محمد علي الحيدري
خسارة معسكر بنيامين نتنياهو خمسة عشر مقعداً في الانتخابات الإسرائيلية تطرح سؤالاً يتجاوز حدود إسرائيل: هل يواجه الجمهوريون في الانتخابات الأميركية النصفية حساباً مشابهاً، بعدما احتلت الحرب مع إيران موقعاً بارزاً في الجدل الانتخابي؟ ثمة أسباب وجيهة لترجيح تراجعهم، وإن كانت المقارنة تحتاج إلى التمييز بين تشابه الضغوط واختلاف النظامين السياسيين.
تراجع معسكر نتنياهو من ٦٨ إلى ٥٣ مقعداً، وفقد أغلبيته البرلمانية، فيما بقي الليكود أكبر الأحزاب. وهذه نتيجة لا تعني حسم خروجه من الحكم، لكنها تكشف أن قيادة الحروب والتمسك بخطاب القوة لا يكفيان لضمان تجديد التفويض الشعبي. ومع ذلك، لا تسمح النتائج وحدها بعزل أثر الحرب مع إيران عن بقية أسباب التصويت، من الانقسامات الداخلية إلى أزمات الثقة والأمن.
هنا تبدأ المقارنة الأميركية الأكثر دلالة. فالحرب قد تمنح السلطة فرصة لتعبئة الجمهور، لكن استمرارها يغيّر طبيعة الأسئلة التي يطرحها الناخب. يتراجع الانشغال بصورة الضربة الأولى أمام السؤال عن النهاية: ما الذي تحقق؟ وكم سيدفع المواطن؟ وهل باتت بلاده أكثر أمناً، أم أكثر تورطاً؟
بالنسبة إلى الجمهوريين، تكمن المعضلة في أن خطاب الحزم الخارجي يصبح أصعب تسويقاً حين يشعر الناخب بأن نتائجه تثقل حياته اليومية. وفي استطلاع نشر في الرابع من تشرين الأول، ربط معظم الناخبين الحرب بارتفاع أسعار البنزين. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحرب بوصفها عاملاً انتخابياً يتجاوز السياسة الخارجية؛ فهي تدخل إلى حسابات الأسرة عبر الوقود والنقل والقلق من استمرار الأعباء.
ويعزز احتمال التراجع الجمهوري استطلاع منشور في الثلاثين من تشرين الأول، أظهر تقدماً للديمقراطيين بعشر نقاط في التفضيل الوطني لانتخابات الكونغرس. وهذه إشارة إلى اتجاه المزاج العام، وليست ترجمة آلية إلى عدد محدد من المقاعد، ولا دليلاً على أن الحرب وحدها صنعت هذا الفارق.
يمكن، مع ذلك، ترجيح أن الحرب تضاعف مشكلات الحزب الحاكم. فالناخب المتردد قد يجمع بين اعتراضه على الأسعار وشكوكه في جدوى المواجهة، ثم يصوّت لمعاقبة الإدارة وحلفائها. أما بعض المؤيدين المحبطين، فقد يعبّرون عن موقفهم بالامتناع عن التصويت. وفي الدوائر المتقاربة، قد يكون فتور القاعدة الانتخابية مؤثراً بقدر انتقال الأصوات إلى الخصم.
لكن القياس على إسرائيل يظل محدوداً. فالانتخابات الأميركية المقبلة لا تختار رئيساً جديداً، وإنما تعيد تشكيل الكونغرس؛ كما أن مجلس النواب ومجلس الشيوخ تحكمهما خرائط ومنافسات مختلفة. لذلك يبدو احتمال فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب أقرب إلى منطق المقارنة من توقع هزيمة متماثلة في المجلسين، أو استعارة نسبة الخسارة الإسرائيلية وتطبيقها حسابياً على أميركا.
ولا يعني ترجيح العقاب الانتخابي أن الناخب الأميركي يتبنى موقفاً مؤيداً لإيران، أو أنه يرفض استخدام القوة في جميع الظروف. الأرجح أن شريحة منه ستطالب السلطة بإثبات أن الكلفة كانت ضرورية، وأن الأهداف قابلة للتحقق، وأن للحرب نهاية سياسية مفهومة. وعندما تعجز الإدارة عن تقديم إجابات مقنعة، تتحول القوة التي أرادت عرضها بوصفها إنجازاً إلى موضوع للمساءلة.
بهذا المعنى، تبدو خسارة نتنياهو إنذاراً سياسياً للجمهوريين، وإن لم تكن نبوءة بنتيجتهم. فالاحتمال الراجح هو أن يدفعوا ثمناً انتخابياً لتراكم الأعباء الداخلية واستمرار الحرب معاً. وقد يكتشفون، كما توحي التجربة الإسرائيلية، أن القدرة على توسيع المواجهة لا تمنح أصحابها بالضرورة القدرة على الاحتفاظ بالأغلبية.