للأجيال بروح فنية معاصرة.
إنّ مثل هذه المشاريع لا ينبغي أن تبقى رهينة الجهود الفردية أو الإمكانات المحدودة، بل تتطلب دعمًا كاملا يليق قيمتها الثقافية والتاريخية، فتوثيق سيرة المبدعين ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو حفاظ على الهوية، ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف هذه التجارب وتعتز بها.
كلّ التحايا والتقدير لمخرجنا المبدع ناصر حسن، مع خالص الأمنيات بأن يجد مشروعه ما يستحقه من اهتمام ودعم، وأن ترى أفكاره النور، لتبقى شاهدًا على إبداع الإنسان الكوردي ووفائه لأرضه وتاريخه.