أهل الله وأخلاق الولاية: الطريقة العلية القادرية الكسنزانية أنموذجًا للتربية الروحية والإنسانية.

د. نوري جاسم .

أن الحديث عن أهل الله ليس حديثًا عن الألقاب والمقامات التي يتداولها الناس، ولا عن مظاهر روحية تنفصل عن واقع الحياة، وإنما هو حديث عن حقيقة الإيمان حين يتحول إلى أخلاق، وعن المحبة حين تصبح سلوكًا، وعن معرفة الله سبحانه وتعالى حين تثمر تواضعًا ورحمةً وإحسانًا إلى خلقه. فأهل الله، في المعنى الذي يقرره القرآن الكريم، هم أهل الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. وهذه الآية الكريمة تضعنا أمام حقيقة جوهرية، وهي أن الولاية ليست مجرد منزلة يتحدث عنها الإنسان، بل صلة بالله تنعكس آثارها على ضميره وأعماله وعلاقته بالناس. ولقد جسّد الأنبياء والمرسلون أسمى معاني العبودية لله، فكان الصدق والأمانة والصبر والرحمة والعدل من المعالم البارزة في رسالاتهم وسيرتهم. وجاء النبي سيدما محمد ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، ويقدم للبشرية نموذجًا يجمع بين العبادة والرحمة، وبين قوة الحق والتواضع، وبين الإيمان العميق والإحسان إلى الناس. ومن هذا المنطلق، فإن الاقتداء بالأنبياء لا يتحقق بمجرد محبتهم أو الحديث عن سيرتهم، بل بالسعي إلى استلهام أخلاقهم وترجمتها إلى ممارسات يومية تُصلح النفس وتبني المجتمع. وفي هذا الإطار تبرز أهمية التصوف حين يكون طريقًا لتزكية النفس ومجاهدة الهوى، ومجالًا لتربية الإنسان على ذكر الله ومراقبته، والتحرر من الكبر والحسد وحب الظهور. فالذكر ليس ألفاظًا ترددها الألسن فحسب، وإنما معنى يستقر في القلب ويستدعي أثره في السلوك؛ والزهد ليس رفضًا للحياة أو امتناعًا عن أسباب العمل والنجاح، بل ألا تستعبد الدنيا قلب الإنسان أو تدفعه إلى الظلم والجشع؛ والمحبة ليست كلمات وجدانية جميلة فحسب، وإنما رحمة وعفو ووفاء واحترام لكرامة الآخرين. وكلما أثمرت التربية الروحية هذه المعاني، اقتربت من رسالتها الحقيقية في بناء الإنسان.
ومن هنا يمكن تناول المنهج التربوي للطريقة العلية القادرية الكسنزانية بوصفه تجربة روحية تستند إلى الذكر والسلوك والإرشاد، وتسعى إلى وصل المريد بمعاني التوحيد والمحبة والتزكية. وتكتسب هذه التجربة قيمتها الإنسانية حين تتحول مبادئها إلى أخلاق عملية، فيكون الذكر باعثًا على الاستقامة، وتكون المحبة سبيلًا إلى التآلف، ويكون الانتساب الروحي دافعًا إلى المسؤولية وخدمة المجتمع. فليس الغرض من التربية أن يزداد الإنسان تعلقًا بالمظاهر، وإنما أن يزداد وعيًا بحقيقة العبودية، وقدرةً على إصلاح نفسه، واستعدادًا لفعل الخير. وتتضح أهمية هذا المعنى في قراءة تراث السلطان الخليفة الشيخ محمد المحمد الكسنزان الحسيني، قدّس الله سرّه، ولا سيما ما نُشر من توجيهاته في العبادات والسلوك. ففي مادة منشورة على موقع الطريقة بعنوان «الصلاة»، نُسب إليه قول يربط قيمة العبادة بأثرها الأخلاقي: «علامة صحة الصلاة هو أن تنتهي عن الفحشاء والمنكر». وهذه العبارة، في دلالتها التربوية، تفتح بابًا مهمًا لفهم العلاقة بين العبادة والسلوك؛ فالصلاة ليست فعلًا منفصلًا عن حياة الإنسان، وإنما ينبغي أن تسهم في تهذيب ضميره، وردعه عن الأذى، وتوجيهه إلى الخير. وبالمعنى نفسه، لا تكتمل قيمة الذكر ما لم يكن له أثر في ضبط اللسان، وصيانة الأمانة، وحفظ الحقوق، وحسن معاملة الناس. وهكذا يصبح جوهر التربية الروحية هو الانتقال من أداء العبادة إلى استحضار مقاصدها الأخلاقية في مختلف شؤون الحياة. أما السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني حفظه الله، فيمكن الوقوف عند ما طرحه في رسالته التوجيهية للمريدين بشأن السلوك الصوفي ومتابعة الشيخ في مسار التربية. ومن العبارات الواردة في الرسالة: «فلا تتبع أيها المريد من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله». وتحمل هذه العبارة معنى تربويًا مهمًا، يتمثل في اجتماع القدوة العملية مع التوجيه القولي؛ فالكلمة التي تدعو إلى الخير تزداد أثرًا حين يساندها السلوك، والمرشد لا يؤدي رسالته بالكلام وحده، بل بما يقدمه من مثال في الاستقامة والأمانة والتواضع. وهي دعوة إلى إدراك المسؤولية الأخلاقية التي تترتب على موقع الإرشاد، وإلى فهم التربية باعتبارها عملية تجمع بين التعليم والقدوة ومحاسبة النفس.
ومن المهم هنا أن نفهم القيادة الروحية بوصفها مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وأمانة قبل أن تكون لقبًا. فالشيخ المربي مطالب بأن يكون حريصًا على كرامة الإنسان، رفيقًا في تعليمه، حكيمًا في إرشاده، عادلًا في تعامله، وأن يجعل غايته إصلاح النفس والدلالة على الخير. ولا يعني ذلك افتراض العصمة أو الكمال المطلق لأي إنسان، فالعصمة ليست وصفًا عامًا للمشايخ والأولياء، وإنما المقصود أن تُقرأ سيرهم ومواقفهم في ضوء القيم التي يدعون إليها، وأن يُنظر إلى أثر التربية في بناء شخصيات أكثر صدقًا ورحمةً واستقامة.
ومن هنا تبرز أهمية توثيق المواقف الإنسانية في سيرة السلطان الخليفة الشيخ محمد المحمد الكسنزان الحسيني، قدّس الله سرّه، ودراسة التوجيهات والمبادرات المرتبطة بتجربة الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني، قدّس الله سرّه. فالموقف الإنساني الموثق يمنح الفكرة عمقًا، ويجعلها أقرب إلى وجدان القارئ؛ إذ يمكن من خلاله بيان كيف تتجسد الرحمة في مساعدة محتاج، وكيف يظهر التواضع في معاملة الناس، وكيف يتجلى العفو في معالجة الخلاف، وكيف تتحول المحبة إلى عمل يخفف عن الإنسان آلامه ويصون كرامته. ويقتضي الإنصاف في هذا المجال التمييز بين النصوص المنشورة والروايات المتداولة، والتحقق من الوقائع قبل نسبتها إلى أصحابها، حتى يبقى الوفاء للسيرة مقرونًا بالأمانة في نقلها. وإن المجتمع المعاصر، بما يواجهه من أزمات أخلاقية وضغوط مادية وتراجع في الثقة بين الناس، يحتاج إلى خطاب روحي يتجاوز حدود الموعظة إلى ميدان الفعل. فهو بحاجة إلى تربية تعيد الاعتبار للصدق والأمانة، وتدعو إلى الرحمة والتكافل، وتقاوم التعصب والكراهية، وتؤكد أن كرامة الإنسان لا تسقط بسبب اختلافه في الرأي أو الانتماء. ومن هنا يستطيع التصوف، حين يتصل بالقيم الإسلامية الجامعة، أن يؤدي دورًا إيجابيًا في الإصلاح الاجتماعي، وفي بناء جسور التفاهم، وفي تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الضعفاء والمحتاجين والشباب والأجيال الجديدة. وإن أهل الله، في المعنى الأخلاقي الذي نستخلصه من القرآن الكريم والسنة النبوية، هم الذين تقودهم التقوى إلى الاستقامة، وتدفعهم المحبة إلى الرحمة، ويقودهم الذكر إلى مراقبة النفس، ويجعلهم الزهد أكثر تحررًا من عبودية المادة، ويجعلهم الإيمان أكثر حرصًا على العدل وحفظ الحقوق. وعلى هذا الأساس، فإن دراسة صفات مشايخ الطريقة العلية القادرية الكسنزانية ينبغي ألا تقتصر على عرض المناقب أو تكرار الأوصاف، بل أن تتجه إلى فهم المنهج التربوي، وتوثيق الأقوال والمواقف، وتحليل ما تحمله من دلالات روحية وإنسانية. فالقيمة الأعمق لأي تجربة روحية لا تكمن في كثرة ما يُقال عنها، بل في مقدار ما تتركه من أثر في الإنسان والمجتمع؛ وفي قدرتها على تحويل العبادة إلى أخلاق، والمعرفة إلى حكمة، والمحبة إلى خدمة، والإرشاد إلى مسؤولية. وحين يصبح الذكر باعثًا على الاستقامة، وتصبح المحبة جسرًا للتواصل، ويغدو الشيخ قدوةً في التواضع والرحمة، ويصبح المريد أكثر صدقًا وأمانةً ونفعًا للناس، تتجلى الرسالة الإنسانية للتربية الروحية في أبهى صورها. فطريق المعرفة بالله لا ينفصل عن حسن المعاملة، وصدق المحبة لا ينفصل عن العمل، والولاية لا تُفهم بمعزل عن التقوى التي جعلها القرآن الكريم أساسها، وعن الأخلاق التي تمنحها أثرها في الحياة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا
∧