المحامي حمزه رشيد عايز
شكل دستور عام 2005 نقطة تحول فارقة في التاريخ الفقهي والسياسي للعراق؛ إذ أرسى العقد الاجتماعي الجديد ونقل الدولة من النموذج الشمولي إلى نظام جمهوري نيابي ديمقراطي فيدرالي (المادة 1). وكرَّس الدستور مبدأ “السمو الدستوري” في المادة (13) باعتباره القانون الأعلى والأسمى الذي يُبطل أي نص يخالفه، مع إقرار الفصل الوظيفي بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية (المادة 47).
أولاً: حراسة الشرعية ودور القضاء الدستوري
تضطلع المحكمة الاتحادية العليا (المادتان 92 و93) بدور الحارس للشرعية الدستورية؛ إذ لا يقتصر اختصاصها على تفسير النصوص والرقابة الامتناعية والإلغائية على دستورية القوانين، بل يمتد للفصل في المنازعات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات، والمصادقة على النتائج الانتخابية. وقد أسهم الاجتهاد القضائي للمحكمة في حماية الاستقرار القانوني وتفكيك الانسدادات السياسية في محطات مفصلية.
ثانياً: الحقوق والحريات ومعضلة “التنظيم التشريعي”
أفرد الدستور باباً متكاملاً للحقوق والحريات مستلهماً المعايير الدولية لحقوق الإنسان. غير أن الممارسة الفعلية لهذه الحقوق اصطدمت بإحالة أغلبها إلى التشريع العادي عبر عبارة “وينظم ذلك بقانون”. وهو ما يحمّل مجلس النواب مسؤولية حسم القوانين المكملة للدستور (كقوانين حرية التعبير، وحق الحصول على المعلومات، والتظاهر السلمي) دون تقييد أصل الحق المكفول دستورياً بتعليمات تنفيدية.
ثالثاً: الفيدرالية وتوزيع الصلاحيات
حدد الدستور الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية (المادة 110) والمشتركة (المادة 114)، وأعطى الأولوية لقانون الإقليم في غير الاختصاصات الحصرية (المادة 115). وقد أفرز هذا الهيكل نقاشات فقهية مستمرة حول إدارة الثروات الحيوية (كالنفط والغاز وفق المادتين 111 و112)، مما يتطلب تفعيل مبدأ “التعاون الفيدرالي” والتنسيق المؤسسي المستدام بين بغداد والأقاليم والمحافظات.
رابعاً: جمود النص وضرورة المراجعة
اتسم الدستور العراقي بالجمود الشديد في آليات تعديله (المادتان 126 و142)، مما أدى إلى صعوبة حسم بعض المواد الخلافية؛ كتعريف “الكتلة النيابية الأكثر عدداً”، واستكمال المؤسسات الدستورية الناقصة (مثل سن قانون “مجلس الاتحاد” وفق المادة 65).
تؤكد ذكرى الاستفتاء على الدستور أن الوثيقة الدستورية ليست نصاً جامداً، بل هي كائن حي يتنفس عبر الممارسة السياسية الرشيدة والتفسير القضائي المتزن. إن حماية المنظومة التشريعية في العراق تتطلب إنهاء الفراغات القانونية بالقوانين المكملة، ليبقى الدستور الحصن الحصين لسيادة القانون والضامن الدائم لحقوق المواطنة.