بدل رفو / النمسا
إهداء: إلى شاعر الحرية والإنسانية.. لطيف هلمت
من غياهب الغربة الأولى،
ومن هذا الوجع الأسطوري المقيم في أضلعي،
أجيئك..
من بلاد كانت تراقص الروح فيها
على عتبات الإنسانية.
ذات انكسار..
أحرق الشاعر خارطة العالم،
حين أرتجوا الأبواب في وجهه،
وقالوا له بمرارة:
أنت بلا وطن!
يا شاعري..
أما أنا، فحين قفلتُ راجعاً من غربتي،
نهبوا من يديَّ زهرةَ سنوات عمري،
وفي خريف العمر المتعب،
أطلقوا الرصاص على ما تبقى من أيامي!
هكذا هو قدر الشعراء الحقيقيين..
يسكبون الضوء، فيحاصرهم العتم.
فقدنا أنا وأنت نجمتينا،
شركاء الأرواح ونبض العمر..
لكن حُبَّ البشر، والفقراءَ والمساكينَ والبسطاء،
هم سماؤنا المليئة بالنجوم،
فلا تحزن يا صاحبي..
فإنَّ الشِعر شمسُنا ونجمتُنا المتبقية!
أشعارنا لم تزل حية..
شعلات تصارع العاصفة في دروب الحرية.
خسرنا كل شيء،
لكننا لم نخسر الشعر،
لم نخسر أنفسنا،
ولم نبع إنسانيتنا في سوق النخاسة!
كلانا يقتسم الخبز مع الفقراء:
أنت تعزف ألمك في مدينة الثقافة،
وأنا أداري دمعي في مدن الغربة ،
والوجع بيننا شريان واحد.
كان لشارلي شابلن عكازة خشبيّة
يمثل بها خيبات البشر،
أما عكازتك أنت..
فهي هذه الدنيا بأسرها!
يتكئ عليها العمر المتعب،
ويستند إليها الشعر والسلام.
سيطل يوماً ربيعٌ جديد للإنسان،
لكننا حينها سنكون قد أتممنا الرحلة،
وودعنا هذا العالم بقلوب محملة بالخيبات،
وبصمت أشبه بالخلود.
فشعراء الإنسانية الحقيقيون نُدرة،
أما شعراء البلاط والقصائد المأجورة..
فقد أكلوا الأخضر واليابس ولم يتركوا للنقاء شيئاً!
نحن المنفيين بلا ملاذ،
ما زلنا نركض خلف قافلة الحرية،
نلهث في السراب،
ولن نتوقف أبداً يا شاعري..
لأننا اخترنا أن نموت أحراراً،
كما عاش الشعر فينا حراً!