زينب كريم
لا يمكن أن نتحدث عن حقوق الإنسان وكأنها تعيش في وثائق رسمية بعيدة عن الناس، فالحقوق لا تصبح واقعاً إلا حين يعرفها الناس، ويطالبون بها، ويراقبون من ينتهكها. وهنا يبرز الإعلام كأحد أهم جسور هذه المعرفة. فالإعلام ليس مجرد ناقل أخبار، بل هو عين المجتمع التي ترى ما لا يراه الآخرون، وصوت الذين لا يملكون صوتاً. وحين يعمل الإعلام بحرية ومسؤولية، فإنه يتحول إلى درع يحمي الكرامة، وأداة تكشف الظلم، ومدرسة تعلّم الناس أن لهم حقوقاً لا يجوز المساس بها. لكن الإعلام نفسه قد يكون سيفاً ذا حدين: فكما يستطيع أن يحمي الحقوق، يستطيع أن ينتهكها إذا انحرف عن أخلاقيات المهنة .
إن العلاقة بين حقوق الإنسان والإعلام علاقة عضوية لا انفصام فيها. فحقوق الإنسان هي الإطار الذي يحدد كيف يجب أن يعمل الإعلام: حرية التعبير حق أساسي نصت عليه المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وحق الوصول إلى المعلومات شرط لمساءلة السلطة، وحماية الصحفيين ضرورة لضمان تدفق الحقيقة. وفي المقابل، فإن الإعلام هو الأداة التي تجعل هذه الحقوق ملموسة. فمن دون إعلام حر، لا يعرف الناس ما يحدث في المستشفيات والسجون والمدارس والمحاكم. ومن دون صحافة مستقلة، تبقى الانتهاكات في الظل، ويبقى الضحايا بلا أسماء. وكم من جريمة ظلت مجهولة لسنوات حتى كشفها تحقيق صحفي أو صورة التقطتها كاميرا هاتف .
والإعلام يؤدي دوراً محورياً في نشر ثقافة حقوق الإنسان. فهو الذي يعلّم الناس، عبر التقارير والقصص والبرامج، أن الطفل له حق في التعليم لا في العمل، وأن المرأة لها حق في الاختيار لا في الإكراه، وأن المسجون له حق في محاكمة عادلة لا في الاحتجاز الأبدي. وحين تُروى هذه الحقوق في قوالب بشرية، لا في صيغ قانونية جافة، فإنها تصل إلى القلب قبل العقل. فالقصة التي تحكي عن طفلة حُرمت من المدرسة قد تفعل ما لا تفعله مئات الصفحات من الاتفاقيات. وهكذا يصبح الإعلام شريكاً في بناء الوعي الحقوقي، لا مجرد مرآة تعكس الواقع .
لكن هذا الدور لا يخلو من مخاطر. فالإعلام الذي يبحث عن الإثارة أكثر من الحقيقة قد ينتهك حقوق الإنسان بدلاً من أن يحميها. فالصحافة التي تنشر تفاصيل حياة الضحايا دون موافقتهم، أو تصوّر الأطفال في أوضاع مأساوية دون حماية كرامتهم، أو تحاكم الناس في الرأي العام قبل المحاكم، إنما ترتكب انتهاكات باسم الحقيقة. والإعلام الذي يروّج للأخبار الزائفة والخطاب المحرّض على الكراهية قد يتحول إلى أداة عنف، لا أداة عدالة. وكم من شائعة أشعلت نزاعات، وكم من خطاب كراهية دفع إلى اعتداءات، وكم من صورة مقتطعة من سياقها شوّهت حياة إنسان .
وهناك خطر آخر لا يقل أهمية: القيود المفروضة على الإعلام نفسه. فحين تُغلق الصحف، وتُعتقل الصحفيون، وتُراقب الاتصالات، وتُحجب المواقع، فإن أول ما يُنتَهك هو حق المجتمع في المعرفة. وحين لا يعرف الناس ما يحدث، فإنهم لا يستطيعون المطالبة بحقوقهم، ولا محاسبة من ينتهكها. ولهذا فإن الدفاع عن حرية الإعلام ليس دفاعاً عن مهنة فقط، بل دفاع عن حق كل إنسان في أن يعرف، وأن يسأل، وأن يشارك. فالمجتمع الذي لا إعلام فيه إلا صوت واحد هو مجتمعٌ أعمى، حتى لو كان يرى بعينٍ واحدة .
وفي عصر المنصات الرقمية، اتسع نطاق هذه العلاقة وتعقّد. فكل مواطن أصبح قادراً على التوثيق والنشر، وصار الهاتف سلاحاً في وجه الانتهاكات. لكن في المقابل، انتشرت الأخبار الزائفة، وخطاب الكراهية، والمراقبة الرقمية، وانتهاكات الخصوصية. وأصبح السؤال: كيف نحمي حرية الإعلام دون أن نفتح الباب للفوضى؟ والإجابة تكمن في التوازن: حرية مسؤولة، وأخلاقيات مهنية، وتشريعات تحمي الصحفيين وتحمي الناس من الإعلام المنحرف في الوقت نفسه .
ان الإعلام وحقوق الإنسان وجهان لحقيقة واحدة: أن الناس يستحقون أن يعرفوا، وأن يُسمع صوتهم، وأن تُكشف انتهاكاتهم. فحين يكون الإعلام حراً ومسؤولاً، فإنه لا ينقل الأخبار فقط، بل يصنع مجتمعاً يعرف حقوقه ويدافع عنها. وحين ينحرف أو يُقيَّد، فإنه لا يخسر مهنته فقط، بل يخسر المجتمع عينه التي يرى بها. والعدسة التي تحمي الكرامة هي التي لا تغمض أمام الظلم، ولا تتجاهل الضحية، ولا تبيع الحقيقة. وهذه هي الصحافة التي تستحق أن تُسمى حقاً من حقوق الإنسان ..