متى يفتح ملف شبهات الفساد في وزارة الهجرة ؟

انس الشيخ مظهر

في كل حملة لمكافحة الفساد هناك ملفات تتصدر الشاشات وملفات اخرى تبقى في الأدراج، ونادراً ما يكون الفرق بينها هو في حجم الفساد نفسه. ومنذ أن أمر رئيس الوزراء علي الزيدي، في 28 أيار 2026، بفتح تحقيقات في عقود الحكومة السابقة، اتجه الاهتمام إلى المصارف والنفط وإلى مجلس أعلى جديد للنزاهة، بينما غاب عن الحديث ” على الاقل لغاية اليوم” ملف وزارة الهجرة والمهجرين، وهو ملف يتعلق بسلال غذاء ومنح ومستلزمات مخيمات لناس لا يملك كثير منهم غيرها. وهذا الغياب يستحق أن يُسأل عنه الآن، قبل أن تستقر الحملة على صورة يصعب تغييرها.

عادةً ما يصل ملف الفساد إلى الواجهة لأن أحداً يدفع به، نائب يحمل قائمة، أو صحيفة تتابع، أو خصم سياسي يجد فيه فائدة. وقائمة العقود الاثني عشر التي طالب احد النواب بفتحها تؤكد ذلك، فهي تضم فحص المركبات وإدارات الجوازات والبطاقة الوطنية والمستشفيات والبطاقة التموينية ومنصة الغاز العائمة، وكلها ملفات يعرفها الناس أو تقف وراءها شركات قادرة على الضغط. أما النازح الذي يعيش في خيمة، أو غادرها، فلا نائب يحمل ملفه ولا صحيفة تسأل عن سلّته الغذائية. وملف وزارة الهجرة والمهجرين له تاريخ على رفوف وادراج البرلمان، إذ أُثيرت بشأنه مطالبات وتحركات داخل لجنة النزاهة النيابية عام 2024، لكنها بقيت شبهات لم يثبت منها شيء قضائياً، ولهذا بالذات يُفترض أن يُفتح التحقيق، فإما أن يتم ادانة جهات فيها وإما أن تُبرّئ.

ثم إن طبيعة هذا الفساد المحتمل تجعله أصعب على الأجهزة الرقابية , فالمشاريع الكبرى تترك فاتورة ضخمة تُرى من بعيد، أما مشتريات الإغاثة فتتكون من سلع صغيرة تتكرر مئات الآلاف من المرات، ونقص بسيط في كل سلة يصير بالمجموع مبلغاً كبيراً دون أن تظهر فيه صفقة واحدة تثير الانتباه. وأدوات الحكومة الجديدة لا تلتقط هذا النمط جيداً. فقرار تحديد سقف أعلى للعقود وإحالة ما يتجاوزه إلى لجنة مركزية، الصادر في 25 أيار، يصيب العقد الكبير، بينما تمر العقود الصغيرة المتكررة تحت أي سقف.

والوقت يعمل ضد هذا الملف أكثر من غيره. المواد الغذائية تنتهي صلاحيتها، والمخيمات أُغلقت وتفرّق أهلها، والمستفيدون عادوا إلى مناطقهم أو انتقلوا، والموظفون نُقلوا من مواقعهم. وكل شهر يمر يُضعف قدرة أي تحقيق على إثبات ما حدث أو نفيه. فالتأجيل هنا يخدم من أخطأ إن وُجد، ويضر بالبريء الذي يحتاج إلى فحص يبرّئه. ومنطقيا يجب أن تتقدم الملفات التي تضيع أدلتها أسرع، لا أن تتأخر.

وفي صياغة قرار المجلس الأعلى ما يستدعي التوقف. فهو مكلّف بمتابعة «المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم»، وهي عبارة تحتمل أكثر من قراءة. إن كان المقياس حجم المبالغ فالأولوية للمصارف والنفط، وإن كان حجم الضرر على الناس فالنازحون في المقدمة. ومن يرأس المجلس هو رئيس السلطة التنفيذية نفسه، ما يعني أن تحديد الأهمية سيبقى بيده في النهاية، في حين كان يُفترض أن تحدد هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية أولوياتهما باستقلال.

ويضاف إلى ذلك تضارب مصالح يصعب تجاهله. فهناك جهة سياسية معينة متحكمة بالحكومة، ويدقق اليوم في عقود حكومات سابقة اقتسمت هذه الجهة وزاراتها. لا نقصد هنا اتهام أحد، لكن القصد هو أن الناس لن تصدق الحملة بحسن النوايا، وإنما حين ترى القائمة الكاملة لما يُدقَّق وبأي ترتيب. وقد وجّه رئيس الوزراء في حزيران بأن تشمل إجراءات مكافحة الفساد الجهات الحكومية كلها دون استثناء، وهذا توجيه صحيح، غير أن التوجيه العام لا يغني عن قائمة معلنة. وفيما نُشر حتى الآن لا توجد ما يذكر وزارة الهجرة والمهجرين بين العقود قيد التدقيق. ونشر خريطة التدقيق لا يكلف شيئاً، وسيحسم هذه المسألة في أي اتجاه جاءت.

يبقى سؤال يطرح نفسه بقوة مفاده…ما سبب تمسك قوى سياسية بوزارات بعينها دورة بعد دورة فمثلا لماذا تصر جهة سياسية معينة ابقاء وزارة الهجرة والمهجرين بيدها ؟. ومن هنا يحق للرأي العام أن يطرح احتمالين دون أن يجزم بأي منهما. الأول/ أن تكون الوزارة، بما تديره من ميزانيات ومشتريات وبرامج، مصدر تمويل للطرف السياسي الذي يديرها.

الثاني/ أن يكون بقاؤها بيده ضماناً بألا تُفتح ملفاتها، إن كان فيها ما يستحق الفتح.

وهذان احتمالان مستنتجان من منطق المصالح، ولا دليل في أيدينا يتهم به أحداً بعينه. لكن حسمهما سهل، إذ يكفي أن يُسلَّم التدقيق إلى جهات مستقلة لا صلة لها بمن يدير الوزارة، وأن تُحفظ الوثائق والسجلات قبل أن يبدأ العمل. ومن لا يخفي شيئاً لا يخشى ذلك، ومن اعترض عليه فعليه أن يشرح للناس سبب اعتراضه.

سيرد أنصار الحملة بأنها في بدايتها وأن الملفات كثيرة وأن الصبر واجب، وهذا صحيح إلى حد ما. غير أن حكومة أنشأت مجلساً أعلى في أيام وجمعت رؤساء الرقابة والنزاهة والادعاء العام على طاولة واحدة تستطيع أن تعلن نطاق التدقيق. والأسابيع الأولى من أي حملة هي التي تحدد صورتها، فما يُفتح فيها يصبح روايتها، وما يؤجَّل إلى مراحل لاحقة قلّما يعود، وقد رأينا ذلك في تجارب سابقة. لا أحد يطلب من الحكومة أن تفتح كل شيء دفعة واحدة، لكن عليها أن تفسّر اختياراتها.

وإذا أرادت الحكومة أن تُثبت جدية الحملة في هذا الملف، فأمامها طريق واضح. تُدرج عقود السلال والمنح والمخيمات ضمن التدقيق وتحدد له مدة، وتستعين بسجلات الأمم المتحدة والمانحين الذين موّلوا جانباً من هذه البرامج لأن لديهم تدقيقاً مستقلاً عن الأجهزة المحلية، وتسأل عينة من المستفيدين مباشرة عمّا وصلهم. فإن كانت النتائج سليمة أُعلنت وبُرّئت ساحة الجميع بالدليل، وإن لم تكن فسيكون ذلك أخيراً الملف الذي ينتظره أصحابه منذ سنوات.

قد يعجبك ايضا
∧