نحن دولة النفط… ونعاني من الذهب الأسود!

شيركو حبيب

كيف يمكن لدولة تمتلك كل هذه الثروات النفطية أن تعاني من نقص المشتقات النفطية، وتضطر إلى استيراد البنزين، فيما تستورد الخضروات واللحوم والبيض؟ وأي مفارقة أكبر من أن يكون العراق بلد النفط، ثم يجد المواطن نفسه أمام أزمات الوقود وارتفاع الأسعار، وكأن هذه الثروة ليست ملكًا له؟
العراق ليس بلدًا عاديًا في حسابات التاريخ والجغرافيا والاقتصاد. إنه بلد الرافدين، ومهد الحضارات، وأرض الزراعة والمياه والثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط الذي يشكّل العمود الفقري لاقتصاده ومصدرًا رئيسيًا لإيرادات الدولة. ومع ذلك، لا يزال المواطن يتساءل: أين تذهب هذه الخيرات؟ ولماذا لا تنعكس ثروة البلاد على حياته اليومية ومستوى معيشته؟
المشكلة ليست في وجود النفط، بل في كيفية إدارته واستثمار عائداته.
نبيع النفط الخام، ثم نستورد بعض مشتقاته بأسعار أعلى، وندفع أموالًا كان من الممكن أن تبقى داخل الاقتصاد العراقي لو امتلكنا طاقة تكريرية كافية وإدارة أكثر كفاءة. ونمتلك أراضي زراعية واسعة وإمكانات مائية وبشرية، لكننا نستورد منتجات أساسية تصل إلى موائد العراقيين، من الطماطم والبصل إلى اللحوم والبيض. وهكذا يتحول بلد الثروات إلى سوق يعتمد على الخارج في تلبية جانب من احتياجاته اليومية.
لا يعني ذلك أن استيراد المنتجات أو المشتقات النفطية أمر خاطئ في حد ذاته، فالدول تتبادل السلع وفق مصالحها الاقتصادية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستيراد بديلًا عن الإنتاج، وعندما تستمر الاختلالات رغم امتلاك البلاد الموارد والإمكانات اللازمة لمعالجتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم يتمكن العراق، بعد عقود من إنتاج النفط وتصديره، من بناء منظومة متكاملة تحقق الاكتفاء المعقول من المشتقات النفطية، وتدعم الزراعة والصناعة، وتوفر فرص العمل، وتخفف اعتماد المواطن على الأسواق الخارجية؟
النفط وعجز الموازنة… أين تذهب الإيرادات؟
لا تتوقف المشكلة عند نقص المشتقات النفطية أو استيراد المواد الغذائية، بل تمتد إلى جوهر إدارة الاقتصاد العراقي، حيث يظل النفط المصدر الأساسي للإيرادات العامة، فيما تتزايد النفقات الحكومية والالتزامات المالية. وهنا تظهر المفارقة الأكبر: كيف تعاني دولة غنية بالنفط من عجز في الموازنة، وتواجه صعوبات في تمويل احتياجاتها، رغم أن ثروتها الطبيعية يفترض أن تكون ركيزة للاستقرار الاقتصادي؟
إن عجز الموازنة ليس مجرد رقم يظهر في الجداول المالية، بل هو انعكاس لاختلالات في بنية الاقتصاد، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، وضعف الإيرادات غير النفطية، وارتفاع النفقات الجارية، فضلًا عن محدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية في تمويل الدولة.
فعندما ترتفع أسعار النفط أو تزداد الصادرات، قد تتحسن الإيرادات الحكومية، لكن هذا التحسن لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر قوة أو أن الدولة باتت قادرة على مواجهة الأزمات. أما عندما تنخفض الأسعار أو تتراجع الصادرات، فتظهر الضغوط المالية سريعًا، وتصبح الموازنة أكثر عرضة للعجز، وتتعقد قدرة الحكومة على تمويل المشروعات والخدمات والالتزامات العامة.
المشكلة أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق الحكومي يرتبط بالتزامات مستمرة، مثل الرواتب والتقاعد والدعم والنفقات التشغيلية، وهي التزامات لا يمكن التعامل معها بسهولة عند تراجع الإيرادات. وفي المقابل، لا تزال القطاعات الزراعية والصناعية والإنتاجية عاجزة عن توفير بدائل كافية للدخل النفطي.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال بوضوح: هل يُعقل أن يبقى اقتصاد بحجم الاقتصاد العراقي رهينة لتقلبات أسعار سلعة واحدة، وأن تتأثر قدرته على الإنفاق كلما واجه سوق النفط اضطرابًا؟
إن الدولة التي تعتمد على النفط في تمويل موازنتها، ثم تنفق الجزء الأكبر من مواردها على الالتزامات الجارية، من دون بناء قاعدة إنتاجية متنوعة، تجد نفسها أمام حلقة متكررة: إيرادات نفطية، وإنفاق متزايد، وعجز مالي عند تراجع الموارد، ثم البحث عن حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.
ولا يعني ذلك أن الإنفاق على الرواتب أو الخدمات خطأ، فالمواطنون يستحقون رواتبهم وخدماتهم، لكن الإدارة المالية الناجحة لا تكتفي بتغطية النفقات الحالية، بل تعمل على خلق موارد مستدامة، وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج، ومنع الهدر والفساد، ومراجعة الأولويات وفق حاجة البلاد.
كما أن الاقتراض، إن أصبح ضرورة، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن الإصلاح. فالدين قد يساعد الدولة على تجاوز ظرف مالي صعب، لكنه يتحول إلى عبء إذا استُخدم لتغطية اختلالات متكررة من دون زيادة الإيرادات الإنتاجية أو تحسين كفاءة الإنفاق.
ومن هنا، فإن معالجة عجز الموازنة لا تكون برفع الأسعار على المواطنين أو تحميل أصحاب الدخول المحدودة أعباء إضافية، بل بإصلاح الإدارة المالية، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وضبط النفقات غير الضرورية، وتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.
من الثروة الطبيعية إلى القوة الاقتصادية
إن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية. فالقوة الحقيقية تبدأ من تحويل الموارد الطبيعية إلى مصانع تعمل، ومصافٍ تنتج، وحقول تُزرع، ومشروعات توفر فرص العمل، واقتصاد لا تتوقف حياته عند تقلبات أسعار النفط أو تأخر الصادرات.
لقد كان العراق، عبر مراحل من تاريخه، مقصدًا لطلاب العلم والمعرفة، وارتبط اسمه بالحضارة والازدهار ومراكز العلم، وفي مقدمتها المدرسة المستنصرية في بغداد. وليس المقصود أن الماضي كان خاليًا من المشكلات، بل إن السؤال هو: كيف استطاع بلد بهذا التاريخ والإرث الحضاري أن يظل عاجزًا عن استثمار إمكاناته الاقتصادية بما يتناسب مع مكانته وثرواته؟
إن المقارنة بين الأمس واليوم لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين إلى الماضي، بل يجب أن تكون دافعًا لمراجعة الحاضر. فالعراق الذي نعتز بتاريخه يستحق دولة تحسن إدارة مواردها، وتحاسب المقصرين، وتضع مصالح المواطنين فوق المصالح الحزبية والشخصية.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما ننظر إلى إقليم كوردستان، حيث ترتبط ملفات النفط والغاز والموازنة والرواتب بعلاقات معقدة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. فإذا كان العراق كله يعاني من مشكلات في إدارة الطاقة وتوفير المشتقات النفطية، فإن الخلافات السياسية والدستورية بين بغداد وأربيل تضيف أعباء أخرى، وتنعكس على الاقتصاد والاستثمار وحياة المواطنين.
إن استمرار الخلافات بشأن الإيرادات النفطية والموازنة والرواتب لا يضر طرفًا سياسيًا وحده، بل ينعكس على حياة المواطنين وعلى الثقة بين المؤسسات. ولذلك، فإن معالجة هذه الملفات لا تكون بتبادل الاتهامات، ولا باستخدام قوت المواطنين ورقةً في الصراع السياسي، بل بالالتزام بالدستور، وتنفيذ الاتفاقات، والتوصل إلى حلول واضحة وعادلة تضمن حقوق جميع العراقيين، وتضع الثروات الوطنية في خدمة التنمية والاستقرار.
لا يمكن بناء دولة قوية باقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على تصدير النفط الخام، ولا يمكن تحقيق الاستقرار إذا بقيت الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي في مراتب متأخرة. كما لا يجوز أن تتحول الثروة النفطية إلى أرقام في الموازنات، بينما يبحث المواطن عن الوقود بأسعار مناسبة، ويشتري احتياجاته الأساسية من منتجات مستوردة كان بالإمكان إنتاج جزء كبير منها محليًا.
إن العراق لا يحتاج إلى اكتشاف النفط من جديد، بل يحتاج إلى اكتشاف قيمة ما يمتلكه، وإلى إدارة قادرة على تحويل الثروة إلى تنمية، والإيرادات إلى خدمات، والإمكانات إلى إنتاج. كما يحتاج إلى موازنة تعكس أولويات التنمية، لا أن تظل مجرد حسابات لتوزيع الإيرادات وتغطية النفقات.
إن الذهب الأسود ليس نقمة في ذاته، لكن سوء إدارته قد يحوّل نعمة الثروة إلى عبء على الدولة والمجتمع.
فإلى متى يبقى العراق بلد النفط الذي يعاني من أزمات النفط؟ وإلى متى تظل ثرواته أكبر من قدرته على استثمارها، فيما تتكرر أزمات الموازنة وتتسع الفجوة بين الإيرادات والإمكانات المتاحة؟
تلك هي القضية التي تستحق أن تكون في صدارة النقاش الوطني: ليس كم برميلًا ننتج ونبيع فحسب، بل ماذا نحقق من وراء هذه الثروة، وكيف نجعل المواطن شريكًا حقيقيًا في عائداتها، لا مجرد متفرج على أرقامها.
أم صكار… حين نهرب من مشكلة لنقع في ما هو أسوأ!
تحضرني هنا حكاية شعبية عراقية، ربما يجد القارئ في مغزاها ما ينطبق على واقعنا اليوم.
يُحكى أن امرأة تُدعى «أم صكار» كانت تخاف الموت، فطلبت من ابنها صكار أن يبحث لها عن بلدة لا يوجد فيها موت ولا مقابر. انطلق صكار يبحث من قرية إلى أخرى، ومن بلدة إلى أخرى، حتى وصل إلى مكان لم يرَ فيه مقبرة، فاستغرب الأمر وسأل بعض أهله: ألا توجد لديكم مقابر أو أموات؟
تعجب أهل البلدة من سؤاله، وأخبروه أنهم لا يعرفون الموت ولا المقابر! فرح صكار بما سمع، وعاد مسرعًا إلى أمه، وأخبرها بما اكتشفه. فقررا الانتقال إلى تلك البلدة والعيش فيها.
استقر الاثنان هناك، وتزوج صكار وبدأ يعمل. وفي أحد الأيام، عاد من عمله ونادى أمه، لكنها لم تجبه. سأل زوجته عنها، فقالت له إنها نسيت أن تخبره بأن أمه كانت مريضة في الصباح، وإن أهل البلدة لديهم عادة غريبة، فكل من يمرض يذبحونه ويطبخونه ويوزعونه على الناس!
عندها قال صكار عبارته التي تختصر الحكاية: «أمي، ما رضيتي بموت القبور، رضيتي بطبخ الجدور».
والحليم بالإشارة يفهم.
فهل ننتظر حتى تتفاقم أزمات العراق، ونجد أنفسنا أمام مشكلات أشد قسوة مما نحاول الهروب منه؟ وهل يعقل أن يبقى بلد يمتلك كل هذه الثروات عاجزًا عن توفير احتياجات مواطنيه، فيما تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية، ويتسع عجز الموازنة، وتظل الحلول الحقيقية مؤجلة؟
إن المشكلة ليست في أن تواجه الدولة أزمة، فكل الدول تواجه الأزمات، وإنما في أن تستمر المشكلة سنوات من دون معالجة جادة، وأن تتوافر الموارد والإمكانات، بينما يدفع المواطن ثمن سوء الإدارة وتعثر القرارات.
ولا يمكن معالجة أزمة الاقتصاد العراقي بالاكتفاء بزيادة الإيرادات النفطية أو اللجوء إلى الاقتراض كلما ضاقت الخيارات. المطلوب تغيير في طريقة إدارة الاقتصاد، وبناء قطاعات إنتاجية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل، إلى جانب إدارة مالية تحمي المال العام وتمنع الهدر وتضع احتياجات المواطنين في مقدمة الأولويات.
العراق لا تنقصه الثروات، بل يحتاج إلى إدارة تحسن استثمارها، وإرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق الخلافات والمصالح الضيقة.
فهل نراجع أخطاءنا ونعالج مشكلاتنا قبل فوات الأوان، أم ننتظر حتى نجد أنفسنا أمام واقع أسوأ مما نحن فيه؟
والحليم بالإشارة يفهم.

قد يعجبك ايضا
∧