بغداد – التآخي
كشف البيانات الرسمية التركية لغاية آب 2026 عن ظاهرة لا يمكن تفسيرها تجاريا العراق هو ثاني أكبر مستورد للحمضيات التركية في العالم من حيث الكمية (20% من الصادرات)، لكنه يدفع 41% من قيمتها، معدل سعر الكيلو الذي تصدره تركيا إلى العراق: 2.36 دولار بينما معدل سعر الكيلو الذي تصدره تركيا إلى بقية العالم (58 دولة): 0.85 دولار
وبالتفصيل:
البرتقال: العراق 2.70 $/كغ — العالم 0.70
اللالنكي: العراق 2.37 — العالم 0.77
الكريب فروت: العراق 1.85 — العالم 0.74
الليمون: العراق 2.18 — العالم 1.28
روسيا، التي تستورد كميات أكبر من العراق وتبعد عن تركيا أكثر، تدفع 0.83 دولار. سوريا، الجار المباشر، تدفع 0.33. السعودية 0.55، الإمارات 0.74. لا توجد دولة واحدة من بين 59 مستورداً يتجاوز سعرها 1.5 دولار. العراق وحده عند 2.36.
لو اشترى العراق كمياته بالسعر الذي يشتري به العالم، لكانت فاتورة الحمضيات نحو 137 مليون دولار فقط بدلا من 382 مليوناً التي دفعها العراق في ٢٠٢٦. الفارق: نحو 245 مليون دولار في ثمانية أشهر فقط — أي قرابة 30 مليون دولار شهرياً، على فصل جمركي واحد، من بلد واحد.
لماذا يحدث هذا؟
الآلية معروفة باسم «تضخيم الفواتير» (Over-invoicing): يستورد التاجر سلعة حقيقية بسعرها الحقيقي، لكنه يقدّم إلى المنصة الإلكترونية للمصرف المركزي فاتورة بثلاثة أضعاف قيمتها، فيحصل على دولار بالسعر الرسمي مقابل الفارق. السلعة تدخل فعلاً، والجمارك تختمها فعلاً، والدولار يخرج فعلاً — لكن ثلثيه لا يقابله استيراد. الفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي هو الربح، والمنصة هي القناة.
ولماذا الفواكه تحديداً؟
لأن المستورد يدفع الرسم الجمركي على القيمة التي يعلنها هو والبالغة للسلع الغذائية 5٪ واليوم بعد القرارات الاخيرة تم اعفاء السلع الغذائية من التعرفة الكمركية . حين تكون التعرفة على سلعة ما 30% أو أكثر، فإن تضخيم فاتورتها يكلّفه ثلث المبلغ المضخّم رسوماً، فتفقد العملية جدواها. أما حين تكون التعرفة منخفضة — كما هي على الفواكه الطازجة — فإن كلفة تضخيم الفاتورة تصبح رمزية مقابل هامش يصل إلى 15–20% من فارق سعر الصرف. ومع ارتفاع التعرفة على كثير من السلع المصنّعة في التعديلات الأخيرة، انتقلت هذه العمليات إلى السلع الأقل تعرفة.
ما المطلوب؟
إن المعالجة ينبغي أن تسير بخطوتين:
أولاً — توحيد التعرفة الجمركية على كافة السلع بنسبة 5% كمرحلة انتقالية. تعرفة موحدة ومنخفضة تُلغي الحافز لتصنيف السلعة في بند أدنى أو لتحويل التهريب نحو السلع الأقل رسوماً، وتُبقي كلفة تضخيم الفاتورة ثابتة أياً كانت السلعة، وتُغلق باب المساومة في المنافذ لأن الرسم واحد ولا مجال للتفاوض على التصنيف. والأهم أنها تجعل الاستيراد النظامي عبر المنافذ الرسمية أرخص من التهريب، فتعود السلع إلى القناة التي يمكن إحصاؤها ومراقبتها. تستمر هذه المرحلة حتى تتأكد الدولة من أنها تسيطر فعلاً على دخول السلع من كل المنافذ، وتملك بيانات موثوقة عمّا يدخل وبأي كمية وأي قيمة.
ثانياً — بعد استعادة السيطرة، مراجعة التعرفة لكل سلعة على أساس بيانات حقيقية، ثم الاختيار بين مسارَين لتحقيق الإيراد وحماية المنتج المحلي إما زيادة التعرفة انتقائياً على سلع محددة بناءً على دراسة واضحة، أو — وهو الأفضل — إقرار ضريبة القيمة المضافة على السلع بدلاً من رفع التعرفة الجمركية.
فالقيمة المضافة تُحصَّل داخل البلد عند البيع، لا عند المنفذ، ولا تفرّق بين مستورد ومحلي، ولا تخلق فجوة بين سلعة وأخرى يمكن استغلالها. أما الدول التي لجأت إلى رفع التعرفة الجمركية لتعويض إيراداتها، فقد حصلت على النتيجة التي نراها اليوم: منافذ تُحاصَر بالرسوم العالية فينشط التهريب والتلاعب بالفواتير حولها، وتفقد الدولة الإيراد والسيطرة معاً.