سراب سعدي
لم يكن المطر قد بدأ بعد،
لكن رائحته كانت تملأ الهواء.
كان الرجل يراقب السماء كما لو أنها عدو قديم له.
كلّ شيء هناك كان محسوبًا بدقّة:
الدواجن في أقنانها، الخيول في إسطبلاتها،
أما الدواب التي لم تعرف يومًا سوى الطاعة، فكانت كالبقية في زريبتها.
إلا ذلك الخروف الأسود.
لم يكن مختلفًا في شكله فحسب،
بل في صمته أيضًا.
كان ينظر طويلًا، أكثر مما ينبغي،
وكأن في عينيه سؤالًا لا يخصّ أحدًا سواه.
في ذلك المساء…
بدأت السماء تنفث دخانها الأسود، وتزمجر برعدٍ غاضب.
في زريبة الدواب، بدا كل شيء بخير…
إلا أن الخروف بدا مرتعشًا.
راقبه الرجل من بعيد، ثم اقترب.
لم يكن الارتعاش غريبًا،
لكن العدوى… كانت فكرة لا تُحتمل.
مدّ يده إلى قرنيه، وشدّه.
لكن الخروف أبى أن يترك صحبه.
أطلق ثغاءً يشبه الاستغاثة،
وفي لحظةٍ واحدة،
تحوّل الصمت في الزريبة إلى صوتٍ واحد.
ثغاءٌ متداخل، كثيف،
يشبه جدارًا لا يُرى…
توقف الرجل. تسلل الخوف إلى قلبه.
تراجع خطوة، رفع عصاه، وخطّ خطًا طويلًا على التراب،
كما لو أنه يرسم حدًّا بين عالمين.
ثم أدرك أن الحكمة، لا القوة، هي ما يحتاجه الآن.
ابتسم، لم يكن ذلك ابتسام رضا… بل حيلة.
اقترب مجدداً، هذه المرة بلا عنف، وقال بصوتٍ مهادن:
“هيا… هنا ليس مكانك.
سآخذك إلى حيث العشب الندِيّ،
وحيث الدفء لا ينتهي… هيا يا صديقي.”
سكتت الأصوات… واستتب الصمت.
أما الخروف، فنظر إليه طويلًا.
كان التعب أثقل من الشك، والوجع أقسى من الحذر.
عندما خرج، لم يلتفت…
كانت الأرض مبتلة، وفي الطريق، بدأ كل شيء يتغيّر.
الريح، الضوء، حتى ظلّ الرجل لم يعد كما كان.
والعيون التي بدت عطوفة امتلأت بقبحٍ صامت.
لم يكن هناك قصر… بل، بناءٍ مهجور،
جدرانه متآكلة، وسقفه مثقوب.
قال وهو يفتح الباب:
وقبل أن يدخلا، همس له:
“لن يطول هذا… ستعيش كالمُلوك.”
كان الواقع مريراً.. لكن الأمل كان أكبر.
لم يكن هناك عشب، ولا دفء، ولا شيء يشبه الوعد.
فقط برد… وجسدٌ يرتجف وعظام كأنها تشتكي.
تكوّر على نفسه، محاولًا أن ينتظر انقشاع الغيوم،
لا عن السماء فقط… بل عن حياته.
فالانتظار، أحيانًا، هو الشيء الوحيد الذي يبقى للضعفاء.
في الخارج، كان المطر يشتد.
وفي الداخل، كان الوقت يبطؤ… حتى يكاد يتوقّف.
وحين جاء الصباح، بدت السماء صافية…
لكن، مع آخر قطرة مطر، تلاشت كل الوعود… وكان للسكين رأيٌ آخر.
لا ثغاء، ولا احتجاج، ولا حتى خوف.
فقط صمت… يعرف.
ثم انتهى كل شيء، قبل أن يجفّ المطر.