أ.د سمر رحيم نعيمة
لم يعد الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مجالا تقنيا منفصلا عن السياسة الخارجية، بل صار عنصرا مؤثرا في تعريف القوة الوطنية وفي ترتيب أولويات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد. فالدولة التي تستطيع تطوير النماذج المتقدمة وتأمين الشرائح الإلكترونية والبيانات ومراكز الحوسبة، ثم تحويلها إلى قدرات عسكرية واستخبارية ودبلوماسية، تمتلك هامشا أوسع للتأثير في النظام الدولي. ومن هنا انتقلت واشنطن تدريجيا من النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعا من قطاعات الابتكار المدني إلى التعامل معه بوصفه بنية استراتيجية تمس الردع، وحماية سلاسل الإمداد، وتوازن القوى مع المنافسين الكبار، وطبيعة العلاقات مع الحلفاء. ويظهر هذا التحول في أن السؤال الأمريكي لم يعد: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: كيف نضمن ألّا تتحول عناصره الأساسية من شرائح وبيانات وخبرات وبرمجيات إلى نقاط ضعف يمكن توظيفها ضد المصالح الأمريكية؟
تتجلى أهمية هذا التحول في أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت تربط بين ثلاثة مسارات كانت تبدو مستقلة في السابق: التفوق التكنولوجي، والأمن القومي، والدبلوماسية الدولية. ففي المسار الأول تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على قدرتها على إنتاج النماذج المتقدمة وتطويرها. وفي المسار الثاني تحاول حماية هذه النماذج من الاختراق أو النسخ غير المشروع أو التلاعب بالبيانات. أما في المسار الثالث فتعمل على بناء تفاهمات مع الحلفاء بشأن معايير الاستخدام، وضبط انتقال التقنيات الحساسة، وتنسيق الاستثمارات في البنية الرقمية. وبهذا المعنى أصبح الذكاء الاصطناعي لغة مشتركة بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات ووزارة التجارة والشركات الخاصة، بعدما كان موضوعا يترك أساسا للجامعات وشركات التكنولوجيا.
ومن الأمثلة الواقعية البارزة على هذا الاتجاه المذكرة الرئاسية للأمن القومي رقم 11 الصادرة في 5 حزيران 2026 بشأن الذكاء الاصطناعي في مؤسسة الأمن القومي. فقد وضعت المذكرة إطارا يقوم على أربعة مبادئ هي التسريع في التبني، وتكييف التقنيات التجارية أو المفتوحة المصدر مع متطلبات المهمة، وضمان الموثوقية والسيطرة، ثم إبقاء المسؤولية البشرية والمؤسسية واضحة. وتكشف هذه المبادئ أن واشنطن لا ترى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة للمحلل أو القائد، بل قدرة يجب أن تكون متاحة بسرعة، قابلة للفحص، ومحمية من الاعتماد على مزود واحد أو من إمكان تعطيلها في وقت الأزمة. كما وجهت المذكرة إلى بناء مرافق حوسبة عالية الحماية، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وإنشاء احتياطي استراتيجي من الخبرات غير الحكومية، وهي خطوات تجعل من الكفاءة التقنية جزءا من الجاهزية الوطنية لا مجرد ميزة تجارية.
على المستوى العسكري، يوضح برنامج ريبليكيتر الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية في 2023 كيف تتحول الفكرة إلى سياسة عملية. فالبرنامج استهدف تسريع إدخال أعداد كبيرة من الأنظمة الذاتية القابلة للاستبدال نسبيا في المجالات الجوية والبحرية وغيرها، بدلا من الاقتصار على المنصات المكلفة والبطيئة الإنتاج. وفي أيار 2024 أعلنت وزارة الدفاع أن التمويل المتاح للدفعة الأولى بلغ نحو 500 مليون دولار للسنة المالية 2024، مع التركيز على أنظمة ذاتية متعددة المجالات. ولم تكن القيمة في الطائرات أو الزوارق غير المأهولة وحدها، بل في تغيير منطق الردع: فالتفوق لا يقاس بعدد المنصات التقليدية فقط، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج أدوات ذكية بكميات كبيرة وتحديث برمجياتها بسرعة وربطها بشبكات الاستشعار والقيادة. وقد ارتبط البرنامج بصورة مباشرة بتقدير البنتاغون أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تحتاج إلى أدوات أقل كلفة وأكثر قابلية للانتشار السريع في مواجهة تحديات عسكرية واسعة النطاق.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على ساحة القتال. ففي العمل الاستخباري يمكنه فرز كم هائل من صور الأقمار الصناعية والإشارات والوثائق المفتوحة المصدر، ورصد الأنماط التي يصعب على المحلل البشري اكتشافها ضمن الوقت المتاح. وفي الأمن السيبراني يساعد على التعرف المبكر إلى السلوك غير المعتاد داخل الشبكات وعلى محاكاة الهجمات واختبار صلابة الأنظمة. أما في الدبلوماسية فيمكن أن يدعم تحليل الرأي العام، وترجمة المواد بسرعة، وتحديد حملات التضليل، وتقدير اتجاهات الأزمات الاقتصادية والإنسانية. لكن قيمة هذه الاستخدامات لا تنبع من استبدال البشر بالآلة، بل من اختصار الزمن بين جمع المعلومة وتفسيرها واتخاذ القرار. وهذا عامل مهم في بيئة دولية سريعة، لأن تأخر القرار ساعات قليلة في أزمة بحرية أو هجوم سيبراني أو حملة تضليل عابرة للحدود قد يغير حسابات الردع والتصعيد.
وقد حاولت وزارة الخارجية الأمريكية إدخال هذا البعد إلى صميم العمل الدبلوماسي عندما أصدرت استراتيجيتها المؤسسية للذكاء الاصطناعي للعامين الماليين 2024 و2025 تحت عنوان تمكين الدبلوماسية من خلال الذكاء الاصطناعي المسؤول. ركزت الاستراتيجية على بنية آمنة، وثقافة مؤسسية قادرة على استخدام التكنولوجيا، وضوابط للاستخدام المسؤول، وتشجيع الابتكار. وتكمن دلالة هذا المثال في أنه يؤكد أن التنافس الدولي على الذكاء الاصطناعي لا يحسم في المختبرات أو قواعد الجيش وحدها؛ فالسفارة والقنصلية والبعثة الدولية تحتاج أيضا إلى أدوات موثوقة، وإلى موظفين يفهمون حدودها، وإلى سياسة تحمي المعلومات الحساسة. كما أن وزارة الخارجية تتحمل دورا تفاوضيا في إقناع الشركاء بأن المعايير التي تطرحها الولايات المتحدة ليست قيودا فنية فقط، بل قواعد لحماية الخصوصية وموثوقية القرار ومنع إساءة الاستخدام.
وفي هذا السياق تبرز أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة بوصفها قلبا ماديا للسياسة الخارجية الجديدة. فالنموذج الذكي لا يعمل في فراغ؛ إنه يحتاج إلى شرائح متطورة، وطاقة كهربائية، وخوادم، وكابلات، ومراكز بيانات، وسلاسل توريد دولية. لذلك أصبح ضبط تصدير التقنيات الحساسة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الإمداد، موضوعات دبلوماسية بقدر ما هي موضوعات صناعية. وتدرك واشنطن أن التفوق في الخوارزمية قد يتراجع إذا تعذر الوصول إلى قدرة حوسبة كافية، كما أن حيازة الشرائح من دون حماية قانونية وأمنية لا تمنع تسرب المعرفة أو استغلالها. ولهذا تتجه السياسة الأمريكية إلى بناء شبكة من الشراكات التكنولوجية مع دول قادرة على الإسهام في التصنيع أو البحث أو تأمين المعادن والطاقة والبنية الرقمية.
إن علاقة الذكاء الاصطناعي بالتحالفات لا تقل أهمية عن علاقته بالردع. فالحلفاء يملكون قواعد بيانات وخبرات صناعية ومواقع جغرافية وقدرات بحثية مختلفة، ولكن دمج هذه المزايا يقتضي معايير متقاربة للأمن والبيانات والتشغيل البيني. وإذا استخدمت دولة حليفة نظاما لا يمكن تدقيقه أو لا ينسجم مع قواعد تبادل المعلومات، فإن تفوقها التقني قد يتحول إلى مصدر خطر على الشراكة كلها. لذلك لا تكتفي الولايات المتحدة بطلب زيادة الإنفاق الدفاعي من حلفائها، بل تتجه بصورة متزايدة إلى الحوار حول أمن الذكاء الاصطناعي وحماية النماذج المتقدمة ومكافحة التلاعب بالمحتوى الرقمي. وتظهر هنا دبلوماسية جديدة قوامها التدريب المشترك، والاختبارات التقنية، واتفاقات تبادل المعلومات، وتنسيق القواعد المتعلقة بالبرمجيات والبيانات، لا البيانات السياسية العامة وحدها.
غير أن هذه الاستراتيجية تواجه مفارقة حقيقية. فالسرعة التي تطلبها المؤسسات العسكرية والاستخبارية قد تتعارض أحيانا مع متطلبات الاختبار والمساءلة وحماية الحقوق. والقرار الذي يعتمد على توصية صادرة من نظام ذكي قد يبدو أسرع، لكنه لا يكون آمنا أو مشروعا ما لم يعرف المسؤولون مصادر بياناته وحدود دقته وإمكان تعرضه للخداع. وقد شددت مذكرة عام 2026 على أن المسؤولية لا تنتقل من القائد أو مدير المؤسسة إلى النظام، وعلى أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تستخدم للرقابة غير القانونية أو للمساس بالحريات المدنية. وهذه النقطة ليست تفصيلا أخلاقيا؛ فهي جزء من المصداقية الدولية للولايات المتحدة. فإذا أخفقت واشنطن في تقديم نموذج يوازن بين الكفاءة والأمن والضوابط، فسوف تضعف قدرتها على الدعوة إلى معايير دولية للاستخدام المسؤول.
ومن المخاطر الأخرى أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي قد تدفع إلى تقسيم العالم إلى فضاءات رقمية متنافرة. فكلما شددت القوى الكبرى القيود على الشرائح والبرمجيات والبيانات، ازداد احتمال ظهور أنظمة تقنية منفصلة ومعايير متعارضة. وقد يمنح ذلك بعض الدول مساحة للمناورة، لكنه يرفع أيضا كلفة التعاون العلمي ويصعّب الاستجابة الجماعية لتهديدات مثل الهجمات السيبرانية أو التزييف العميق أو استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات ضارة. ولهذا فإن المصلحة الأمريكية لا تكمن في الاحتكار المطلق للتكنولوجيا، وهو هدف يصعب تحقيقه، بل في الحفاظ على تفوق قابل للاستمرار ضمن منظومة من الشركاء والقواعد والضمانات التي تجعل الاستخدام المسؤول أكثر جاذبية من النماذج المنافسة.
وتؤكد الخبرات المستخلصة من الحروب والأزمات المعاصرة أن الذكاء الاصطناعي يغيّر إيقاع الصراع قبل أن يغيّر شكله النهائي. فالطائرات غير المأهولة، وتحليل الصور، والمحتوى المضلل، والقدرة على استهداف الشبكات، كلها تجعل المعلومة والقرار والاتصال عناصر أكثر حساسية. غير أن الولايات المتحدة لا تستطيع اختزال سياستها الخارجية في امتلاك أدوات أكثر تطورا، لأن التفوق الدائم يحتاج إلى مؤسسات قادرة على التعلم، وقواعد واضحة للمساءلة، وشراكات موثوقة، وقدرة على الفصل بين الاستخدام المشروع والدعاية أو التلاعب. لذلك فإن الذكاء الاصطناعي يمثل في السياسة الخارجية الأمريكية اختبارا مزدوجا: اختبارا لقدرتها على حماية أمنها القومي في زمن التحول التقني، واختبارا لقدرتها على الحفاظ على مشروعية الدور الذي تطمح إلى أدائه في النظام الدولي.
وخلاصة الأمر أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد مفاتيح التحول في السياسة الخارجية الأمريكية، لأنه يجمع بين الاقتصاد والدفاع والاستخبارات والدبلوماسية في دائرة واحدة. وتدل المذكرة الرئاسية لعام 2026، واستراتيجية وزارة الخارجية، وبرنامج ريبليكيتر، على أن واشنطن انتقلت من مرحلة التنبيه إلى مرحلة بناء الأدوات والمؤسسات. إلا أن نجاح هذه السياسة لن يقاس بعدد النماذج أو الطائرات الذاتية التي تمتلكها الولايات المتحدة، بل بقدرتها على استخدامها بموثوقية، وحماية استقلال قرارها، وتعزيز تحالفاتها، ومنع تحول التنافس التكنولوجي إلى فوضى دولية لا يربح فيها أحد.