نهاد الحدديثي
يتلخص المشهد السياسي الحالي في العراق في العلاقة العضوية والمعقدة بين الإطار التنسيقي ومجلس النواب العراقي، حيث يُمثل الإطار التكتل السياسي النيابي الأكبر والمهيمن داخل البرلمان. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة محكومة دائمًا بالتوازنات، الخلافات الداخلية، والاستحقاقات الدستورية الكبرى ,
الإطار التنسيقي” ائتلاف سياسي عراقي تشكّل في أكتوبر/تشرين الأول 2021 من قوى شيعية بهدف تشكيل حكومة محاصصة توافقية، وعارضه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مطالبا بحكومة أغلبية سياسية,, شكّل الإطار التنسيقي القوة الكبرى داخل مجلس النواب بغرض اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، وينضوي تحت هذا الإطار نحو 130 برلمانيا من أصل 329، بعد انسحاب الكتلة الصدرية من مجلس النواب (73 نائبا) في يونيو/حزيران 2022.
تمحور صراع القرارات الحالية في العراق بين الإطار التنسيقي ومجلس النواب (البرلمان( حول حسم استكمال التشكيلة الوزارية لحكومة علي الزيدي وتوزيع الحقائب الشاغرة، إلى جانب إدارة الملفات المالية وحصر السلاح بعد انتهاء مهلة انسحاب التحالف الدولي , هذا الصراع يتجاوز الخلاف القانوني التقليدي، ليعكس تنافسًا عميقًا على النفوذ ومراكز القوة.
لم يكن خروج القوات الأميركية من العراق في 30 سبتمبر مجرد نهاية لمهمة عسكرية استمرت سنوات، بل بداية مرحلة تتغير فيها معادلات الأمن والسياسة داخل البلاد. وبينما تقدم بغداد الانسحاب باعتباره استعادة لمسؤوليتها الكاملة عن الأمن الوطني, الا ان الواقع يعكس تفردا في السلطة واتخاذ القرارات المصيرية وتهميش الشعب واحزاب المكونات الاخرى, الاطار التنسيقي الشيعي طائفي همش جميع المكونات الاخرى ويجتمع اسبوعيا ويتخذ قرارات تلزم بها مجلس الوزراء والبرلمان ,, الاطار سحق الديمقراطية والتفاهمات بينالاحزاب الاخرى , وهو الداعم الاكبر للحشد والفصائل المسلحة,, وارتفعت وتيرة كل ذلك مع الانسحاب الامريكي من العراق.
البلد اليوم مهدد في وحدته وأمنه واستقراره واستمرار العمل السياسي فيه، كما أن حرية الانتخاب وحرية المواطن مهددة، وعدد كبير جدا من العراقيين مهجرون الآن ومدنهم محتلة ومهدمة، والسؤال هنا هو كيف سيكون وضع المدن الأخرى بعد التحرير، هل سيكون هناك استقرار؟ هناك علامة استفهام كبيرة في هذا الموضوع، إذا لم يتم فرض الأمن وعدم السماح بعمليات الانتقام والثأر والتصفيات فلن تستقر الأمور لسنوات طويلة، لا بد من التحرير والإدارة الصحيحة بعد التحرير، وألا يتم اللجوء لحرمان ممثلي وقادة المناطق المحررة وسياسييها من أن يلعبوا الدور الأساسي في مدنهم ومن ثم التفاهم مع أهلهم وجمهورهم لوضع الترتيبات المستقبلية، هذه الأمور هي محل شك، والتدخلات الإقليمية واسعة جدا، والعراق اليوم ساحة للصراع الدولي والإقليمي بشكل واسع، المنطقة الكردية تواجه تحديات، المناطق الشيعية مضطربة، المناطق السنية محتلة ومضطربة، إيران تجتاح الحدود بمئات الآلاف من الناس الذين لا يحملون جوازات سفر ولا أوراقا ثبوتية، بل هم ليسوا إيرانيين أصلا، وهم اليوم بالداخل لعراقي، وفي إقليم كردستان هناك نوع من عدم الثقة بين بغداد وأربيل، ومن أرادوا من السنة أن يتدربوا على السلاح لتحرير مدنهم وأهلهم يتم منعهم من التدريب ويواجهون مشاكل في تامين السلاح والرواتب وهؤلاء من الطبيعي أن يستعينوا بأي طرف يقدم لهم رغم ان الزيدي، وجد نفسه وحيداً، بحسب المصادر، بعدما حاولت قوى داخل الإطار التنسيقي الهروب من قرار تغيير سعر الدولار. وكان رئيس الوزراء قد دافع عن القرار بشدة، معلناً أنه يتحمل مسؤوليته وحده. لكن رواية سابقة، كشفت عنها قوى شيعية ونشرتها فالموافقة على رفع سعر الدولار، وفق تلك المعلومات، جرت خلال اجتماع للإطار التنسيقي في منزل عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة. في ذات الوقت تستعد قوى شيعية لتمرير مناصب إضافية رغم رفض علي الزيدي، رئيس الحكومة. وتتعامل بعض هذه القوى بثقة لأنها وضعت قيوداً على رئيس الوزراء قبل تسلمه المنصب.وبحسب مصادر قريبة من القصر الحكومي، تتحرك قوى شيعية، على وجه الخصوص، لاستحداث مناصب ووزارات إضافية. وتؤكد مصادر بأن ذلك يجري رغم اعتراض الزيدي على هذه الخطوة، وفي وقت تتحدث فيه الحكومة عن أزمة نقدية وضغوط مالية. قال حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة، إن الحكومة لم تطلب استحداث مناصب أو وزارات جديدة، وإن هذه المطالب تعبر عن آراء القوى السياسية. ونفى العبودي وجود مسمى وزارة “الذكاء الاصطناعي”، وهي إحدى الوزارات الثلاث التي يجري الحديث عن استحداثها.
يقول البرفيسور نديم الجابري– نعم هناك كثير من المؤمنين بايران وقاتلوا لاجلها وهم لا يعلمون انهم أوراق في لعبة سياسية التي لا تختلف عن لعبة البوكر، فأي لحظة سيتم حرق هذه الأوراق للحصول على مقابل مادي وليس مقابل عاطفي , لقد كان جواد ظريف و الرئيس الإيراني الحالي في نيويورك يتفاوضون على الملف النووي بنفس التوقيت الذي تضرب فيه الطائرات السيد حسن نصر الله ومقراته القيادية عندما كان حزب الله يباد كان جواد ظريف والرئيس الايراني يقولان ان الأمريكيون اصدقائنا ، لقد عرض اردوغان التفاوض على الاسد وعرض عليه اللقاء قبل الهجوم وطلب منه التنازل عن دعم وجود المليشيات إلا انه رفض وكان وفياً للإيرانيي،ن وعندما بدأ الهجوم رفضت ايران دعمه وخذلته وبالتالي جعلته ورقة الجوكر الثانية المحترقة من اجل مصالحها.
ان الجميع بحاجة إلى لحظة الوعي التي يتغير بها ، لقد تنازلت ايران عن ورقة حزب الله و عن ورقة الاسد وقد تتنازل عن ورقة ثالثة من اجل مصالحها القومية ومن اجل بقاء النظام السياسي ,, فهل سيصحوا من يهدد اخيه العراقي من اجل المصالح الايرانية ومن يعتقد انه مومن بثورة ولا يدري انه مجرد ورقة بوكر ستنزل على الطاولة للحصول على مقابل.
الدخول إلى جمهورية “أرشاك” وتقليب دفاتر الذاكرة معه، يحتاج إلى مراجعة ذهنية لكل ما مرَّ بالعراقيين من أفراح ومآسٍ، فوسط الوجوه التي تحاصر الزبائن نجد صوت كامل الجادرجي حاداً، وهو يطالب بدولة الحريات لا دولة المحسوبيات.. تطالعنا الوجوه في كل ركن وكأننا نتصفح ألبوماً لحلم مضى سريعاً. وجوه تقول لنا: ستنتصر الحياة رغم كل الهزائم. ننظر إلى الجواهري يتسلق أكتاف المتظاهرين وهو يصرخ: “أتعـلـم أم أنــت لا تعـلـمُ بـأن جـراح الضحايـا فـمُ”، في زاوية نتطلع إلى مصطفى علي ومحمود أحمد السيد وحسين الرحال يحذروننا من الوقوع في جب الطائفية.. نمعن النظر فيما كتبه الزهاوي والكرملي وحسين جميل ومحمد حديد وصبيحة الشيخ داود ومحمد رضا الشبيبي، كان حلمهم واضحاً: بلاد تنهل من الاختلاف لتحوله إلى مصدر قوة وتماسك، بلاد متحررة من قيود الأنانيات الطائفية والحزبية، فكان أن دفعوا ثمن الحلم غالياً، نسياناً ونكراناً.
بلاد بحاجة إلى إنقاذ من الطـ،ـائفية ، ولن تنقذها إلا استعادة حلم العراقيين بدولة المواطن، لا دكاكين الطوائف. بعد ثلاثة وعشرين عاماً على التغيير صار واضحاً أن العراقيين جميعاً لم يخسروا فقط حلم الديمقراطية، لكنهم يضيعون اليوم فرصة النهوض بالبلاد، وباتوا جميعاً مهــددين بفقدان الأمل. بعد ثلاثة وعشرين عاماً عجاف، مارست فيها أحزاب السلطة كل وسائل الضـرب لقواعد الحياة الوطنية، فاقت كثيراً ما دمرته الحــروب. سياسيون يواصلون كل يوم إفراغ البلاد من طاقتها الحياتية.. بعد ثلاثة وعشرين عاماً، يخرج علينا سياسي ليقول بكل وضوح: من لا تعجبه سياستنا يمكنه أن يطلب اللجوء، فيما يسخر رجل دين من أحلام العراقيين بالتنمية والبناء ليقول بكل فخر: ” تريدون تبنون دولة بيها كهرباء وشوارع مبلطة وناطحات سحاب مثل دبي .. طيح الله حظ حكوماتنا.
قادة الاحزاب المتنفذة اصيبوا بالزهايمر السياسي , وفقدان الذاكرة السياسية حين تنسى الدول تجاربها، وتعيد إنتاج أخطائها، وتتعامل مع كل أزمة وكأنها تحدث للمرة الأولى، فالسياسة التي لا تتعلم من تاريخها تصبح أسيرة لدائرة مغلقة، تعيد فيها الأسباب نفسها وتنتظر نتائج مختلفة، ومن مظاهر هذا المرض أيضًا رفض تجديد النخب، وإبعاد الأجيال الجديدة عن مواقع المسؤولية، بحجة أن الكبار أكثر خبرة وتجربة، فالخبرة قيمة لا يمكن إنكارها، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح مبررًا لإغلاق أبواب الدولة أمام الشباب، فالدول الحية لا تختار بين الخبرة والشباب، بل تجمع بينهما؛ تستفيد من خبرة الجيل السابق وتمنح الجيل الجديد فرصة التعلم والمشاركة، فالسياسة التي تعتمد دائمًا على الوجوه نفسها، وتخشى التغيير، تشبه مريض الزهايمر الذي يعيش في الماضي ويعجز عن التكيف مع الحاضر، والدولة التي لا تجدد دماءها السياسية تفقد تدريجيًا قدرتها على مواجهة عالم يتغير بسرعة، لكن أخطر ما في الزهايمر السياسي أن المريض قد لا يدرك مرضه، وهنا تكمن صعوبة العلاج؛ لأن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، فالدولة التي لا ترى عيوبها، ولا تسمع أصواتها، ولا تتعلم من أخطائها، ستظل تدور في الحلقة نفسها مهما تغيرت الشعارات.
فحين تغلق الدولة آذانها أمام أصوات المجتمع، والنخب، والخبراء، والشباب، وتعتبر كل نقد عداءً، وكل معارضة مؤامرة، فإنها لا تحمي نفسها، بل تعزل نفسها عن الواقع، فالأذن السياسية التي لا تسمع التحذيرات، قد تقود الدولة إلى أزمات كان يمكن تجنبها لو تم الإصغاء في الوقت المناسب، إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات أو مؤسسات، بل بقدرتها على رؤية الحقيقة، والاستماع إلى النقد، وتذكر دروس التاريخ، وتجديد قادتها. فالدولة التي تفقد ذاكرتها وبصيرتها، قد تبقى قائمة في الشكل، لكنها تبدأ بفقدان روحها في الداخل، فالزهايمر السياسي لا يسقط الدولة في لحظة، لكنه يجعلها تنسى الطريق الذي يقودها إلى المستقبل.