كيف تقرر السياسات الاقتصادية مصير الحقوق

 

علاء الفريجي

حين ترتفع أسعار الخبز في بلدٍ فقير، لا ترتفع معها المظاهرات فقط، بل ترتفع معها معدلات التسرب من المدارس، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، والجريمة. هذه ليست مبالغة، بل معادلة اقتصادية-حقوقية يعرفها كل من راقب المجتمعات التي تمر بأزمات معيشية. فالاقتصاد ليس رقماً في ميزانية الدولة، بل هو المادة الخام التي تُبنى منها الحقوق أو تُهدَم. وحين نفكّر في انتهاكات حقوق الإنسان، نميل إلى البحث عن أسبابها في الاستبداد السياسي أو التعصب الديني أو الصراعات العرقية. لكن الحقيقة الأعمق أن كثيراً من هذه الانتهاكات لا تبدأ من الفكر، بل من الجيب .

الفقر هو السبب الاقتصادي الأول والأكثر تدميراً لحقوق الإنسان. فحين تعجز الأسرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، تبدأ سلسلة من التنازلات القسرية التي تُنتقص من كرامتها. يُسحب الطفل من المدرسة ليعمل في ورشة أو حقل أو شارع، فيُنتَهك حقه في التعليم أولاً، ثم حقه في الحماية من الاستغلال ثانياً. وتُزوَّج الفتاة مبكراً لتخفيف عبء اقتصادي عن أسرتها، فيُنتَهك حقها في الطفولة والتعليم والصحة والاختيار الحر. ويهاجر الأب بحثاً عن عمل في ظروف غير نظامية، فيُنتَهك حقه في الحياة الآمنة والعمل الكريم. وهكذا، فإن الفقر لا ينتهك حقاً واحداً، بل يفتح الباب أمام انتهاكات متسلسلة لا تتوقف .

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند الفقر المطلق، بل تمتد إلى عدم المساواة. فالمجتمع الذي تتركز فيه الثروة في أيدي قلة، بينما يعيش الأكثرية على الكفاف، هو مجتمع تُنتهك فيه الحقوق بشكل منهجي، وإن لم يظهر ذلك في القوانين. فحين تكون الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية مرهونة بالقدرة على الدفع، تصبح الحقوق سلعةً تُشترى، لا حقوقاً تُضمن. والفقير الذي لا يملك ثمن العلاج يموت، والطفل الذي لا يملك ثمن التعليم يجهل، والأسرة التي لا تملك ثمن السكن تنام في العراء. وهذه ليست مصادفات، بل نتيجة سياسات اقتصادية تُعيد إنتاج الفقر وتكرّسه جيلاً بعد جيل .

والأزمات الاقتصادية تضرب الحقوق ضربة موجعة. فحين تتعرض دولة لأزمة مالية، يكون أول ما يُقطع من الإنفاق العام هو الدعم عن الغذاء والدواء والتعليم، لأن الحكومات تعتبر هذه بنوداً “قابلة للتأجيل”، بينما لا يمكن تأجيل الدين الخارجي أو رواتب الجيش. وهنا يظهر التناقض الصارخ: تُنقَذ البنوك، ويُترَك الناس. فيُدفع ملايين الأفراد تحت خط الفقر، وترتفع البطالة، وتتسع الفجوة بين الطبقات، وتنتشر الجريمة والعنف الأسري والتطرف. وكأن الأزمة الاقتصادية ليست أزمة أرقام، بل أزمة كرامة .

والبطالة وحدها سبب كافٍ لانتهاك الحقوق. فالشاب العاطل عن العمل لا يجد حقاً في تكوين أسرة، ولا في السكن المستقل، ولا في المشاركة الفعالة في المجتمع. وقد يصبح فريسةً سهلة للتجنيد في جماعات متطرفة، أو للهجرة غير النظامية التي تعرضه للاستغلال والموت في البحار. والمرأة التي تُحرم من فرص العمل بسبب التمييز الاقتصادي تبقى تابعةً، فاقدةً لقدرتها على الاختيار والاستقلال. وهكذا يصبح الحق في العمل ليس مجرد حق اقتصادي، بل شرطٌ لتحقيق كل الحقوق الأخرى .

ومن الأسباب الاقتصادية الخفية التي تُغفل كثيراً، الفساد. فهو ليس مجرد سرقة أموال عامة، بل هو انتهاك مباشر لحقوق الإنسان. فكل مليار يُسرَق من ميزانية الصحة يعني آلاف المرضى الذين لا يجدون سريراً. وكل مبلغ يُختلس من ميزانية التعليم يعني مدارس مهدمة ومعلمين غير مدربين وأطفالاً يجهلون. والفساد هو الذي يجعل الدول الغنية بمواردها فقيرةً بشعوبها، ويجعل الثروة الطبيعية لعنةً بدلاً من نعمة. وحين يشعر الناس بأن أموالهم تُسرق، يفقدون الثقة في الدولة، وتنهار العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتتراجع كل الحقوق .

وقد أثبتت التجارب أن الاقتصاد يمكن أن يكون أيضاً حامياً للحقوق. فحين تنمو الاقتصادات نمواً عادلاً، وتُستثمر الموارد في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ترتفع مستويات التمتع بالحقوق. وحين تزيد الأجور، تقل عمالة الأطفال. وحين تتوسع شبكات الأمان الاجتماعي، تنخفض معدلات الفقر. وحين تُشجَّع المشاريع الصغيرة، يجد الشباب بديلاً عن الهجرة والتطرف. وهكذا، فإن السياسات الاقتصادية ليست مجرد قرارات مالية، بل هي قرارات حقوقية بامتياز .

في نهاية المطاف، لا يمكن أن نطلب من إنسانٍ جائع أن يمارس حريته، ولا من عاطل أن يشارك سياسياً، ولا من أمي أن يدافع عن حقوقه. فالحقوق تحتاج إلى قاعدة اقتصادية تقف عليها، وإلا تحولت إلى شعارات في الهواء. وحين يضيق الجيب، تضيق معه الحقوق، وتصبح الكرامة ترفاً لا يستطيع الفقير تحمّله. ولهذا فإن معركة حقوق الإنسان ليست معركة قانونية فقط، بل هي معركة اقتصادية بالدرجة الأولى. ومن يريد مجتمعاً يحترم الكرامة، عليه أن يبدأ من الخبز، والعمل، والعدالة في توزيع الثروة. فالكرامة لا تُبنى بالخطب، بل بالسياسات التي تجعل لكل إنسان نصيباً عادلاً من ثروات وطنه، وحقاً حقيقياً في حياة كريمة .

قد يعجبك ايضا
∧