هل أنا عراقي؟! من تأسيس الدولة العراقية إلى أزمة الرواتب والميزانية… لماذا يبقى الكوردي مطالبًا بإثبات عراقيته؟

شيركو حبيب

منذ طفولتي، كنت أعرف أنني كوردي، وأفتخر بقوميتي وهويتي، وأعتز في الوقت نفسه بأنني كوردي. لم أجد يومًا أي تناقض بين انتمائي القومي الكوردي وانتمائي إلى العراق؛ فالإنسان لا ينبغي أن يتخلى عن هويته القومية حتى يثبت وطنيته، ولا أن يتنازل عن حقوق شعبه حتى يُعترف بمواطنته.
لكنني، كلما كبرت واطلعت على التاريخ، أدركت حجم المأساة التي تعرض لها الشعب الكوردي، وكيف جرى تقسيم كوردستان بين دول المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وفق ترتيبات دولية لم تمنح الشعب الكوردي حق تقرير مصيره. ومنذ ذلك الوقت، وجد الكورد أنفسهم أمام واقع سياسي فرض عليهم العيش في دول متعددة، لكل منها سياساتها ومصالحها وحساباتها.
ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، دخل الكورد مرحلة جديدة من الصراع من أجل الاعتراف بحقوقهم القومية والسياسية. ولم تكن المشكلة في اختلاف القومية أو اللغة أو الثقافة، بل في السياسات التي اتبعتها حكومات عراقية متعاقبة، والتي جعلت العلاقة بين بغداد وكوردستان تتأرجح بين الوعود والاتفاقيات من جهة، والصراع ونقض التعهدات من جهة أخرى.
ومنذ ذلك الحين، دفع الشعب الكوردي أثمانًا باهظة من أجل هويته وحقوقه. شهدت كوردستان الثورات والانتفاضات، وعرفت حملات القمع والتهجير والتعريب، وصولًا إلى جرائم الأنفال والقصف الكيميائي في عهد النظام السابق. ومع ذلك، لم يتخلَّ الكورد عن تطلعاتهم إلى الحرية والكرامة والشراكة الحقيقية في إدارة بلدهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: بعد كل هذه العقود، وبعد كل ما قدمه الكورد من تضحيات، لماذا ما زلنا نعود إلى السؤال نفسه: هل نحن عراقيون فعلًا، أم أن عراقيتنا تُقبل عندما نكون بحاجة إلى الدولة، وتصبح موضع جدل عندما نطالب بحقوقنا؟
من الوعود إلى الدستور… هل تغيرت المعادلة؟
لقد مر العراق بمراحل سياسية عديدة، وتعاقبت عليه أنظمة وحكومات مختلفة. وفي كل مرحلة، كان الكورد يأملون أن تكون الصفحة الجديدة بداية لعلاقة قائمة على الاعتراف المتبادل والحقوق والواجبات، لا على فرض الإرادة من طرف واحد.
وجاءت اتفاقية 11 آذار 1970 لتفتح بابًا للاعتراف بحقوق الكورد، لكنها لم تحقق الاستقرار الدائم، وعادت المواجهات لتستمر. ثم جاء عام 2003، وسقط النظام السابق، ودخل العراق مرحلة سياسية جديدة، وشارك الكورد في بناء النظام الجديد، على أمل أن يكون الدستور أساسًا لشراكة حقيقية بين مكونات البلاد.
وأقر دستور عام 2005 بالنظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان وسلطاته الدستورية. وكان ذلك تطورًا مهمًا في تاريخ العلاقة بين بغداد وأربيل. لكن الاعتراف بالنصوص الدستورية وحده لا يكفي، فالدستور ليس كلمات تُستحضر عند الحاجة، ثم يجري تجاوزها عندما تتعارض مع الحسابات السياسية.
إن المشكلة ليست في وجود الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، فهذه الخلافات يمكن حلها بالحوار والقانون. المشكلة الحقيقية هي أن تتحول الخلافات المالية والإدارية إلى أزمات متكررة، وأن يبقى المواطن الكوردي في حالة انتظار وقلق بشأن راتبه وحقوقه ومستقبل أسرته.
الرواتب ليست منّة… والمواطن ليس طرفًا في النزاع
في كل مرة يُثار فيها ملف الميزانية، تعود إلى الواجهة الحجج المتعلقة بالنفط والإيرادات والجمارك والإنفاق الفعلي والالتزامات المالية. وتبدأ المفاوضات والتصريحات والاتهامات المتبادلة بين بغداد وأربيل، بينما يبقى الموظف والمتقاعد وعائلة الشهيد وذوو ضحايا الأنفال وسائر المواطنين ينتظرون حقوقهم.
نحن لا نقول إن على الحكومة الاتحادية أن تتجاهل القانون، أو أن تتخلى حكومة الإقليم عن التزاماتها المالية. فالموارد العامة يجب أن تُدار بشفافية، والإيرادات والنفقات ينبغي أن تخضع للتدقيق والمحاسبة، وعلى الطرفين تنفيذ الاتفاقات والالتزامات المترتبة عليهما.
لكن السؤال الذي لا يجوز تجاهله هو: لماذا تبقى رواتب مواطني إقليم كوردستان عرضة للتأخير والتجاذبات السياسية كلما ظهرت مشكلة بين الحكومتين؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة تأخيرات متكررة في صرف رواتب موظفي الإقليم بسبب الخلافات بشأن الإيرادات النفطية وغير النفطية والحصة المالية. وهذه الأزمات لا تؤثر في الأرقام والميزانيات فحسب، بل تمس حياة مئات الآلاف من الأسر، وتزرع القلق بشأن أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وهنا أقولها بوضوح: الراتب ليس هدية من بغداد، وليس امتيازًا تمنحه حكومة لأبناء منطقة دون أخرى، بل هو استحقاق يرتبط بالعمل والحقوق القانونية والمالية. والمواطن الكوردي الذي يعمل في مؤسسة حكومية، أو يؤدي واجبه في صفوف البيشمركة والقوات الأمنية، أو ينتظر راتبه التقاعدي، لا ينبغي أن يتحمل وحده نتائج الخلافات بين المسؤولين.
إذا كانت هناك مخالفات أو التزامات لم تُنفذ، فلتُعرض الأرقام أمام الرأي العام، ولتُجرَ مراجعة مالية مشتركة وشفافة، وليتحمل كل طرف مسؤوليته وفق القانون. أما أن يبقى المواطن في دائرة الشك والانتظار، فلا يمكن أن يكون حلًا دائمًا ولا أساسًا لبناء الثقة.
إن المطلوب هو آلية قانونية ومالية واضحة تضمن صرف الرواتب والاستحقاقات في مواعيدها، وتمنع استخدام حقوق المواطنين وسيلةً للضغط السياسي، مع استمرار التدقيق والمحاسبة. أليس هذا أفضل للعراق كله، ولعلاقته مع إقليم كوردستان؟
هل نريد شراكة حقيقية أم مواطنة مشروطة؟
ما يؤلمني ليس وجود خلاف مالي فحسب، بل تكرار الخطاب الذي يتعامل مع كوردستان وكأنها عبء على الدولة العراقية، أو كأن حقوق مواطنيها قابلة للتفاوض في كل مرة تتعقد فيها العلاقة بين بغداد وأربيل.
أليس إقليم كوردستان جزءًا من العراق وفق الدستور؟ أليس المواطن الكوردي عراقيًا يحمل الجنسية العراقية ويتمتع بالحقوق التي يكفلها الدستور؟ فلماذا يُعاد فتح ملف الانتماء الوطني كلما اختلفت الحكومتان على الميزانية أو النفط أو الإيرادات؟
وإذا كان بعض السياسيين لا يريدون الاعتراف بالكورد شركاء متساوين في هذا الوطن، فليقولوا ذلك علنًا، بدلًا من إبقاء حقوقهم معلّقة بين الوعود والخلافات والذرائع المالية. لا يجوز أن يُطلب من الكورد التمسك بعراقيتهم في كل مناسبة، ثم تصبح حقوقهم الدستورية موضع مساومة عند أول أزمة.
وأقولها بصراحة: إذا كانت الشراكة في العراق تعني أن يبقى الكوردي تحت ضغط الأزمات المالية والسياسية، وأن تظل حقوقه مهددة أو مؤجلة، فإن على الجميع أن يدرك أن الكورد لا يستطيعون الاستمرار في العيش بهذه الظروف إلى ما لا نهاية، وأن أمامهم حلًا آخر يتمثل في البحث عن مستقبل يضمن لشعبهم حقوقه وكرامته وأمنه.
هذا ليس تهديدًا لأحد، ولا دعوة إلى العداء مع بقية العراقيين، بل رسالة واضحة إلى كل من يعنيه مستقبل العراق: لا يمكن بناء دولة مستقرة على مواطنة يشعر فيها جزء من شعبها بأن حقوقه غير مضمونة، ولا يمكن مطالبة الكورد بالصبر إلى الأبد من دون حلول عادلة ومستدامة.
إن من يريد الحفاظ على العراق موحدًا ومستقرًا، عليه أن يجعل الشراكة حقيقة ملموسة، لا مجرد شعار سياسي. فالوحدة لا تُفرض بالخطابات، ولا تُصان بتعليق الرواتب أو بتجاهل الحقوق، بل تُبنى بالثقة والعدالة والالتزام المتبادل.
إن عراقيتنا ليست موضوعًا للمساومة، كما أن هويتنا الكوردية ليست تهمة تحتاج إلى تبرير. نحن كورد، وهذه هويتنا القومية التي نعتز بها، ونحن عراقيون أيضًا، ما دامت المواطنة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية. ولا يملك أحد أن يطالبنا بالاختيار بين هويتنا القومية وحقوقنا الدستورية.
ومع ذلك، فإن عتابنا لا يعني تحميل الشعب العراقي كله مسؤولية السياسات التي أضرت بالعلاقة بين بغداد وأربيل. فبين العراقيين من مختلف القوميات والمكونات من يؤمن بالمساواة والشراكة والعدالة، وهؤلاء يمكن أن يكونوا أساسًا لعراق مختلف، لا تُقاس فيه حقوق المواطن بقوميته أو منطقته.
إن العتاب موجّه إلى كل مسؤول يرفع شعار الوحدة الوطنية، ثم يسمح بأن تتحول حقوق المواطنين إلى أوراق ضغط، وإلى كل سياسي يتحدث عن الدستور حين يخدم موقفه، ويتجاهله حين يصبح تطبيقه مكلفًا سياسيًا.
إلى بغداد… كلمة عتاب صريحة
لسنا في حاجة إلى خطابات جديدة عن الأخوة والوحدة الوطنية بقدر حاجتنا إلى تطبيق الدستور، والالتزام بالاتفاقات، وإنهاء الملفات العالقة بين بغداد وأربيل على أساس قانوني واضح. ولسنا في حاجة إلى أن يُذكّرنا أحد بأننا عراقيون، بل نريد أن نرى هذه المواطنة في القرارات والموازنات والحقوق والمعاملة المتساوية.
إن بناء العراق لا يتحقق بإضعاف إقليم كوردستان، كما أن بناء كوردستان لا يتحقق بتجاهل حقوق بقية العراقيين أو مصالحهم. إن العلاقة السليمة بين الطرفين تقوم على احترام الاختصاصات الدستورية، والشفافية في إدارة الموارد، والعدالة في توزيع الاستحقاقات، والابتعاد عن استخدام موارد الدولة للضغط السياسي.
وإذا كانت هناك مشكلات حقيقية في إدارة الإيرادات أو تسليم النفط أو الإنفاق، فلتُحل على طاولة الحوار، ولتكن الأرقام والوثائق والقانون هي الحكم. أما المواطن الذي لا علاقة له بهذه المفاوضات، فلا ينبغي أن يبقى رهينة لها.
إن الكورد لا يطالبون بأن يكونوا فوق القانون، ولا بأن يحصلوا على حقوق ليست لغيرهم. إنهم يطالبون بأن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون المواطنة متساوية، وأن تُحترم الحقوق التي أقرها الدستور. وإذا تعذر تحقيق ذلك بصورة دائمة، فلا يجوز مطالبة الشعب الكوردي بالتخلي عن حقه في مناقشة الخيارات التي تضمن له مستقبلًا آمنًا وكريمًا.
أخيرًا… هل أنا عراقي؟!
نعم، أنا كوردي عراقي، وأعتز بهويتي القومية والوطنية معًا. لكنني أرفض أن تتحول عراقيتي إلى سؤال يتكرر كلما طالب الكورد بحقوقهم، أو أن تصبح استحقاقات مواطني الإقليم مادة للمساومات السياسية.
إن هذا السؤال ليس إعلانًا عن التخلي عن العراق، بل هو عتاب على واقع لم ينجح بعد في تحويل الدستور إلى ممارسة يومية، والشراكة إلى ثقة متبادلة، والمواطنة إلى مساواة حقيقية.
لقد مرت أكثر من مئة سنة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وما زالت العلاقة بين بغداد وكوردستان تواجه ملفات لم تُحسم بصورة نهائية. فإلى متى تبقى الحقوق موضع خلاف، والاتفاقات عرضة للتأويل، والرواتب رهينة المفاوضات؟
أنا لا أسأل: هل أنا عراقي لأنني أشك في هويتي؟ بل أسأل: لماذا ما زلت مضطرًا إلى طرح هذا السؤال، بعد كل ما مر به شعبي، وبعد كل ما قدمه الكورد من تضحيات من أجل الحرية والشراكة والعيش بكرامة؟
إن العراق الذي نريده هو العراق الذي لا يحتاج فيه الكوردي إلى إثبات عراقيته، ولا يحتاج فيه العربي أو التركماني أو المسيحي أو الإيزيدي إلى إثبات استحقاقه للمواطنة. عراقٌ يكون فيه الدستور مرجعًا للجميع، والحقوق مصونة بالقانون، والاختلاف القومي والثقافي مصدر غنى لا سببًا للتمييز.
أما إذا استمرت الأزمات، وظلت الحقوق معلّقة، ولم تتحول الشراكة إلى واقع، فمن حق الكورد أن يناقشوا مستقبلهم بكل جدية، وأن يبحثوا عن صيغة تضمن لشعبهم الحرية والكرامة والأمن والاستقرار.
هذه ليست مطالبة بامتياز، بل رسالة عتاب أخيرة: نريد عراقًا نعيش فيه شركاء متساوين، لا مواطنين مضطرين في كل مرحلة إلى السؤال عن حقوقهم وهويتهم. لكن الكورد، مثل سائر الشعوب، لا يستطيعون أن يعيشوا إلى الأبد في ظل القلق وعدم ضمان المستقبل.

قد يعجبك ايضا
∧