د. حمدي سنجاري
لا تكمن أخطر الأزمات التي تواجه الدول في حجم جيوشها أو اتساع ترساناتها العسكرية أو مساحة الأراضي التي تتنافس على السيطرة عليها، بل في اللحظة التي تفقد فيها الدولة بوصلتها الأخلاقية، وتنسى الغاية من وجودها، وتتعامل مع الإنسان باعتباره وسيلة لتحقيق مصالحها، لا أساساً لشرعيتها وغايةً لسياساتها.
قد تتمكن قوة سياسية أو عسكرية من فرض سيطرتها على مدينة أو منطقة متنازع عليها، وقد تحقق مكاسب استراتيجية توسّع نفوذها، لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أنها حققت الاستقرار أو كسبت ثقة السكان. فالقوة تستطيع فرض الأمر الواقع، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الانتماء أو بناء الثقة أو ضمان سلام مستدام. والدولة التي تقدّم النفوذ على العدالة، والحدود على كرامة الإنسان، والولاءات الضيقة على المصالح الوطنية المشتركة، إنما تؤسس لتناقضات قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى تهديد لاستقرارها نفسه.
من هنا يبرز سؤال جوهري، خصوصاً في الشرق الأوسط: لماذا تتحول المدن والأراضي ومواقع السلطة إلى أهداف تستحق، في حسابات بعض القوى، التضحية بحياة السكان وحقوقهم وروابطهم التاريخية والاجتماعية؟ وكيف يصبح الإنسان، الذي يفترض أن يكون محور السياسة، مجرد طرف يتحمل نتائج صراعات لا يملك قرار إشعالها أو إيقافها؟
في أصلها، ليست الأرض مجرد مساحة جغرافية تحددها الخرائط، بل هي موطن وذاكرة ومصدر للرزق، وترتبط بتاريخ السكان وثقافتهم وحقهم في العيش بأمان. غير أن هذه المعاني تتراجع عندما تتحول الأرض إلى أداة لإثبات القوة وفرض الإرادة، وعندما يصبح السؤال الأساسي هو من يسيطر على المدينة، لا كيف تُحمى حقوق أهلها، وعندها تتحول المدن إلى رموز للانتصار والهزيمة، ويُختزل سكانها في انتماءاتهم أو مواقفهم السياسية، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم أصحاب حقوق. وقد يصبح الاختلاف القومي أو الديني أو المذهبي سبباً للتمييز، فيما تتراجع المواطنة أمام حسابات الولاء والخصومة.
وتكمن خطورة هذا المسار في توظيف الهوية لتبرير الصراع. فالدين، الذي يمكن أن يشكل منظومة أخلاقية تحث على العدل وصيانة الكرامة، قد يُستخدم في بعض الظروف أداةً للتعبئة والإقصاء. والقومية، التي تمنح الشعوب شعوراً بالتضامن والارتباط بالتاريخ واللغة والثقافة، قد تتحول بدورها إلى مبرر لإنكار حقوق الآخرين إذا اقترنت بالتعصب. والمشكلة هنا ليست في تعدد الهويات، بل في تحويلها إلى معايير لتحديد من يستحق الحماية ومن يُعامل باعتباره خصماً أو غريباً.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يجد أبناء القومية الواحدة أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضاً نتيجة انقسامات مذهبية أو اصطفافات سياسية أو تدخلات خارجية، رغم ما يجمعهم من لغة وتاريخ وجغرافيا ومصالح مشتركة. ففي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التساؤل عما إذا كانت الانقسامات القائمة تعبّر عن المصالح الحقيقية للمجتمعات، أم أنها تخدم حسابات قوى تسعى إلى توسيع نفوذها من خلال إضعاف الروابط الجامعة.
لكن الخروج من هذه المعضلة لا يكون باستبدال التعصب المذهبي بتعصب قومي، ولا بالتقليل من أهمية الهوية الوطنية أو القومية. فحق الشعوب في الحفاظ على لغاتها وثقافاتها وذاكرتها والمطالبة بحقوقها السياسية المشروعة لا يتعارض مع احترام حقوق الشعوب الأخرى. إن الانتماء الذي يستمد قوته من إنكار الآخرين يتحول إلى مصدر للصراع، أما الانتماء القائم على الاعتزاز بالهوية واحترام التنوع فيمكن أن يكون ركيزة للاستقرار والتضامن.
ويقدم التاريخ شواهد عديدة على أن السيطرة العسكرية لا تكفي لبناء السلام. فقد شهدت أوروبا حرب الثلاثين عاماً بين عامي 1618 و1648، التي تداخلت فيها الاعتبارات الدينية مع المنافسة السياسية وصراع القوى، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية هائلة. وأسهمت التسويات التي اختُتمت بصلح وستفاليا عام 1648 في إعادة تنظيم العلاقات بين القوى الأوروبية، من دون أن يعني ذلك نهاية الحروب أو قيام نظام يعترف بحقوق الإنسان وفق المفاهيم المعاصرة.
والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة ليس أن التاريخ الأوروبي يقدم نموذجاً مثالياً، بل أن الصراعات التي تُخاض تحت شعارات كبرى قد تنتهي إلى مجتمعات منهكة، وأن إنهاء الحروب يحتاج إلى ترتيبات سياسية ومؤسسات قادرة على تنظيم الاختلاف، لا إلى انتصار عسكري فحسب.
وفي تسعينيات القرن الماضي، أظهرت حروب البلقان كيف يمكن للخطابات القومية والدينية، عندما تقترن بمشروعات سياسية إقصائية، أن تتحول إلى غطاء للتهجير والعنف والانتهاكات.
ولم يكن توقف القتال كافياً لمحو آثار تلك الحروب، إذ بقيت المجتمعات تواجه تحديات المصالحة وإعادة بناء الثقة ومعالجة قضايا الضحايا والمهجرين.
أما في الشرق الأوسط، فقد كشفت التطورات التي أعقبت عام 2003 في العراق، ثم الحرب السورية التي اندلعت عام 2011، عن تعقيدات العلاقة بين ضعف مؤسسات الدولة، وتنافس القوى المحلية والإقليمية، وتراكم المظالم، والتدخلات الخارجية، والصراع على السلطة والموارد. ولا يمكن اختزال هذه التجارب في عامل واحد أو تفسيرها بالدين والقومية وحدهما، لكن نتائجها الإنسانية أكدت أن انهيار المؤسسات وتسييس الهويات وتغليب المصالح المتنافسة قد يدفع المجتمعات إلى دوامات طويلة من العنف والنزوح وفقدان الاستقرار.
وخلف هذه الصراعات، لا تقف الأرقام وحدها، بل قصص ملايين البشر الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وشعورهم بالأمان. فالنازح الذي يُجبر على مغادرة مدينته لا يفقد سقفاً يؤويه فحسب، بل قد يفقد علاقاته الاجتماعية واستقراره الاقتصادي وإحساسه بالانتماء. وقد تستمر آثار النزوح سنوات طويلة بعد انتهاء العمليات العسكرية، بما يتركه من أعباء على التعليم والصحة والاقتصاد والعلاقات بين مكونات المجتمع.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي احتفال باستعادة السيطرة على مدينة هو: ماذا بقي من هذه المدينة بعد انتهاء المعركة؟ هل عاد سكانها إلى منازلهم؟ وهل استُعيدت الخدمات الأساسية، وعادت المدارس والمستشفيات والأسواق إلى العمل؟ وهل يستطيع الناس ممارسة حياتهم من دون خوف بسبب أسمائهم أو أديانهم أو انتماءاتهم؟
فالمدينة لا تُقاس بمن يحكمها وحده، بل بقدرة سكانها على العيش فيها بكرامة وأمان، وبمدى شعورهم بأنهم أصحاب حق فيها، لا أشخاص ينتظرون قراراً يسمح لهم بالبقاء أو العودة.
ولا يقتصر الاختبار الحقيقي للدول على طريقة إدارتها للحروب، بل يمتد إلى مدى التزامها بالمبادئ الإنسانية عندما تتعارض مع مصالحها السياسية والأمنية. فكثيراً ما تتحدث الحكومات عن السلام والتعايش وحقوق الإنسان، لكن المعيار الفعلي لصدق هذه الالتزامات يظهر عندما يكون الضحايا من جماعة تختلف معها الدولة، أو عندما تتطلب العدالة مساءلة حليف سياسي أو عسكري.
إن حقوق الإنسان لا يمكن أن تتغير تبعاً لهوية الضحية أو موقعها من موازين القوى. وعندما تُدان الانتهاكات في حالة، ثم تُبرر في حالة أخرى لأن مرتكبها حليف أو لأن ضحاياها ينتمون إلى جماعة غير مقبولة سياسياً، تتحول الإنسانية إلى خطاب انتقائي يفقد قيمته الأخلاقية.
ولا تتوقف نتائج هذه الانتقائية عند إضعاف صورة الدولة، بل تمتد إلى علاقة المواطنين بالقانون ومؤسسات الحكم. فعندما يرى الإنسان أن العدالة لا تتحقق إلا لمن يمتلك النفوذ، وأن حقوق الضحايا تخضع لحسابات سياسية، تتراجع ثقته بالمؤسسات، وقد يبدأ بالبحث عن الحماية خارج إطار الدولة، في جماعته أو سلاحه أو شبكة الولاءات التي يعتقد أنها قادرة على الدفاع عنه.
وهنا تبدأ دائرة خطرة: يولّد الظلم شعوراً بالمرارة، وقد تتحول المرارة إلى رغبة في الانتقام، ثم ينتج الانتقام مظالم جديدة تُستخدم لتبرير استمرار الصراع. ومع مرور الوقت، يصبح الماضي جزءاً من الحاضر السياسي، وتتحول الذاكرة من وسيلة لفهم ما حدث إلى أداة لإعادة إنتاج الخصومة.
ولا يعني ذلك أن المجتمعات محكومة بالكراهية أو أن الخلافات السياسية تقود حتماً إلى العنف. فحتى في البيئات التي عانت الحروب، توجد مبادرات للمصالحة، وعائلات تحافظ على علاقاتها رغم اختلاف الهويات، وأشخاص يسعون إلى إعادة بناء الثقة. غير أن هذه الجهود تحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية تحميها، لأن الدعوة إلى التسامح وحدها لا تكفي عندما تظل أسباب الظلم قائمة.
فالكراهية لا يصنعها السياسيون وحدهم؛ إذ تتداخل في تشكيلها عوامل تاريخية وثقافية واقتصادية وتجارب شخصية ومخاوف متبادلة. لكن السياسات العامة تستطيع تخفيف هذه العوامل أو تحويلها إلى أدوات للصراع. فعندما تُوزع الوظائف والموارد والخدمات على أساس الولاء بدلاً من الكفاءة والاستحقاق، وعندما يُعمم الاتهام على جماعات كاملة بسبب أفعال أفراد منها، وعندما يُحرم المتضررون من العدالة أو يُطلب منهم نسيان ماضيهم من دون الاعتراف بحقوقهم، تصبح الانقسامات أكثر عمقاً ويزداد احتمال انتقالها إلى الأجيال التالية.
لهذا، فإن معالجة الكراهية تبدأ بإصلاح السياسات التي تعيد إنتاج الظلم، لا بمطالبة الناس بتغيير مشاعرهم فحسب. فالمصالحة المستدامة تحتاج إلى الاعتراف بالحقيقة، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول العدالة إلى عقاب جماعي أو وسيلة للثأر من جماعة بأكملها؛ فالمسؤولية ينبغي أن تُحدد على أساس الأدلة والقانون، لا على أساس الهوية.
إن الدولة العادلة لا تطلب من الضحية التخلي عن ذاكرتها، ولا تسمح بأن تتحول الذاكرة إلى مبرر مفتوح للانتقام، بل تهيئ الظروف التي يستطيع فيها المجتمع مواجهة ماضيه بوضوح، وإنصاف المتضررين، وبناء مستقبل لا تتكرر فيه الانتهاكات.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في العراق، حيث يتداخل التنوع القومي والديني والمذهبي مع تحديات بناء الدولة وإدارة السلطة وتوزيع الموارد. فلا يمكن تحقيق استقرار وطني دائم إذا شعر أي مكون بأن هويته أو حقوقه الدستورية موضع إنكار، كما لا يمكن معالجة الخلافات بين بغداد وأربيل من خلال التصعيد وحده أو التعامل معها باعتبارها صراعاً صفرياً.
إن مستقبل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان يحتاج إلى احترام الدستور، وتنفيذ الاتفاقات، وتطوير آليات مؤسسية للحوار، ومعالجة الخلافات بعيداً عن الحسابات السياسية قصيرة الأمد. فاستقرار العراق لا يتحقق بإضعاف أحد مكوناته أو تهميش حقوقه، بل ببناء علاقة متوازنة تقوم على الحقوق والواجبات المشتركة، وتحفظ خصوصية كل مكون ضمن إطار الدولة.
وينطبق المبدأ نفسه على سنجار وغيرها من المناطق التي عانت العنف والنزوح والانتهاكات الجسيمة. فحماية السكان، وضمان العودة الآمنة للنازحين، وتسوية قضايا الملكية، وإعادة الإعمار وتوفير الخدمات، يجب أن تستند إلى الحقوق والقانون، ولا ينبغي أن تصبح هوية السكان أو انتماءاتهم سبباً لحرمانهم من حقوقهم أو فرض ترتيبات لا تلبي احتياجاتهم المشروعة.
إن الدولة التي تنصف المختلف معها تعزز شرعيتها، لأنها تثبت أن القانون حق للمواطن، وليس امتيازاً تمنحه السلطة لمن يؤيدها. أما الدولة التي تتعامل مع مواطنيها بوصفهم امتداداً لمواقفهم السياسية أو هوياتهم الفرعية، فإنها تضعف الرابطة الوطنية التي تحتاج إليها في أوقات الأزمات.
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى القومية والإنسانية باعتبارهما مشروعين متعارضين. فالقومية تمنح الشعوب شعوراً بالانتماء والذاكرة المشتركة، فيما تضع الإنسانية معياراً أخلاقياً لكيفية ممارسة هذا الانتماء واحترام حقوق الآخرين. وعندما تجتمعان في إطار من المواطنة وسيادة القانون، يصبح الدفاع عن الهوية متوافقاً مع احترام التنوع، وتتحول الدولة إلى مؤسسة تحمي الحقوق وتدير الاختلاف بدلاً من أن تكون طرفاً في تعميقه.
إن القوة الحقيقية للدول لا تظهر فقط في قدرتها على فرض السيطرة، بل في قدرتها على حماية الإنسان، وإدارة التنوع، وتحويل الاختلاف إلى مجال للتفاهم لا إلى ذريعة للصراع. فقد تُستعاد الأرض بعد الحرب، ويمكن إعادة بناء المدن، لكن استعادة الثقة بين الناس ومؤسساتهم تحتاج إلى عدالة حقيقية وإرادة سياسية ومؤسسات تحمي الجميع.
وحين تصبح السيطرة أهم من الإنسان، قد تنتصر الدولة في معركة، لكنها تخسر المعنى الذي يمنح انتصارها قيمته. أما الدولة التي تجعل كرامة الإنسان أساساً لسياساتها، فإنها لا تحمي مواطنيها فحسب، بل تحمي شرعيتها ومستقبلها أيضاً.