مهند محمود شوقي
لم أكن أتصور أن يأتي يوم أكتب فيه عن الدكتور گوفند شيرواني بصيغة الغائب. فقد اعتدت خلال رحلة علاجه الطويلة أن أطمئن عليه عبر الهاتف، وفي كل مرة كان المرض يشتد عليه، كنت أنتظر خبراً يحمل بشارة جديدة بتجاوزه المحنة. كان ينتصر على المرض مرة بعد أخرى، حتى أصبح الأمل بشفائه أقوى من الخوف عليه. لكن رحيله في الثامن والعشرين من تشرين الأول 2026 ترك في النفس فراغاً لا تملؤه كلمات التعزية، وأعاد إليّ تفاصيل صداقة جمعتني برجل كان بالنسبة إليّ أخاً كبيراً وأستاذاً وصديقاً صدوقاً.
ولد گوفند حسين شيرواني عام 1958 في كركوك، ونشأ في كنف عائلة كوردستانية عريقة وغنية بإرثها الثقافي والعلمي والنضالي، حملت في تاريخها احترام المعرفة والمسؤولية العامة. وكان والده السيد حسين شيرواني قد شغل منصب مدير شرطة أربيل خلال ستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة تركت بصماتها في ذاكرة المدينة وتاريخ مؤسساتها.
ولعل من أجمل المصادفات التي كشفتها لي الأيام أن جدي، الحاج شوقي سعيد، كان معاوناً لوالده في تلك المرحلة، قبل أن تقوده التنقلات الوظيفية إلى الموصل وبغداد. لم أكن أعرف هذه الصلة القديمة عندما بدأت علاقتي بالدكتور گوفند، لكن اكتشافها منح صداقتنا معنى آخر. فقد جمعت الحياة بين رجلين قبل أكثر من ستة عقود، ثم أعادت جمع حفيد أحدهما بابن الآخر، دون ترتيب مسبق، وكأن بعض العلاقات الإنسانية تحتفظ بجذورها في ذاكرة الزمن، لتظهر مجدداً في لحظة لا نتوقعها.
لم يكن الراحل مجرد امتداد لاسم عائلي محترم، بل صنع لنفسه مكانة مستقلة بالعلم والعمل والاجتهاد. فقد تخرج في جامعة بغداد حاصلاً على البكالوريوس في الجيولوجيا عام 1980، ثم الماجستير عام 1983، قبل أن ينال الدكتوراه في جيولوجيا النفط عام 1998. وامتدت مسيرته العلمية والإدارية لأكثر من ثلاثة عقود، عمل خلالها في مؤسسات أكاديمية عراقية وكوردستانية، من بينها جامعتا بغداد وصلاح الدين، ثم جامعة جيهان في أربيل، التي تولى فيها مسؤوليات أكاديمية وإدارية.
وتكشف سيرته العلمية عن باحث لم يتوقف عند حدود الشهادات الجامعية، فقد أنجز أكثر من أربعين بحثاً وتقريراً علمياً ومشاركة بحثية في مجالات الجيولوجيا وعلوم الطبقات والنفط، وأسهم في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه. كما شارك في مؤتمرات ودورات علمية داخل العراق وخارجه، وعمل مستشاراً في مجالات جيولوجية ونفطية لمؤسسات حكومية ودولية وشركات متخصصة.
وتولى منصب المدير العام لدائرة البعثات والعلاقات الثقافية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بإقليم كوردستان، وأسهم في تطوير العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الجامعية الخارجية. ومن المحطات المهمة في مسيرته مشاركته عام 2008 في جهود فتحت أبواب الدراسة أمام عشرات الطلبة العراقيين في جامعة أركنساس الأمريكية، بالتعاون مع أكاديميين عراقيين مغتربين. وهي تجربة تعكس جانباً من إيمانه بأن بناء الإنسان بالعلم يمثل استثماراً طويل الأمد، وأن المعرفة لا ينبغي أن تبقى امتيازاً محصوراً بفئة أو منطقة.
ولم تكن شخصية گوفند شيرواني الأكاديمية بعيدة عن المجتمع، فقد أدرك مبكراً أهمية الإعلام في إيصال المعرفة المتخصصة إلى الجمهور. ولهذا أصبح حضوره مألوفاً عبر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية والكوردية، وكذلك المنصات الإعلامية الدولية والناشرة بالإنكليزية، مقدماً تحليلات اقتصادية وعلمية في قضايا النفط والغاز والطاقة والموازنات العامة ومستقبل التنمية.
كان من الأكاديميين الذين استطاعوا الانتقال من لغة البحث العلمي إلى لغة يفهمها المشاهد، دون أن يفقد حديثه دقته أو قيمته المعرفية. ولم يكن ظهوره التلفزيوني سعياً إلى الشهرة، بقدر ما كان امتداداً لدوره في تفسير القضايا الاقتصادية المعقدة ووضعها في سياقها العلمي. فالمشاهد الذي يتابع نقاشاً عن تصدير النفط أو أسعار الطاقة أو الخلافات المالية بين أربيل وبغداد، كان يجد أمامه خبيراً يشرح الأبعاد الفنية والاقتصادية، ويمنح الأرقام معناها بعيداً عن الانفعالات السياسية.
وقد شارك في برامج حوارية متخصصة، من بينها برنامج «المواطن» على قناة INS عام 2024، الذي ناقش فيه واقع النفط والغاز في العراق وآفاقهما، وبرنامج «ملفات عالقة» على قناة زاكروس عربية عام 2025. كما كان له حضور بارز على شاشة عراق 24، ونشرت وسائل إعلام إنكليزية، من بينها BasNews، مقابلات وتحليلات له تناولت تداعيات توقف صادرات نفط كوردستان وأهمية استئنافها للاقتصاد العراقي.
وفي هذا الحضور الإعلامي المتعدد اللغات، كان يمثل صورة الأكاديمي الكوردستاني القادر على مخاطبة جمهور متنوع، وتقديم رؤية علمية تتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. وكان ينظر إلى الثروات الطبيعية بوصفها مسؤولية وطنية واقتصادية، وإلى الخلافات المتعلقة بها باعتبارها قضايا تحتاج إلى حلول دستورية ومؤسساتية تضمن الحقوق وتخدم مصالح المواطنين.
لكن ما كان يميز الراحل في نظري، قبل علمه ومكانته، هو وقاره الإنساني. فقد كان من الرجال الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم لإثبات حضورهم، ولا إلى استعراض معرفتهم لانتزاع احترام الآخرين. كان يحمل من الهدوء ما يعكس ثقته بنفسه، ومن التواضع ما يجعل الحديث معه مريحاً، ومن سعة الاطلاع ما يمنح مجالسه قيمة لا ترتبط بالألقاب والمناصب.
وهذا النوع من الوقار لا تصنعه الشهادات وحدها، وإنما تصنعه التربية والتجربة والبيئة الثقافية التي ينشأ فيها الإنسان. وقد وجدت في شخصيته امتداداً لإرث عائلي يعتز بالعلم والمعرفة والنضال، دون أن يجعل من ذلك الإرث وسيلة للتعالي على الآخرين. كان يحترم من يحاوره، ويمنح الاختلاف مساحة من التفكير، ويدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يمتلكه من معلومات فحسب، بل بالطريقة التي يتعامل بها مع الناس.
ولم تكن علاقتي به محصورة في القضايا المهنية. فقد جمعتني به أحاديث امتدت إلى شؤون كوردستان والعراق، والتحديات الاقتصادية والسياسية، والذكريات الإنسانية. وكنت أجد في حديثه ما يضيف إلى معرفتي، وفي شخصيته ما يعزز احترامي له. وربما لهذا السبب كانت مرحلة مرضه مؤلمة بالنسبة إليّ، لأنني لم أكن أتابع الحالة الصحية لخبير معروف، بل كنت أطمئن على صديق وأخ كبير له مكانته في نفسي.
خلال رحلة علاجه، كانت المكالمات الهاتفية تحمل مشاعر متداخلة من القلق والأمل. وكلما تجاوز أزمة صحية جديدة، شعرت بأن إرادته لا تزال قادرة على منحه فرصة أخرى. لم تكن معركته مع المرض قصيرة، لكنه واجهها بصبر يستحق الاحترام، وظل حضوره الإنساني والعلمي أكبر من صورة المريض الذي يقاوم أوجاعه.
واليوم، وأنا أستعيد تلك المكالمات، أدرك أن بعض الأصوات تبقى في الذاكرة أكثر من الصور، وأننا لا نعرف القيمة الحقيقية للحظات البسيطة إلا بعد أن تصبح جزءاً من الماضي. فقد اعتدنا أن نؤجل بعض الأحاديث واللقاءات، مطمئنين إلى أن الأيام المقبلة ستمنحنا فرصة أخرى، ثم يأتي الرحيل ليضع حداً لكل ما لم نقله.
وقد عكس الحزن الذي رافق وفاته مكانته في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية. فقد نعته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إقليم كوردستان، وأشادت بخدماته وإخلاصه في أداء مسؤولياته، كما قدم رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني تعازيه، ونعته شخصيات ومؤسسات عرفت مكانته العلمية والإنسانية. غير أن ما يبقى من الرجال بعد رحيلهم لا يقتصر على المناصب التي شغلوها أو الأبحاث التي نشروها، وإنما يمتد إلى أثرهم في نفوس الآخرين. ففي ذاكرة طلبته سيبقى الأستاذ الذي منحهم من علمه، وفي ذاكرة زملائه الباحث الذي شاركهم المعرفة، وفي ذاكرة المشاهدين الخبير الذي ساعدهم على فهم قضايا معقدة، أما في ذاكرة أصدقائه فسيبقى الإنسان الذي عرفوه بعيداً عن الأضواء.
بالنسبة إليّ، سيظل گوفند شيرواني أكثر من اسم في سجل الأكاديميين الراحلين. سيبقى الرجل الذي جمعتني به المعرفة والصداقة، ثم اكتشفت أن بين عائلتينا تاريخاً يعود إلى زمن الأجداد. وسأظل أتذكر والده حسين شيرواني وجدي الحاج شوقي سعيد، وأتأمل كيف أعادت الحياة وصل حكاية قديمة من خلال صداقة نشأت بعد عقود.
لقد رحل گوفند بعد معركة طويلة مع المرض، لكنه ترك سيرة تستحق أن تُروى، بما حملته من علم وعمل ووقار وتواضع. رحل رجل ينتمي إلى عائلة غنية بتاريخها الثقافي والنضالي، وأضاف إلى ذلك التاريخ إرثاً أكاديمياً وفكرياً سيظل شاهداً على سنوات من العطاء.
رحم الله الدكتور گوفند حسين شيرواني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان. أما أنا، فقد فقدت برحيله أخاً كبيراً وصديقاً صدوقاً وأستاذاً تعلمت منه الكثير. وسيبقى في ذاكرتي كما عرفته، رجلاً موقراً، عزيز النفس، واسع المعرفة، جميل المعشر، وصوتاً كنت أترقب دائماً أن يحمل لي خبراً جديداً عن انتصاره على المرض.