المهدي مجبور
▫️من المجاهدين إلى الأجيال: المحطات الكبرى للثورة التحريرية المجيدة
يظل الأول من نوفمبر 1954 المحطة الأسمى والمنعرج الحاسم في تاريخ الجزائر المعاصر؛ فهو ليس مجرد تاريخ لتفجير الثورة التحريرية المباركة، بل هو ميلاد لأمة استعادت حريتها وكرامتها بعد قرابة قرن ونصف من الاستعمار الاستيطاني الغاشم.
لقد عبرت الثورة التحريرية الكبرى محطات قاسية وحاسمة، بدأت بتجذر العمل المسلح وتوحيد صفوف الجزائريين تحت لواء جبهة وجيش التحرير الوطني، مروراً بتنظيم الهياكل السياسية والعسكرية في مؤتمر الصومام سنة 1956 الذي أعطى للثورة نفساً استراتيجياً وتنظيمياً محكماً، وصولاً إلى حرب الدبلوماسية والمعارك الكبرى التي أربكت الكيان الاستعماري في الداخل والخارج، حتى تتويج الكفاح بالاستقلال الوطني في الخامس من جويلية (يوليو) 1962.
بصفتي أستاذاً لمادة التاريخ والجغرافيا، أؤمن إيماناً قاطعاً بأن تدريس التاريخ لا ينبغي أن يقتصر على سرد تواريخ صماء وجداول زمنية جامدة، بل يجب أن يتحول إلى تجربة وجدانية ووطنية حية. إن إدراج إحياء الأيام الوطنية، وفي مقدمتها ذكرى أول نوفمبر، ضمن الأنشطة المدرسية ليس مجرد نشاط عابر، بل هو ضرورة استراتيجية ملحة لترسيخ الذاكرة الوطنية في عقول الأجيال القادمة.
إن المدرسة هي الحصن الأول لبناء الهوية، وحين ندمج التلاميذ في إعداد مجلات الحائط، والندوات التاريخية، وتجسيد المحطات الثورية عبر المسرح والبحث، فإننا ننقلهم من مقاعد المتلقين إلى صنّاع للذاكرة. إن تذكير الناشئة بتضحيات الشهداء الأبرار وبطولات المجاهدين الأطهار يجعلهم يدركون عظم الأمانة الملقاة على عاتقهم، ويعزز في نفوسهم روح الانتماء والاعتزاز بالوطن.
إننا نعمل من خلال هذه الأنشطة على ربط الماضي العريق بالحاضر المشرق، لنضمن أن تظل شعلة نوفمبر متوهجة في وجدان الأجيال القادمة بلا انقطاع.