مسعود البارزاني ومستقبل العراق… رؤية سبقت زمنها

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

من ندوة عام 2004 إلى تحديات الحاضر: عراق واحد، وشراكة حقيقية، ومستقبل يصنعه أبناؤه

في السابع عشر من تشرين الأول عام 2004، وفي مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العراق الحديث، استضاف برنامج «بالعربي» على قناة العربية الفضائية الرئيس مسعود البارزاني، ليتحدث عن ماضي العراق وحاضره ومستقبله، وعن رؤيته للعلاقة بين مكوناته، ومستقبل النظام السياسي، والتحديات الأمنية، وضرورة بناء دولة تقوم على الشراكة والتفاهم واحترام حقوق الجميع.

وبعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً على تلك الندوة، تعود كلمات البارزاني إلى الواجهة بوصفها وثيقة سياسية تستحق إعادة القراءة، لا لأنها تنتمي إلى مرحلة تاريخية مهمة فحسب، بل لأن القضايا التي تناولتها ما زالت حاضرة في المشهد العراقي، وإن اختلفت الظروف وتبدلت الوجوه والأسماء.

لقد حملت تلك الرؤية رسالة واضحة: العراق وطن لجميع أبنائه، ولا يمكن أن يستقر ويزدهر ما لم يشعر كل عراقي بأنه شريك كامل في الدولة، وأن حقوقه مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله مرتبط بمستقبل الوطن كله.

أولاً: كردستان جزء من العراق… والهوية الكردية لا تتعارض مع الانتماء الوطني

أكدت الندوة أن العلاقة العربية الكردية ليست علاقة طارئة فرضتها السياسة، بل علاقة تاريخية واجتماعية وإنسانية امتدت عبر أجيال طويلة، وتداخلت فيها المصالح والمصائر والتضحيات.

فالكرد مكون أصيل من مكونات العراق، كما أن العرب والتركمان والكلدان والآشوريين وسائر المكونات شركاء في تاريخ هذا البلد ومستقبله. ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات القومية واللغوية والثقافية إلى أسباب للخصومة، بل يجب أن تكون مصدر غنى وقوة للدولة والمجتمع.

إن اعتزاز الكرد بهويتهم القومية وثقافتهم ولغتهم لا يتناقض مع انتمائهم إلى العراق، مثلما أن اعتزاز العربي بهويته لا ينتقص من حقوق بقية العراقيين. فالدولة الوطنية الحقيقية لا تطلب من مواطنيها التخلي عن هوياتهم، وإنما تجمعهم تحت مظلة المواطنة المتساوية والدستور والقانون.

ومن هنا، فإن الرسالة التي تستحق أن تتجدد اليوم هي أن الأخوة العربية الكردية ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، بل مسؤولية تاريخية تتطلب خطاباً مسؤولاً، وعدالة في التعامل، وابتعاداً عن التحريض والتشكيك، وحماية المصالح المشتركة للشعبين.

ثانياً: الفيدرالية ليست انقساماً… بل شراكة دستورية

كان موضوع الفيدرالية من أبرز المحاور التي شغلت النقاش السياسي العراقي بعد عام 2003. وقد دافع البارزاني عن عراق اتحادي موحد، يقوم على الاعتراف بالتنوع القومي والسياسي، ويمنح الأقاليم صلاحياتها الدستورية ضمن دولة واحدة.

واليوم، تبرز أهمية هذا الطرح في ضوء الخلافات المتكررة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن الموازنة والإيرادات النفطية والمستحقات المالية والصلاحيات الدستورية.

وفي تشرين الأول 2026، استمرت المباحثات بين أربيل وبغداد بشأن إعداد الموازنة الاتحادية لعام 2027، بما في ذلك الالتزامات النفطية والاستحقاقات المالية وحقوق موظفي الإقليم. وهذا يؤكد أن تنظيم العلاقة بين الطرفين لا يزال من الملفات الأساسية التي تحتاج إلى حلول مؤسسية مستدامة.

إن معالجة هذه الملفات لا تكون بتبادل الاتهامات أو استخدام الرواتب والحقوق المالية أوراقاً للضغط السياسي، بل بالاحتكام إلى الدستور والقوانين، وتوفير البيانات الدقيقة، والاتفاق على آليات واضحة للتنفيذ والمحاسبة. فحقوق المواطنين لا ينبغي أن تتحول إلى رهائن للخلافات بين القوى السياسية.

إن الفيدرالية الناجحة لا تعني دولة داخل دولة، ولا تعني إضعاف الحكومة الاتحادية، وإنما تعني توزيعاً دستورياً للصلاحيات والمسؤوليات، يضمن وحدة البلاد ويحفظ خصوصية الأقاليم ويمنع احتكار السلطة.

فالعراق الواحد لا يُبنى بإلغاء التنوع، وإنما بإدارته بعدالة، ولا تُصان وحدته بفرض الإرادة، وإنما بالشراكة والالتزام بالدستور.

ثالثاً: كركوك… امتحان التعايش والعدالة

توقفت ندوة عام 2004 عند مدينة كركوك، بما تمثله من أهمية تاريخية وقومية ووطنية، وبما تضمه من مكونات متعددة لها جذور وحقوق ومصالح ينبغي احترامها.

إن كركوك ليست مجرد ملف إداري أو خلاف سياسي، بل مدينة تتجسد فيها مسؤولية الدولة العراقية عن حماية التنوع، وصيانة الحقوق، ومنع التغيير الديمغرافي غير المشروع، ومعالجة المظالم وفق القانون والوسائل السلمية.

ولا يمكن الوصول إلى حل مستدام في كركوك من خلال فرض الأمر الواقع أو إقصاء أي مكون، كما لا يمكن حل مشكلاتها عبر تدخلات خارجية تزيد الخلافات تعقيداً. المطلوب هو حوار جاد، وضمان الحقوق الدستورية، ومعالجة الملفات العالقة بمسؤولية وطنية، بعيداً عن التحريض القومي والمزايدات السياسية.
لقد حملت رؤية البارزاني، كما وردت في الندوة، فكرة تحويل كركوك إلى نموذج للتآخي بين الكرد والعرب والتركمان والكلدان والآشوريين وسائر سكانها.

وهذه الفكرة تظل هدفاً وطنياً يستحق العمل من أجله؛ فنجاح كركوك في التعايش العادل يمكن أن يقدم للعراق كله نموذجاً في كيفية تحويل التنوع من مصدر خلاف إلى أساس للاستقرار.

رابعاً: الأمن وسيادة الدولة… لا استقرار من دون قانون

في عام 2004، كان العراق يواجه اضطرابات أمنية وهجمات إرهابية استهدفت المدنيين والمؤسسات الدينية والأجهزة الأمنية. وقد شدد البارزاني في الندوة على إدانة استهداف الأبرياء، وعلى ضرورة حماية المدن من الجماعات المسلحة التي تفرض إرادتها على السكان خارج سلطة القانون.

إن استحضار ذلك الموقف اليوم لا يعني مساواة الظروف الأمنية في المرحلتين، بل يعني التأكيد على مبدأ لا يتغير: لا يمكن بناء دولة مستقرة ما لم تكن حماية المواطنين مسؤولية مؤسسات الدولة، وما لم يخضع استخدام القوة للقانون.

ويواجه العراق تحديات تتعلق بترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية، وحصر السلاح بيد الدولة، وحماية السيادة الوطنية من التدخلات الخارجية. وهذه قضايا لا تخص مكوناً دون آخر، بل تمس مستقبل العراقيين جميعاً.

كما أن احترام سيادة العراق لا يعني قطع علاقاته مع دول العالم أو جواره الإقليمي، وإنما إقامة علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، ورفض تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن الدولة القوية ليست الدولة التي تكثر فيها مظاهر القوة المسلحة، بل الدولة التي يشعر فيها المواطن بالأمان، ويثق بقضائها ومؤسساتها، ويعرف أن القانون يحميه مهما كان انتماؤه القومي أو الديني أو السياسي.

خامساً: المواطنة أولاً… لا للطائفية ولا لاحتكار الدولة

من النقاط المهمة التي تناولتها الندوة رفض تحويل الطائفية إلى أساس دائم لإدارة الدولة، والتأكيد على أن حقوق المواطنة يجب أن تكون مكفولة لجميع العراقيين.

لقد كشفت التجربة العراقية أن تقاسم السلطة بين المكونات قد يكون وسيلة للتفاهم في مرحلة انتقالية، لكنه يفقد غايته عندما يتحول إلى محاصصة حزبية مغلقة، تتقدم فيها الولاءات السياسية على الكفاءة والنزاهة والمصلحة العامة.

إن العراقي لا ينبغي أن يحتاج إلى انتماء حزبي أو قومي أو طائفي حتى يحصل على وظيفة أو خدمة أو حق دستوري. فالمعيار الحقيقي في إدارة الدولة يجب أن يكون الكفاءة، والقدرة على الإنجاز، والنزاهة، واحترام القانون.

وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الأداء السياسي، وتعزيز استقلال المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وإتاحة الفرص أمام الشباب، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

إن الشراكة الوطنية لا تعني توزيع المناصب فحسب، بل تعني توزيع المسؤوليات أيضاً، وأن يخضع المسؤول للمساءلة، وأن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة لخدمته، لا أن يكون هو وسيلة لخدمة الأحزاب ومصالحها.

سادساً: الانتخابات والديمقراطية… صندوق الاقتراع ليس نهاية الطريق

في ندوة عام 2004، عبّر البارزاني عن دعمه لإجراء الانتخابات، وعن ثقته بقدرة الشعب العراقي على اختيار ممثليه، رغم الصعوبات التي كانت تحيط بالتجربة الديمقراطية آنذاك.

وبعد هذه السنوات، أصبح العراق يمتلك خبرة انتخابية وسياسية أوسع، لكن التحدي الحقيقي لم يعد محصوراً في إجراء الانتخابات، بل في تحويل نتائجها إلى مؤسسات فعالة وحكومات قادرة على تنفيذ برامجها والاستجابة لمطالب المواطنين.

فالانتخابات وسيلة لاختيار الممثلين ومحاسبتهم، وليست تفويضاً مفتوحاً لإهمال الناس أو تعطيل الإصلاح. والديمقراطية لا تكتمل بمجرد التصويت، وإنما تحتاج إلى قضاء مستقل، وإعلام حر ومسؤول، وشفافية في إدارة المال العام، ومجتمع مدني قادر على الرقابة، وتداول سلمي للسلطة.

إن المواطن العراقي يريد أن يرى أثراً ملموساً لصوته في حياته اليومية: كهرباء وخدمات وتعليماً وصحة وفرص عمل، فضلاً عن الأمن والعدالة والكرامة.

ومن دون ذلك، تبقى الفجوة قائمة بين الوعود السياسية وتطلعات المجتمع.

سابعاً: العلاقات مع دول الجوار والعالم… مصالح متبادلة وسيادة محفوظة

تطرقت الندوة إلى العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الجوار، وإلى ضرورة بناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وهذا المبدأ يكتسب أهمية مستمرة في العراق، بحكم موقعه الجغرافي ومصالحه الاقتصادية وتشابك علاقاته الإقليمية والدولية.

إن العراق بحاجة إلى علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون الاقتصادي والأمني، وحماية مصالح المواطنين.

ولا ينبغي أن يكون العراق تابعاً لمحور خارجي، كما لا ينبغي أن يدخل في عداء غير محسوب مع دولة يمكن إقامة علاقات طبيعية معها على أساس المصالح المشتركة.

إن القرار العراقي المستقل هو الذي يصدر عن مؤسسات الدولة ومصالح الشعب، لا عن ضغوط الخارج أو حسابات القوى المتنافسة على النفوذ.

وفي هذا السياق، فإن حماية سيادة العراق مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع القوى السياسية، بصرف النظر عن اختلافاتها، لأن خسارة السيادة لا تصيب حزباً أو مكوناً واحداً، بل تصيب الدولة والمجتمع بأكملهما.

ثامناً: ما الذي يحتاجه العراق اليوم؟

إن إعادة قراءة ندوة عام 2004 تقودنا إلى مجموعة من الاستحقاقات التي ينبغي أن تتقدم على الخلافات الحزبية والمصالح الضيقة:

1. احترام الدستور: تطبيق مواده على الجميع، ومعالجة الخلافات بين بغداد وأربيل عبر الحوار والمؤسسات القضائية والدستورية.
2. حماية الحقوق المالية والخدمية: ضمان وصول مستحقات المواطنين والموظفين والمتقاعدين وسائر الفئات المستحقة وفق القانون، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
3. تعزيز سلطة الدولة: حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وحماية المواطنين من أي قوة تتجاوز القانون.
4. مكافحة الفساد والمحاصصة: اعتماد الكفاءة والنزاهة معياراً في إدارة المؤسسات، وإخضاع المسؤولين للمحاسبة.
5. ترسيخ التعايش الوطني: رفض خطاب الكراهية والتحريض القومي والطائفي، واحترام الحقوق الثقافية والدينية والقومية لجميع المكونات.
6. تحقيق التنمية والخدمات: توجيه موارد العراق نحو تحسين حياة المواطنين، وتنويع الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية.
7. اعتماد الحوار بدلاً من التصعيد: معالجة الخلافات السياسية والإدارية والاقتصادية بالتفاوض الجاد، والاتفاقات الواضحة، والتنفيذ المتبادل للالتزامات.

هذه ليست مطالب تخص إقليم كردستان وحده، ولا الحكومة الاتحادية وحدها، بل هي استحقاقات وطنية تتصل بمستقبل العراق كله.

تاسعاً: رسالة البارزاني… من التفاؤل إلى المسؤولية

إن ما يلفت الانتباه في الندوة هو التأكيد على أن المحنة، مهما اشتدت، لا ينبغي أن تتحول إلى حكم نهائي على مستقبل العراق. فالشعب العراقي، بتنوعه وتاريخه وإمكاناته، قادر على تجاوز الأزمات متى توافرت الإرادة السياسية الصادقة، والمؤسسات الفاعلة، والثقة المتبادلة بين مكوناته.

غير أن التفاؤل وحده لا يكفي؛ إذ لا بد أن يتحول إلى برامج عملية وقرارات عادلة والتزامات قابلة للتنفيذ.

ومن هنا، فإن تقدير دور الرئيس مسعود البارزاني في الحوار الوطني ينبغي أن يرتبط بقراءة مواقفه ومبادراته في سياقها التاريخي والسياسي، وبمناقشة الأفكار التي طرحها حول الفيدرالية والشراكة والتعايش والسيادة، ومدى إمكان ترجمتها إلى حلول واقعية للتحديات الراهنة.

إن مكانة القادة في التاريخ لا تُقاس بالكلمات التي تُقال عنهم فقط، وإنما أيضاً بما يتركونه من أفكار قابلة للنقاش، ومبادئ تسهم في فتح أبواب التفاهم، وفرص تساعد الأجيال المقبلة على تجنب أخطاء الماضي.

والعراق اليوم بحاجة إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وإلى قيادات تدرك أن مسؤوليتها لا تقتصر على حماية جمهورها السياسي، بل تشمل حماية الدولة ومصالح جميع المواطنين.

الخاتمة: عراق واحد… لا غالب فيه ولا مغلوب

بعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً على ندوة السابع عشر من تشرين الأول 2004، لا تزال الرسالة الوطنية الأهم واضحة: لا مستقبل مستقراً للعراق من دون شراكة حقيقية، ولا وحدة مستدامة من دون عدالة، ولا ديمقراطية مكتملة من دون مؤسسات قوية ومواطنة متساوية.

إن العراق الذي نريده هو عراق يتسع للعرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين وسائر مكوناته، عراق يحترم خصوصية إقليم كردستان وحقوقه الدستورية، ويحفظ في الوقت نفسه وحدة الدولة وسيادتها، ويجعل القانون مرجعاً لحل الخلافات، لا ساحة لتصفية الحسابات.

إن الأخوة العربية الكردية ليست مجرد صفحة من الماضي، بل مسؤولية عن الحاضر وأمانة للمستقبل. وكل خطاب يعزز الثقة بين أبناء الوطن، وكل اتفاق ينصف المواطنين، وكل خطوة تحمي الدستور والسيادة، تقرّب العراق من الدولة التي يستحقها شعبه.

لقد كان عنوان تلك الرؤية: «متفائل وسنتجاوز المحنة… عراق واحد». واليوم، لا ينبغي أن يبقى هذا العنوان مجرد عبارة جميلة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني تتجسد فيه العدالة والشراكة واحترام التنوع وسيادة القانون.

عراقٌ لا يُقصى فيه أحد، ولا يُعامل فيه مواطن بوصفه من الدرجة الثانية، ولا تُختزل فيه الدولة بمصالح حزب أو مكون، بل يكون وطناً للجميع، وبيتاً آمناً لجميع أبنائه.

ذلك هو التحدي الذي يواجه العراقيين اليوم، وتلك هي المسؤولية التي تستحق أن تتقدم على كل خلاف.

عراق واحد… بشراكة حقيقية، وعدالة للجميع، وسيادة لا تنتقص، ومستقبل يصنعه أبناؤه بإرادتهم المشتركة.

قد يعجبك ايضا
∧