حميد قاسم.. شاعرٌ يعبر بين ضفاف القصيدة وأسئلة السرد

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس الشاعر الحقيقي من يكتفي بكتابة القصيدة، بل من يجعل من الكتابة مساحة لاكتشاف العالم والإنسان، ومن اللغة وسيلة لمساءلة الحياة وتحولاتها. ومن بين الأسماء التي اشتغلت على هذا الأفق الإبداعي، يبرز الشاعر والصحفي العراقي حميد قاسم، بوصفه تجربة أدبية تعددت مساراتها بين الشعر والنقد والرواية والمسرح وأدب الأطفال، من دون أن تفقد صلتها الأولى بجوهر الكتابة.
ولد حميد قاسم في بغداد، المدينة التي تختزن في ذاكرتها تناقضات التاريخ والحياة، وتمنح أبناءها حساسية خاصة تجاه المكان واللغة والتحولات الاجتماعية. أكمل دراسته الجامعية في جامعة بغداد عام 1984، ثم واصل تحصيله العلمي في مرحلة الماجستير خلال أواسط تسعينيات القرن الماضي. وبعد ذلك غادر العراق متجهاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث خاض تجربة مهنية في الصحافة، وتولى إدارة أقسام صحفية مختلفة، الأمر الذي أتاح له الاحتكاك اليومي بعالم الخبر والتحرير وصناعة النص الإعلامي، وهي تجربة لا تنفصل عن تكوينه الثقافي والإبداعي.
في تجربته الشعرية، لم يتعامل حميد قاسم مع القصيدة باعتبارها قالباً جاهزاً أو استجابة عابرة لمناسبة، بل بوصفها مجالاً للتجريب والتأمل وتفكيك العلاقة بين الذات والعالم. وتكشف عناوين مجموعاته الشعرية عن انشغال واضح بالأسئلة الوجودية وبالتفاصيل التي تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها احتمالات واسعة للتأويل.

من أعماله الشعرية: (رقيم إيمين)، و(ليس ثمة هواء)، و(وهذا صحيح أيضاً)، و(ألعب في الحديقة وأفكر). وهي عناوين تثير فضول القارئ، وتوحي بعلاقة خاصة بين اللغة والتجربة، وبين اللعب والتفكير، وبين ما يبدو يقينياً وما يظل مفتوحاً على الشك والاحتمال.
ولعل الانتقال بين هذه العناوين يكشف عن شاعر لا يطمئن إلى الإجابات السهلة، ولا ينظر إلى الشعر بوصفه ترفاً لغوياً، وإنما باعتباره فعلاً معرفياً وجمالياً، تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع المخيلة، والتجربة الفردية مع الأسئلة الإنسانية الأوسع.
لم تتوقف تجربة قاسم عند الشعر، إذ امتدت إلى الرواية من خلال عمله (ظهر السمكة)، وهو انتقال يفتح أمامه فضاءً سردياً مختلفاً، تتسع فيه إمكانات بناء الشخصيات وتعدد الأصوات وتشكيل الحكاية. فالرواية، بخلاف التكثيف الشعري، تمنح الكاتب فرصة أوسع لمعاينة التفاصيل الاجتماعية والنفسية، ومساءلة العلاقات الإنسانية في سياقاتها المتحولة.
كما كتب في النقد وأدب الأطفال والمسرح، وهي مجالات تتطلب أدوات تعبيرية ومعرفية مختلفة، وتكشف عن اهتمام يتجاوز حدود الجنس الأدبي الواحد. فالكتابة للأطفال، مثلاً، ليست مهمة سهلة أو نشاطاً هامشياً، بل مسؤولية جمالية وتربوية تستدعي احترام خيال الطفل وذكائه، وتقديم العالم إليه بلغة تجمع بين المتعة والمعرفة.
أما الصحافة، فقد شكلت جانباً مهماً من تجربته المهنية، ولا سيما من خلال عمله في المؤسسات الصحفية الإماراتية وتوليه مسؤوليات تحريرية وإدارية. ومن المعروف أن العلاقة بين الصحافة والأدب ليست دائماً علاقة تناقض؛ فقد تمنح الصحافة الكاتب حساسية تجاه الواقع وتفاصيله، فيما يمنح الأدب الصحفي قدرة أكبر على التقاط المعنى الإنساني الكامن خلف الوقائع. وقد حصد حميد قاسم جوائز عديدة في مجالي الأدب والصحافة، بما يعكس حضور تجربته في هذين الحقلين، ويؤشر إلى مسار من العمل المتواصل في الكتابة والإنتاج الثقافي.
إن قراءة تجربة حميد قاسم لا ينبغي أن تتوقف عند تعداد مؤلفاته أو استعراض محطاته المهنية، بل تتطلب النظر إليها بوصفها تجربة متعددة المسارات، تشكلت بين بغداد وفضاء الاغتراب، وبين القصيدة والعمل الصحفي، وبين حساسية الشاعر وانشغالات الكاتب السردي.
فالمبدع الذي يغادر المكان لا يغادر بالضرورة ذاكرته، وقد يتحول الابتعاد الجغرافي إلى وسيلة جديدة لرؤية الوطن، وإعادة اكتشاف تفاصيله من مسافة مختلفة. وهنا تظل بغداد، بما تمثله من ذاكرة ثقافية واجتماعية، خلفية حاضرة في تكوين الكاتب العراقي، حتى حين تتوزع خطواته على مدن أخرى.
حميد قاسم اسم يستحق القراءة والمتابعة، لا لمجرد تعدد اهتماماته أو الجوائز التي نالها، بل لأن تجربته تطرح سؤالاً مهماً عن قدرة الكاتب على الانتقال بين الأجناس الأدبية، مع المحافظة على هويته الإبداعية. فالشعر ليس نهاية الطريق، والرواية ليست قطيعة معه، والصحافة ليست بالضرورة ابتعاداً عن الأدب؛ إنها جميعاً مسارات مختلفة يمكن أن تلتقي في مشروع إنساني واحد، عنوانه الكتابة بوصفها فعلاً للوعي والجمال.

قد يعجبك ايضا
∧