حِيرة المُبدع في مِحراب الموسوعيّة حكيم نديم الداوودي بأقلام محبيه

قيس قره داغي
اعادة الصياغة: ديار الونداوي

حين تتأمل ملامح هذا الرجل، تتبدى سحنته كصفحة من كتاب معتق؛ ملامح هادئة، يرتسم عليها وقار القانوني وتأمل الشاعر. ونظراته الممتدة إلى الأفق لا تنظر إلى الفراغ، بل تبدو وكأنها تبحر عميقاً في مساحات الذاكرة، مارةً بمملحة طوز وسفوح كفري لتستقر في صقيع الغربة الأنيق. إنها سيماء تختزل “حيرة المبدع” الذي يحمل صرامة الحق بين جوانحه، ويداري في الوقت ذاته رقّة اللوحة السريالية التي تولد بين أنامله.

نحن أمام حضورٍ يفرض هيبته الأكاديمية والإنسانية في آن واحد؛ ملامح رجل أمضى أربعة عقود بين دفات الكتب، ومحاضر المحاكم، وريشة الألوان. يتجلى فيه وجه المحامي المدافع عن “آدمية الإنسان” وكرامته، وجه يجمع بين الجدّية المفرطة التي تطلبها العدالة، وبين النبل الشديد الذي يفيض من عينيه، ليؤكد أن صرامة القوانين لا يمكنها أن تطفئ جذوة الفن والجمال في قلبٍ عراقي أصيل.

تأخذنا الحيرة مأخذها ونحن نقف على عتبة البطاقة التعريفية لهذا الأفق الإبداعي الممتد؛ فأي الصفات نطلق عليه لتفيه حقه؟ أهو الشاعر حكيم الذي يحلّق في فضاءات قصائده محوّلاً الكلمات إلى لوحات سريالية مدهشة؟ أم نناديه فناناً تشكيلياً يغزل بريشته السحرية قصائد بصرية زينت جدران المعارض، والبيوت، والمجلات، والشبكة الرقمية؟ أم هو الكاتب الملتزم الذي يمنح المقال رصانته، مستقياً معلوماته من منابع المعرفة الأصيلة، ومفهرساً تفاصيلها بانتظام دقيق، حتى إذا ما وجد المقال دون سمو شعره وبهاء لوحاته، ذيّله بأحد أسمائه المستعارة التي تبقى طي الكتمان حتى إشعار آخر؟ ولا مفر لنا من نعته بـ الناقد الأدبي الرصين، حين نراه يشرِّح نتاجات الأدباء الكرد وإبداعاتهم في قراءات نقدية تفتح شهية القارئ وتأخذ بمجامع قلبه من الألف إلى الياء.

هو الجامع لكل هذه الألقاب في تناغم عجيب، لعل مبعث الدهشة فيه هو تخصصه في القانون وممارسته للمحاماة عبر مكتبين في أربيل وطوزخورماتو. فكيف يجيز القانون، الموصوف بصرامته وجفافه، لصاحبه أن يتحرك بكل هذه الحرية والانعتاق في أجواء القصيدة وحركة الفرشاة؟

غربة الجسد وحنين الروح

يقيم الداوودي اليوم في بلاد الثلج (السويد الإسكندنافية) جسداً، لكن قلبه لا ينفك ينبض بالوفاء لـ مملحة طوز حيث قضى شطر شبابه، ولـ سفح باباشاسوار في كفري مهد ذكريات طفولته العذبة. إنه الظامئ أبداً إلى تلك المدينة القابعة في لهيب الجغرافيا والتاريخ، مدينة كركوك التي تنتظر كودو ليمسح التراب عن وجه أحزانها الحمراء كشعلة “بابا كركر”.

وتزول دهشة الجمع بين صرامة القانون ورقة الكتابة، حين نطالع رأي الداوودي في حواره الشيّق مع المفكر الدكتور توفيق آلتونجي (في مجلة الصوت الآخر، العدد 77)، حيث يقول:

“درستُ الحقوق لأجد بين كتب القانون إنسانية تلك المواد التي تسعد الإنسان المعذّب وتمنع عنه الحيف والظلم… كنت أقرأ الأنظمة القضائية للدول المتحضرة وكيف يحترمون تطبيق القانون بلا تمييز، وكيف أن للمتهم حقوقاً وضمانات مكفولة، وأنه إنسان قبل كل شيء ولا يمكن أن تُهان آدميته في أية ظروف…”

لقاء ستوكهولم وظلال الذكريات

في زيارتي الأخيرة إلى ستوكهولم للمشاركة في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الكوردستاني للإعلام الإلكتروني، حظيت بلقاء أحبة عرفتهم خلف الشاشات الرقمية. أما الداوودي، فقد كانت معرفتي به تعود إلى شرخ الصبا، أواخر الستينات وأوائل السبعينات، حين كانت أسرته تقيم في مدينتي العزيزة كفري. ورغم أن نكبات الزمان جرفت الكثير من التفاصيل، إلا أن ملامح هذه الأسرة الكريمة بقيت محفورة في الذاكرة.

أتذكر جيداً والدة الراحل محمود نديم الداوودي بملبسه الوظيفي المتميز ككاتب أول في محكمة كفري، والذي عُرف كأحد أوائل المنضمين إلى تنظيمات “حزب هيوا” الكردي في الأربعينات. كما تقفز إلى الذاكرة صورة شقيقه الأكبر الراحل صفوة نديم، أشهر خطاطي كردستان والعراق بعد العملاق هاشم الخطاط، والذي رحل مبكراً وهو في ربيع عطائه…واليوم، أجد الصديق حكيم يطل عبر المواقع الإلكترونية الرصينة بمقالاته وفنّه، محتفظاً بملامحه الأصيلة التي تشبه صور نجوم السينما.

مساجلات في المقامات والخوريات

ولم تتوقف موسوعية الداوودي عند الفن والقانون، بل تعدتها إلى إلمام وافٍ بأصول المقامات الكركوكلية، لا سيما تلك التي يصدح بها تركمان كركوك الأصلاء. وبحكم اهتمامي المشترك بالمقام الكردي والتركماني، دارت بيننا في منزله البديع (الذي يشبه معرضاً فنياً) مساجلة لطيفة في “الخوريات”، وتغنينا بمقامات العمركلة، البيات، المنصوري، والديوان، مستحضرين الأبيات التي سمعناها قديماً من أساطين المقام أمثال: علي مردان ، شنه بربر، سعيد نجم، حسه ناراس، حسن زيرك ، رشيد كله رضا، عز الدين نعمت، هابه، مشكو، وأكرم طوزلو. فكانت تلك الأيام واحة دافئة في صقيع الغربة والتغريب.

خلف كل مبدع.. شراكة فكرية

من الإجحاف أن نمرّ بهذا البيت دون الإشادة بدور المرأة، بعيداً عن الكليشيهات التقليدية التي تضعها “وراء” الرجل في نوع من التمييز المبطن. إن زوجة المبدع حكيم، السيدة د.سعادة البرزنجي، شخصية غنية عن التعريف؛ فهي حائزة على ماجستير في الرياضيات من جامعة صلاح الدين، وماجستير ثانٍ في علم الإنترنت من جامعة أمستردام، وتعمل على أطروحة الدكتوراه بإشراف بروفيسور هندي. وكل هذا الزخم الأكاديمي لم يمنعها من إدارة شؤون بيتها وتهيئة جو إبداعي ماطر بالمحبة على مدار الفصول الأربعة، فهي ليست “خلف الحجاب” بل شريكة حقيقية في صياغة هذا الجمال.

قد يعجبك ايضا
∧