محمد مراد فتاح
الحرب لا تقتصر على الخنادق، ولا تنحصر آثارها في ساحات القتال، بل تمتد لتدمير الدول وتقويض أركانها، وتصل إلى داخل البيوت، وبين الأم وأطفالها، وحتى إلى مائدة الأسرة التي كانت، في السابق، عامرة بالفرح والطمأنينة والدفء العائلي.
لكن الحرب تحوّل تلك المائدة إلى مصدر للقلق والحزن، وتستبدل لحظات السعادة بالخوف من الجوع ونقص الخبز وقلة متطلبات الحياة اليومية.
وتقع أعباء الحرب الثقيلة على كاهل الفقراء، فالأب الذي يعجز عن توفير لقمة العيش لأطفاله، والأم التي تنظر إلى أبنائها بعيون تملؤها الدموع، والطفل الذي كان من المفترض أن يقضي وقته في اللعب والتعلّم، يجد نفسه أمام واقع قاسٍ، يشعر فيه بثقل الحياة ومعاناة أسرته في تأمين قوت يومها.
إن الحرب لا تقتل الإنسان وحده، بل تقتل أحلامه وآماله أيضاً، وتسرق من الأطفال براءتهم، ومن الأمهات طمأنينتهن، ومن الآباء قدرتهم على مواجهة أعباء الحياة بكرامة.
قد ترى الدول جيوشها وقواتها في الخنادق، وتتابع ما يجري في ساحات المعارك، لكن هناك حرباً أخرى لا تظهر على شاشات الأخبار، ولا تُقاس بعدد الجنود والأسلحة، بل تُقاس بمدى قدرة الأسرة على توفير الخبز لأطفالها، وبالدموع التي تُذرف خلف الأبواب المغلقة، وبالأحلام التي تتلاشى تحت وطأة الفقر والجوع.
فإذا عجزت الأسرة عن تأمين قوت يومها، فإنها تواجه حرباً من نوع آخر؛ حرباً تبدأ داخل البيوت، وتستمر في أعماق القلوب، حتى بعد أن تصمت المدافع وتنتهي المعارك.
فليست كل الحروب تُخاض في الخنادق، فبعضها يُخاض على موائد الطعام، حيث يصبح الخبز حلماً، وتتحوّل لقمة العيش إلى معركة يومية من أجل البقاء.