من خطاب أربيل عام 2004 إلى استحقاقات الدستور العراقي اليوم

عرفان الداوودي

مسعود البارزاني ورؤية العراق الاتحادي والمادة 140 بين الالتزام الدستوري والتلكؤ في التنفيذ

المقدمة: خطابٌ استشرافيٌّ ما زال يطرح أسئلة الحاضر

ليست بعض الخطابات السياسية مجرد كلمات تُقال في مناسبة ثم تطويها صفحات التاريخ، بل تتحول، مع مرور الزمن، إلى وثائق فكرية وسياسية يمكن العودة إليها لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومن بين هذه الخطابات، يبرز خطاب السيد مسعود البارزاني، الذي ألقاه في الملتقى الثقافي الكوردي–العربي في مدينة أربيل للفترة من 17 إلى 20 أيلول 2004، تحت شعار «اتحاد اختياري ومشاركة عادلة»؛ وهو خطاب حمل رؤية واضحة لمستقبل العراق، قوامها الديمقراطية، والشراكة الوطنية، والعدالة بين مكوناته، والاحتكام إلى الحوار بدلاً من الصراع، وإقامة دولة اتحادية تحترم الحقوق الدستورية لجميع العراقيين.

وبعد أكثر من عقدين على ذلك الملتقى، ما زالت الأفكار التي طرحها البارزاني تلامس جوهر الأزمة السياسية العراقية، ولا سيما ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، ومفهوم الشراكة الحقيقية، وحقوق المكونات، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك ومناطق أخرى من محافظة ديالى.

إن العودة إلى هذا الخطاب ليست استدعاءً للماضي من أجل تمجيده فحسب، وإنما هي محاولة لقياس المسافة بين المبادئ التي طُرحت لبناء العراق الجديد، وبين ما تحقق فعلياً على أرض الواقع، خصوصاً في ظل استمرار التعثر في تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، وما يترتب على ذلك من آثار سياسية وإدارية واجتماعية تمس حياة المواطنين وثقتهم بالدولة ومؤسساتها.

أولاً: القضية الكوردية ومسؤولية الأنظمة عن أزمات العراق

أكد السيد مسعود البارزاني في خطابه أن القضية الكوردية لم تكن في جوهرها قضية مستعصية على الحل، وإنما أصبحت كذلك نتيجة إخفاق أنظمة الحكم المتعاقبة في التعامل معها بروح ديمقراطية، وعدم اعتمادها حلولاً عادلة ومستدامة، فضلاً عن اللجوء إلى القوة والإقصاء بدلاً من الحوار والتفاهم.

وهذه الرؤية تفتح باباً مهماً لمراجعة تاريخ الدولة العراقية الحديثة؛ إذ إن تجاهل الحقوق القومية والسياسية، ومحاولات فرض هوية واحدة على مجتمع متعدد القوميات والثقافات، لم يؤديا إلى تعزيز الوحدة الوطنية، بل أسهما في تعميق الأزمات وإضعاف الثقة بين الدولة ومكوناتها.

لقد أثبتت التجارب العراقية أن الوحدة الوطنية لا تُبنى بالقوة، ولا تتحقق بالشعارات، ولا تستقيم بإنكار الحقوق، وإنما تقوم على الاعتراف المتبادل، والمساواة أمام القانون، وضمان المشاركة العادلة في إدارة الدولة، واحترام الخصوصيات القومية والثقافية ضمن إطار دستوري جامع.

ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية في خطاب البارزاني تتمثل في أن استقرار العراق لا يمكن فصله عن إيجاد حل عادل للقضية الكوردية، كما لا يمكن فصل حقوق الشعب الكوردي عن مصلحة العراق في بناء دولة ديمقراطية اتحادية مستقرة.

وهذا المبدأ لا ينتقص من حقوق العرب أو التركمان أو المسيحيين أو أي مكون آخر، بل يؤكد أن الدولة العادلة هي التي يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء في الوطن، لا رعايا متفاوتون في الحقوق والامتيازات.

ثانياً: من بيان 11 آذار 1970 إلى دستور 2005… دروس التاريخ ومسؤولية الحاضر

توقف الخطاب عند بيان 11 آذار 1970، الذي مثّل محطة مهمة في تاريخ العلاقة بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية، وتضمن اعترافاً بالحقوق القومية للشعب الكوردي، إلى جانب التزامات تتعلق بالمناطق ذات الأغلبية الكوردية واللغة والتمثيل السياسي وترتيبات دستورية أخرى.

وقد عُدَّ ذلك البيان، في حينه، فرصة تاريخية لبناء الثقة وإيجاد تسوية سياسية للقضية الكوردية، إلا أن انهيار الاتفاق وما أعقبه من صراعات ونزاعات أثبت أن الاتفاقات السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع الصمود إذا غابت الإرادة الديمقراطية وآليات التنفيذ والضمانات الفعلية.

وهنا تبرز المقارنة بين تجربة عام 1970 وتجربة العراق بعد عام 2003. ففي المرحلة الجديدة، لم تعد معالجة القضية الكوردية تعتمد على البيانات والاتفاقات السياسية وحدها، بل أصبحت محكومة بدستور دائم أقره العراقيون عام 2005، وحدد شكل الدولة الاتحادية، ونظم العلاقة بين سلطاتها ومكوناتها، وأرسى مبادئ الحقوق والحريات والمشاركة.

وقد نصت المادة الأولى من الدستور على أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة، وأن نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي. كما أقرت المادة 14 مبدأ المساواة أمام القانون دون تمييز، فيما نظمت المادة 117 الاعتراف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً.

إن الفارق الجوهري بين التجربتين هو أن الدستور الدائم أوجد إطاراً قانونياً أعلى ملزماً لتنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل، وأصبحت معالجة الملفات العالقة مسؤولية دستورية ومؤسساتية لا يجوز اختزالها في التفاهمات الحزبية أو الحسابات الانتخابية.

وعليه، فإن الوفاء الحقيقي لروح بيان 11 آذار لا يكون بمجرد استذكار تاريخه، بل بتجنب أخطاء الماضي، واحترام الالتزامات، وترسيخ الثقة، والانتقال من الوعود السياسية إلى التنفيذ القانوني والإداري الفعلي.

ثالثاً: رؤية مسعود البارزاني للعلاقة العربية–الكوردية

أكد البارزاني في خطابه أهمية اللقاءات العربية–الكوردية، وضرورة أن يفهم كل طرف تاريخ الطرف الآخر وحقوقه ومخاوفه، محذراً من الأصوات التي تسعى إلى إثارة الكراهية والاتهامات المتبادلة، وتشويه حقيقة العلاقة التاريخية بين الشعبين.

وتكمن أهمية هذه الدعوة في أنها تفصل بين الخلافات السياسية المشروعة وبين العداء القومي، وترفض تحويل التنافس على السلطة أو الموارد أو الحدود الإدارية إلى صراع بين العرب والكورد.

فالعربي الذي يطالب بحقوقه الدستورية لا ينبغي أن يرى في حقوق الكوردي تهديداً له، والكوردي الذي يطالب بتنفيذ الدستور لا ينبغي أن يُعامل بوصفه خصماً للعراق أو لوحدته. كما أن الدفاع عن حقوق التركمان والمسيحيين وسائر المكونات لا يتعارض مع الحقوق الدستورية للعرب والكورد، بل يعزز مفهوم الدولة التي تحمي الجميع.

لقد أثبتت التجربة أن الخطاب التحريضي لا يحل مشكلة، وأن الاتهامات المتبادلة لا تبني مؤسسات، وأن استخدام القضايا القومية لتحقيق مكاسب سياسية مؤقتة يترك آثاراً خطيرة على التعايش الاجتماعي.

ومن هنا، فإن استعادة مضمون خطاب أربيل اليوم تقتضي إطلاق حوار وطني جاد، لا يقوم على المجاملات أو تبادل الاتهامات، وإنما على الاعتراف بالحقوق، والشفافية في إدارة الخلافات، والالتزام بالدستور، ومعالجة الملفات المتراكمة وفق جداول زمنية واضحة.

رابعاً: المادة 140 من الدستور… الاستحقاق الذي طال انتظاره

تُعد المادة 140 من أكثر المواد الدستورية ارتباطاً بمستقبل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، وبقضايا المناطق المتنازع عليها، ولا سيما كركوك ومناطق من محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين.

وقد جاءت هذه المادة لمعالجة آثار السياسات السابقة التي شهدتها بعض المناطق من تغيير ديموغرافي وترحيل وتهجير وتلاعب بالواقع السكاني والإداري، ولإرساء مسار دستوري لمعالجة تلك الآثار بالوسائل القانونية والسلمية.

ونصت المادة 140 على أن تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، بجميع فقراتها، وأن تُنجز هذه المسؤولية بمراحلها الثلاث: التطبيع، والإحصاء، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها، في موعد أقصاه 31 كانون الأول 2007.

إن الدلالة الدستورية لهذا النص واضحة: فالمادة لم تطرح القضية بوصفها مسألة اختيارية تخضع لمزاج الحكومات المتعاقبة، ولم تجعل تنفيذها رهناً بتوافق سياسي دائم قد يتعذر الوصول إليه، بل وضعت التزاماً دستورياً وحددت مراحله وسقفاً زمنياً لإنجازه.

ومع ذلك، مضت سنوات طويلة بعد انتهاء الموعد الدستوري المحدد، ولا تزال متطلبات تنفيذ المادة 140 موضع خلاف وتعثر، من دون استكمال المسار الذي رسمه الدستور بالصورة التي تحقق غايته.

وهنا يبرز السؤال الدستوري والسياسي المشروع: كيف يمكن لدولة أن تؤكد احترام دستورها، فيما يبقى أحد استحقاقاته الأساسية معلقاً كل هذه السنوات؟

إن استمرار عدم التنفيذ يضعف الثقة بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، ويُبقي المجتمعات المحلية في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها الإداري والسياسي، كما يفتح المجال أمام أطراف مختلفة لاستثمار القضية في الصراعات الانتخابية والحزبية.

ولا يجوز، في المقابل، أن تتحول المادة 140 إلى مبرر للتجاوز على حقوق المواطنين أو تهديد أمنهم أو فرض حلول بالقوة. فالمطلوب هو تنفيذ دستوري مسؤول، يحفظ الحقوق الفردية والجماعية، ويضمن مشاركة السكان المعنيين، ويستند إلى الإجراءات القانونية والبيانات الموثوقة، ويمنع التغيير القسري للواقع السكاني.

إن احترام الدستور لا يعني الانتصار لطرف على حساب طرف آخر، بل يعني الاحتكام إلى القواعد التي وافق عليها العراقيون، وضمان ألا تكون حقوق المواطنين رهينة التأجيل السياسي المستمر.

خامساً: كركوك ومناطق ديالى… الاختبار الحقيقي للشراكة الوطنية

احتلت كركوك مساحة مهمة في خطاب السيد مسعود البارزاني، الذي وصفها بأنها مدينة عراقية ذات هوية كوردستانية، وأكد ضرورة أن تكون نموذجاً للتآخي والتعايش بين الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين وسائر مكوناتها.

إن جوهر هذه الرؤية يتمثل في أن الانتماء إلى العراق لا يتعارض مع الخصوصية القومية والثقافية للمدينة، وأن معالجة النزاعات المتعلقة بهويتها الإدارية والسياسية ينبغي أن تتم من خلال الدستور، واحترام إرادة سكانها، وضمان حقوق جميع مكوناتها.

وليس من الإنصاف أن تتحول كركوك إلى ساحة للمزايدات السياسية أو إلى عنوان للصراع القومي، في حين أن الحل العادل يقتضي معالجة آثار السياسات السابقة، وصيانة حقوق السكان، وإيجاد تسوية دستورية مستقرة تحفظ التعايش وتمنع تجدد النزاعات.

ولا تقتصر أهمية المادة 140 على كركوك وحدها، بل تمتد إلى مناطق متنازع عليها في محافظة ديالى، ومنها مناطق ترتبط تاريخياً واجتماعياً بمدن ومناطق كوردستانية وعراقية متعددة المكونات، الأمر الذي يجعل تنفيذها مسألة تمس مستقبل السكان وأمنهم واستقرارهم وحقوقهم الإدارية والسياسية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية مناطق خانقين والسعدية وجلولاء وغيرها من المناطق التي عانت من آثار الصراعات والتغيرات السكانية والإدارية، والتي تحتاج إلى معالجة مسؤولة تحفظ حقوق جميع المواطنين، وتمنع توظيف الاختلافات القومية في إثارة الفتن والانقسامات.

إن أبناء هذه المناطق لا يحتاجون إلى مزيد من الوعود، بل إلى سياسات واضحة تضمن الخدمات، وتحمي الملكية القانونية، وتعالج الملفات الإدارية، وتوفر فرص المشاركة في إدارة شؤونهم، ضمن الأطر الدستورية والقانونية النافذة.

ويجب التأكيد هنا أن تحديد الوضع النهائي لأي منطقة مشمولة بالمادة 140 لا يُحسم بالخطابات السياسية أو بالانطباعات التاريخية وحدها، وإنما بالمسار الدستوري الذي حدده النص، وبالإجراءات القانونية التي تحترم إرادة المواطنين وحقوقهم.

إن وحدة العراق لا تعني إنكار خصوصية مناطقه، كما أن الاعتراف بالخصوصية القومية لا يعني تقسيم العراق؛ بل إن الدولة الاتحادية الناجحة هي التي تستطيع الجمع بين وحدة السيادة واحترام التنوع وضمان الحقوق.

سادساً: التلكؤ في تنفيذ المادة 140… مسؤولية دستورية لا يجوز ترحيلها إلى الأجيال المقبلة

إن مرور سنوات طويلة على الموعد المحدد لتنفيذ المادة 140 يفرض على السلطات الاتحادية والمؤسسات المعنية مسؤولية سياسية ودستورية وأخلاقية لم يعد من الممكن تجاهلها.

فالدستور ليس وثيقة انتقائية يُحتج ببعض موادها عندما تتفق مع المصالح السياسية، وتُترك مواد أخرى معلقة عندما تتطلب قرارات صعبة أو تسويات عادلة. إنه منظومة قانونية متكاملة، والالتزام به واجب على جميع السلطات، كلٌّ في حدود اختصاصاته.

وتنص المادة 13 من الدستور على أن الدستور هو القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافة، دون استثناء. كما تقرر المادة 94 أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار تعثر تنفيذ المادة 140 يستدعي مراجعة جدية لأسباب التعطيل، وتحديد المسؤوليات المؤسسية، ووضع آليات عملية لمعالجة العقبات، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين بغداد وأربيل.

ولا يعني ذلك افتراض أن جميع أسباب التعثر تقع على جهة واحدة، أو أن كل خلاف يتعلق بالمناطق المتنازع عليها يمكن حله بقرار إداري سريع؛ فهناك ملفات فنية وقانونية وسكانية وإدارية تحتاج إلى معالجة دقيقة. لكن وجود هذه التعقيدات لا يلغي أصل الالتزام الدستوري، بل يجعل التخطيط لتنفيذه أكثر ضرورة.

والمطلوب اليوم يتلخص في خطوات عملية واضحة:

1. تشخيص أسباب التعطيل: إعلان موقف رسمي واضح بشأن المراحل التي أُنجزت، والمراحل التي لم تُستكمل، والعقبات القانونية والإدارية والسياسية التي تحول دون التنفيذ.
2. تحديد المسؤوليات: بيان واجبات المؤسسات الاتحادية والجهات ذات العلاقة، وتجنب ترك الملف معلقاً بين اللجان والوزارات والتفاهمات السياسية.
3. وضع جدول زمني معلن: اعتماد خطة عمل واقعية بمواعيد محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآلية دورية للإعلان عن التقدم المحرز.
4. ضمان حقوق السكان: حماية حقوق جميع المواطنين في المناطق المعنية، ومعالجة الملفات العقارية والإدارية وفق القانون، ومنع أي إجراء قسري أو تمييزي.
5. تعزيز الرقابة والمساءلة: تمكين المؤسسات الدستورية والرقابية من متابعة تنفيذ الالتزامات ضمن اختصاصاتها، وإتاحة المعلومات اللازمة للرأي العام.
6. إبعاد الملف عن المساومات الانتخابية: عدم استخدام المادة 140 ورقة ضغط في تشكيل الحكومات أو التفاوض على المناصب والموازنات والامتيازات.

إن هذه الخطوات لا تمثل انحيازاً سياسياً إلى طرف ضد آخر، بل هي الحد الأدنى المطلوب لاستعادة الثقة بالدولة الدستورية، وإثبات أن النصوص التي أقرها العراقيون ليست مجرد عبارات مكتوبة، وإنما التزامات قابلة للتنفيذ والمساءلة.

سابعاً: الاتحاد الاختياري والمشاركة العادلة… هل تحققت رؤية عام 2004؟

كان شعار الملتقى الثقافي الكوردي–العربي عام 2004 «اتحاد اختياري ومشاركة عادلة»، وهو شعار يلخص فلسفة سياسية مهمة، تقوم على أن الدولة الاتحادية لا تستمد قوتها من فرض إرادة مركزية على جميع مكوناتها، بل من احترام الدستور، وتوزيع الصلاحيات، وتحقيق العدالة، وبناء الثقة المتبادلة.

وبعد إقرار الدستور العراقي لعام 2005، أصبح النظام الاتحادي إطاراً دستورياً لتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، وحددت المواد الدستورية الاختصاصات والصلاحيات والحقوق ذات الصلة.

غير أن نجاح الفيدرالية لا يُقاس بمجرد وجودها في النصوص، بل بمدى تطبيقها في الواقع، واحترام صلاحيات المؤسسات، والالتزام بالتوزيع الدستوري للاختصاصات، ومعالجة الخلافات عبر الحوار والقانون.

فحين تتعثر الملفات الدستورية، أو تتكرر الأزمات بشأن الموازنة والرواتب والنفط والصلاحيات الإدارية، أو تبقى المناطق المتنازع عليها بلا حل نهائي، فإن المشكلة لا تكون في مفهوم الاتحاد بحد ذاته، وإنما في ضعف آليات تنفيذه، وغياب الثقة، وتغليب المصالح السياسية الآنية على مقتضيات الدولة.

إن المشاركة العادلة تعني أن يشعر المواطن الكوردي والعربي والتركماني والمسيحي وسائر المواطنين بأن الدولة تمثلهم جميعاً، وأن حقوقهم لا تتوقف على قوة أحزابهم أو نفوذ قياداتهم، بل تستند إلى الدستور والقانون.

كما أن الفيدرالية لا تعني غياب الدولة أو انتقاص سيادتها، بل تعني توزيع الصلاحيات دستورياً، بحيث تمارس كل سلطة اختصاصاتها من دون تجاوز أو إقصاء، وتكون المؤسسات قادرة على حل الخلافات بالطرق القانونية.

ومن هنا، فإن الرؤية التي طرحها البارزاني في أربيل تستحق أن تُقرأ اليوم باعتبارها دعوة إلى إصلاح العلاقة بين مؤسسات الدولة، وترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية، والابتعاد عن سياسات الإلغاء والتهميش.

ثامناً: البعد السياسي والأخلاقي في خطاب البارزاني

لم يقتصر خطاب السيد مسعود البارزاني على المطالب الدستورية والقومية، بل تضمن رسائل سياسية وأخلاقية تتعلق بطبيعة الصراع، وموقف الشعب الكوردي من العنف والإرهاب، وأهمية التعايش بين مكونات المجتمع العراقي.

وقد أكد أن الصراع الذي خاضته الحركة الكوردية لم يكن موجهاً ضد الشعب العربي، وإنما ضد سياسات الأنظمة التي أنكرت الحقوق واستخدمت القوة لمعالجة المطالب السياسية.

وتكمن أهمية هذا الموقف في رفض تحويل النزاعات السياسية إلى خصومة بين الشعوب، وفي التمييز بين المسؤولية السياسية للأنظمة وبين العلاقات التاريخية والاجتماعية التي تجمع المواطنين.

كما أكد الخطاب أن الإرهاب يمثل خطراً على العراقيين جميعاً، وأن مواجهته تتطلب التعاون بين العرب والكورد والتركمان والمسيحيين وسائر المكونات، بعيداً عن التمييز القومي أو الديني.

وهذه الرسالة ما زالت ضرورية في المرحلة الراهنة؛ لأن العراق، مهما تعددت مشكلاته، لا يستطيع بناء مستقبل مستقر إذا تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات اجتماعية، أو إذا استُخدمت الهويات القومية لإضعاف الثقة بين المواطنين.

إن التعايش ليس مجرد تعبير عاطفي، بل مسؤولية مؤسساتية تبدأ بتطبيق القانون، وتكافؤ الفرص، وحماية الحقوق، وتنتهي ببناء ثقافة سياسية تؤمن بأن الاختلاف لا يبرر الإقصاء، وأن المطالبة بالحقوق لا تعني العداء للآخر.

تاسعاً: ما الذي ينبغي أن تفعله بغداد وأربيل اليوم؟

إن استحضار خطاب عام 2004 لا يكتمل بمجرد الإشادة بمضمونه، بل ينبغي أن يتحول إلى دعوة عملية لمراجعة مسار العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، وتحديد الملفات التي تحتاج إلى حلول عاجلة ومستدامة.

وفي مقدمة هذه الملفات تأتي المادة 140، إلى جانب القضايا المالية والنفطية والإدارية، وضمان الحقوق الدستورية، وتطوير التعاون الأمني والخدمي، وتعزيز الثقة بين المؤسسات.

وتتحمل الحكومة الاتحادية مسؤولية الالتزام بالدستور، والعمل على تنفيذ أحكامه ضمن اختصاصاتها، كما تتحمل حكومة إقليم كوردستان مسؤولية التعاون المؤسسي وتقديم المقترحات العملية والمعلومات اللازمة لمعالجة الملفات المشتركة، كلٌّ في حدود صلاحياته الدستورية والقانونية.

أما مجلس النواب، فعليه ممارسة دوره التشريعي والرقابي في متابعة الالتزامات الدستورية، فيما تضطلع الجهات القضائية المختصة بدورها في تفسير النصوص والفصل في النزاعات المعروضة عليها، وفق أحكام الدستور والقانون.

ويجب أن تقوم أي تسوية على أسس واضحة، في مقدمتها احترام الدستور، وعدم فرض الأمر الواقع بالقوة، وحماية حقوق المواطنين، والابتعاد عن التهديد والتصعيد، وضمان الشفافية في إدارة الملفات المتنازع عليها.

كما ينبغي إشراك ممثلي المجتمعات المحلية في الحوار المتعلق بمستقبل مناطقهم، لأن المواطن الذي عاش آثار الصراعات والتهجير والتغيرات الإدارية ليس مجرد رقم في سجلات الدولة، بل صاحب حقوق ينبغي احترامها وصونها.

إن بغداد وأربيل أمام فرصة لإثبات أن الخلافات المعقدة يمكن أن تُحل ضمن الدولة الاتحادية، وأن الشراكة ليست اتفاقاً مؤقتاً بين أحزاب، وإنما التزام دستوري تجاه ملايين المواطنين.

عاشراً: من الذاكرة السياسية إلى استحقاق المستقبل

بعد أكثر من عشرين عاماً على ملتقى أربيل، يكتسب خطاب السيد مسعود البارزاني أهمية إضافية، لأنه يعيد طرح الأسئلة التي لم تجد إجابات نهائية حتى اليوم: كيف نبني دولة ديمقراطية تحترم تنوعها؟ وكيف نضمن ألا تتكرر أخطاء الماضي؟ وكيف ننتقل من الاعتراف بالحقوق إلى تنفيذها؟ وكيف نجعل الدستور مرجعاً للجميع، لا ساحة للصراع والتأويل الانتقائي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب إرادة سياسية جادة، ومؤسسات فاعلة، وقضاءً مستقلاً، ورقابة دستورية، وثقافة وطنية تؤمن بأن حقوق المواطنين ليست منحة من السلطة، وإنما التزام تفرضه المواطنة والدستور والقانون.

أما المادة 140، فإن استمرار تأجيلها لا يمكن أن يكون حلاً دائماً، كما أن التعقيدات المرتبطة بها لا تبرر تجاهلها. فالمطلوب هو استكمال المسار الدستوري بصورة قانونية وسلمية، ومعالجة آثاره بما يضمن الحقوق ويصون السلم الأهلي.

إن العراق الذي ننشده ليس عراق الغلبة والإقصاء، ولا عراق المكونات المتنازعة، بل عراق الشراكة والعدالة، الذي يحترم خصوصيات شعبه، ويضمن المساواة بين مواطنيه، ويجعل من الدستور أساساً للعلاقة بين السلطات والمجتمعات.

وإذا كان خطاب أربيل عام 2004 قد دعا إلى اتحاد اختياري ومشاركة عادلة، فإن مسؤولية القيادات السياسية اليوم هي ترجمة هذه المبادئ إلى واقع ملموس، يبدأ بتنفيذ الالتزامات الدستورية، ولا ينتهي إلا ببناء دولة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصانة ومستقبلهم مضمون في إطار العراق الاتحادي.

الخاتمة: الدستور ليس وعداً مؤجلاً

إن قراءة خطاب السيد مسعود البارزاني في ملتقى أربيل الثقافي الكوردي–العربي تكشف أن جوهر القضية لم يكن يوماً مجرد خلاف على حدود إدارية أو صلاحيات سياسية، بل كان ولا يزال متعلقاً بطبيعة الدولة العراقية، ومدى قدرتها على استيعاب التنوع وتحقيق العدالة واحترام الحقوق.

لقد أثبت التاريخ أن تجاهل القضية الكوردية لم يحقق الاستقرار، وأن اللجوء إلى القوة لم يصنع وحدة راسخة، وأن الاتفاقات التي لا تحميها المؤسسات الديمقراطية والإرادة السياسية تبقى عرضة للانهيار. كما أثبتت التجربة الدستورية أن النصوص، مهما بلغت أهميتها، تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها العملية عندما تتأخر السلطات في تنفيذها.

ومن هنا، فإن استمرار تعثر تنفيذ المادة 140 يمثل اختباراً جدياً لمصداقية الالتزام بالدستور، ويستدعي تحركاً مؤسساتياً واضحاً يعيد هذا الاستحقاق إلى مساره القانوني، بعيداً عن المساومات والمزايدات والتأجيل المفتوح.

إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتغنى بالدستور، بقدر ما يحتاج إلى مسؤولين يلتزمون به، ولا يحتاج إلى شعارات عن الشراكة، بقدر ما يحتاج إلى ممارسة عادلة لها.

وسيظل السلام والاستقرار مرهونين بقدرة العراقيين على تحويل الاختلاف إلى تفاهم، والتنوع إلى قوة، والدستور من وثيقة مكتوبة إلى عقد وطني نافذ يحمي حقوق الجميع.

فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، والشراكة لا تُبنى بالتهميش، والعدالة لا تتحقق بالتأجيل.

الدستور للجميع، والحقوق للجميع، والعراق وطن لجميع أبنائه.

قد يعجبك ايضا
∧