كيف تُبنى حقوق الإنسان؟

الدكتور محمد قاسم

لا تُبنى حقوق الإنسان بقرارٍ واحد، ولا بثورةٍ واحدة، ولا بتوقيعٍ على اتفاقيةٍ واحدة. إنها أشبه ببناءٍ شاهق لا يُشيَّد في يوم، بل تُوضع أحجاره حجراً فوق حجر، وتُسقى أساساته بالوعي والإرادة والتضحية. وحين نرى اليوم مجتمعاً يحترم كرامة أبنائه، فإننا نرى أمامنا نتيجة قرونٍ من النضال المتدرج، لا معجزةً نزلت من السماء. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تُبنى حقوق الإنسان فعلاً؟ وما هي الأحجار الأولى في هذا البناء الذي لا ينهار؟

يبدأ البناء من الفكرة، من الوعي. فلا يمكن أن يُطالب إنسانٌ بحقٍّ لا يعرفه، ولا أن يدافع عن كرامةٍ لا يدرك أنها كرامة. ولهذا فإن الحجر الأول في بناء حقوق الإنسان هو التعليم والتثقيف. فالطفل الذي يتعلم في المدرسة أن له حقاً في التعبير، وأن الآخرين لهم حقٌّ في الاختلاف معه، هو طفلٌ يُبنى داخله أساسٌ صلب. والمجتمع الذي ينتشر فيه الوعي الحقوقي عبر الإعلام والمسجد والكنيسة والجامعة والنادي، هو مجتمعٌ يضع نفسه على طريق البناء. أما المجتمع الذي يُمنع فيه تداول المعلومات، ويُكمَّم فيه صوت المعلم والمفكر، فإنه يبني على رملٍ، مهما رفع من شعارات .

ثم يأتي الحجر الثاني: القانون والمؤسسات. فالوعي وحده لا يكفي إن لم يتحول إلى قواعد ملزمة وآلياتٍ تحميها. والقانون ليس مجرد نصوصٍ في الجريدة الرسمية، بل هو الأداة التي تحوّل الحق من أمنيةٍ إلى التزامٍ قابلٍ للمحاسبة. فحين ينص الدستور على أن لكل مواطن حقاً في محاكمة عادلة، ثم تُنشأ محاكم مستقلة وقضاة مدربون، ثم تُتاح المساعدة القانونية للفقراء، فإننا لا نكون أمام حبرٍ على ورق، بل أمام بناءٍ حقيقي. وحين يفتقر النظام القضائي إلى الاستقلال والموارد والكفاءة، فإن الحقوق تبقى معلقةً على جدار الدستور، لا يعيشها الناس في حياتهم اليومية .

 

لكن القانون وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك من يحرسه. وهنا يأتي الحجر الثالث: المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والصحافة الحرة. فهذه ليست كمالياتٍ ديمقراطية، بل هي عيونٌ تراقب، وأصواتٌ تُنبِّه، وأيادٍ تمتد إلى المظلوم حين تعجز الدولة عن الوصول إليه. وكم من انتهاكٍ ظل مستوراً لسنوات حتى كشفته منظمةٌ أو صحيفةٌ أو ناشطٌ. وكم من حقٍّ أُعيد إلى صاحبه بعدما رُفع صوته في مكانٍ عام. والمجتمع الذي يخاف من منظماته المدنية هو مجتمعٌ يخاف من حقوق الإنسان نفسها، لأنه يعرف أن هذه المنظمات سترى ما لا تريد الدولة أن يُرى .

والحجر الرابع هو الأصعب والأكثر إغفالاً: الثقافة والممارسة اليومية. فحقوق الإنسان لا تُبنى في القوانين فقط، بل تُبنى في السلوك اليومي للناس: في الأب الذي يستمع إلى ابنه بدلاً من أن يضربه، والمعلم الذي يحترم اختلاف طلابه، والشرطي الذي يعامل الفقير كما يعامل الغني، والمدير الذي يدفع الأجر قبل أن يُطالَب به، والجار الذي يقف مع جاره المهمش دون أن يطلب شيئاً. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المناخ الذي تعيش فيه الحقوق أو تموت. فالمجتمع قد يملك أفضل القوانين، لكن إن كان أفراده يرون أن الرشوة ضرورية، وأن التمييز طبيعي، وأن المرأة ناقصة، فإن هذه القوانين ستظل حبراً على ورق، لأن الثقافة لا تدعمها .

وهنا يبرز الحجر الخامس: القضاء على الفقر والظلم الاقتصادي. فمن المستحيل أن يُبنى صرح حقوق الإنسان على أرضٍ تتساقط فيها أجساد الجائعين. فالحقوق تحتاج إلى قاعدة مادية تسمح للإنسان بأن يمارس حريته دون أن يخاف على لقمة عيشه. فالعاطل الذي لا يجد عملاً لا يستطيع أن يطالب بحقوقه، والأسرة التي لا تجد سكناً لا تستطيع أن تربي أبناءها على الكرامة. ولهذا فإن معركة حقوق الإنسان ومعركة العدالة الاقتصادية معركتان لا تنفصلان، ومن يظن أنه يبني حقوقاً في مجتمعٍ يعاني فيه الفقراء من التهميش، فإنه يبني على سطحٍ هش .

 

ثم يأتي الحجر السادس والأخير، وهو الأهم: الإرادة السياسية. فكل الأحجار السابقة تحتاج إلى من يضعها في موضعها، إلى قرارٍ سياسي حقيقي بأن حقوق الإنسان ليست ترفاً ولا شعاراً انتخابياً، بل أولويةٌ في السياسات والموازنات. وحين توجد هذه الإرادة، تنفتح الطرق: تُخصص الموارد، ويُصلح القضاء، وتُطلق حرية الإعلام، ويُكافح الفساد. وحين تغيب، تصبح كل هذه الأحجار مجرد حجارةٍ مبعثرة، لا يقوم عليها بناء .

في النهاية، بناء حقوق الإنسان ليس مشروع حكومةٍ وحدها، ولا مشروع منظماتٍ وحدها، بل هو مشروع مجتمعٍ بكامله. يبدأ من العقل، ويمر بالقانون، ويسكن في الثقافة، ويستند إلى الاقتصاد، ويُدار بالإرادة السياسية. وكل جيلٍ مدعوٌّ إلى وضع حجرٍ جديد على هذا البناء، لا إلى الاكتفاء بالجلوس في ظله. وحين يُبنى هذا الصرح على أسسٍ سليمة، يصبح مناعةً لا تُخترق: مجتمعاً لا ينتظر من يحمي حقوقه، بل يعرف كيف يحميها بنفسه. وهذه هي الكرامة الحقيقية: أن يصبح الحق عادةً، والاحترام ثقافةً، والحماية نظاما .

قد يعجبك ايضا
∧