الدكتورة /نادية الجدوع
خبير استراتيجي في الاقتصاد السياسي
«الحكم جداً حلو إذا تقتل ضميرك… وجداً صعب إذا ضميرك حي».
ليست هذه العبارة توصيفاً عابراً لمتاعب السلطة، بل تختزل واحدة من أعقد معادلات الحكم: الصراع بين إغراء النفوذ وثقل المسؤولية، بين إرضاء المصالح والانحياز إلى الحق، وبين سهولة اتخاذ القرار حين يغيب الضمير وصعوبة صناعته حين تكون كرامة الإنسان ومصلحة الدولة حاضرتين في كل تفصيل.
إن إدارة الدولة ليست امتيازاً سياسياً، بل اختبار يومي للنزاهة والقدرة على تحمّل كلفة القرار. فكلما اتسعت دائرة المسؤولية، تضاعفت التحديات، وأصبحت الموازنة بين المصالح المتعارضة، وضغوط الواقع، واستحقاقات المواطنين، مهمةً لا ينهض بها إلا من يدرك أن السلطة تكليفٌ ثقيل، وليست مكسباً شخصياً.
وخلال الأشهر الخمسة الماضية، مررت بظروف وأحداث متشابكة، وتجارب تختزن من التفاصيل والتحولات ما قد يكفي لكتاب كامل؛ كتاب لا يروي الوقائع فحسب، بل يقرأ ما وراءها، ويكشف كيف تُختبر المواقف عندما تتعارض الحسابات، وكيف تتمايز المبادئ حين تضيق المساحات وتشتد الضغوط.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، فإن قيمة الحكم لا تُقاس بسطوة القرار، بل بقدرته على بناء دولة المؤسسات، وتجفيف منابع الفساد، وصيانة المال العام، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص والثروات. فالدولة القوية ليست التي تُخضع الناس لسلطتها، بل التي تُخضع السلطة للقانون، وتحوّل المسؤولية إلى إنجاز، والموارد إلى تنمية، والثقة إلى عقدٍ وطني راسخ.
إن أخطر ما يواجه الحاكم ليس صعوبة الطريق، بل سهولته حين يتخلى عن ضميره. فالتاريخ قد يتأخر في إصدار أحكامه، لكنه لا يمنح البراءة لمن جعل السلطة غاية، ولا ينسى من جعلها مسؤولية.
فالضمير الحي قد يجعل الحكم أكثر مشقة، لكنه وحده يمنحه المعنى والشرعية الأخلاقية.