محمد ياسين
لا توجد كلمة أُسيء فهمها عبر التاريخ مثل كلمة “الحرية”. فقد ظنّها بعضهم فوضى، وحسبها آخرون تمرّداً، واعتبرها فريقٌ ثالث امتيازاً يُمنح لبعض الناس دون بعض. لكن الحرية في جوهرها ليست شيئاً من هذا كله. إنها القدرة على أن يكون الإنسان نفسه، دون أن يُسحق، أو يُكمَّم، أو يُجبَر على أن يعيش حياةً ليست حياته. والحرية ليست باباً مغلقاً في وجه الحقوق، بل هي الروح التي تسكنها. فمن دون حرية، تتحول الحقوق إلى منحٍ يُسدِيها أحدٌ لأحد، ويمكن أن يسحبها في أي لحظة .
حين نقرأ المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نجد أن أول ما يُذكر فيها ليس الكرامة وحدها، بل “الحرية” أيضاً: “يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”. لاحظوا الترتيب: الحرية أولاً، لأن الكرامة التي لا تصحبها حرية تتحول إلى مجرد احترام شكلي. فمن يحق له أن يأكل، لكن لا يحق له أن يختار ما يأكله، ومن يحق له أن يعمل، لكن لا يحق له أن يختار عمله، ومن يحق له أن يتعلم، لكن لا يحق له أن يسأل أو يعترض — هذا إنسانٌ يُطعَم ولا يُحترم. والكرامة ليست لقمةً في الفم، بل هي قدرةٌ على القرار .
والحرية أنواع لا تنفصل. هناك الحرية المدنية: حرية التعبير، والاعتقاد، والتنقل، وتكوين الجمعيات. وهناك الحرية السياسية: حق المشاركة في اختيار من يحكم، وحق الاحتجاج السلمي، وحق الوصول إلى المعلومة. وهناك الحرية الاقتصادية: حق العمل الكريم، وحق الملكية، وحق اختيار المسار المهني. وهناك الحرية الثقافية : حق استخدام اللغة، وممارسة العادات، والحفاظ على الهوية. ومن يظن أن بإمكانه أن يمنح بعض هذه الحريات ويسحب بعضها، فإنه يبني حرية مشلولة، أو كرامةً مبتورة .
لكن الحرية ليست مطلقة، وهنا مربط الفرس. فالحرية المطلقة بلا مسؤولية تنتهي إلى غابةٍ يأكل فيها القوي الضعيف. لهذا فإن حدود الحرية ليست قيداً على الكرامة، بل شرطٌ لاستمرارها. فحريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. وحرية التعبير لا تعني حق التحريض على العنف أو الكراهية، وحرية الملكية لا تعني حق استغلال العمال، وحرية السوق لا تعني حق تشغيل الأطفال. وهذه الحدود ليست انتقاصاً من الحرية، بل هي التي تجعلها قابلة للعيش المشترك. فالحرية التي تُنتَج بلا قواعد تتحول إلى استبداد، والحرية التي تُنظَّم بعدل تتحول إلى ضمانة .
ومن أخطر ما يواجه الحرية اليوم أنها تُختزل في جانبٍ واحد منها. فهناك من يختزل الحرية في الشأن السياسي فقط، فيتحدث عن الانتخابات وحرية الصحافة، ثم يغض الطرف عن العمال المهدرين حقوقهم في المصانع، وعن النساء المحرومات من فرص متساوية، وعن الأقليات المحرومة من الاحترام. وهناك من يختزل الحرية في الشأن الاقتصادي فقط، فيتحدث عن حرية السوق والاستثمار، ثم ينسى أن هناك من لا يجد ما يأكله. والحقيقة أن الحرية كائن واحد: لا يُصان في الجانب السياسي إذا انهار في الجانب الاقتصادي، ولا يُصان في الجانب الاقتصادي إذا غاب في الجانب السياسي. وهذا ما أكدته المواثيق الدولية حين ربطت بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ربطاً عضوياً، ورفضت أي تجزئة بينها .
وفي عالم اليوم، تتخذ الحرية أشكالاً جديدة تحتاج إلى دفاع جديد. فالحريات الرقمية صارت حقاً لا يمكن تجاهله: الحق في الخصوصية، والحق في أن تُحفظ بياناتك من العبث، والحق في ألا تُراقَب تحركاتك دون سبب، والحق في أن تفهم كيف يتخذ الذكاء الاصطناعي قراراته بشأنك. وفوق ذلك، صار التهديد البيئي تهديداً للحرية: فمن فقد أرضه بسبب الجفاف أو التصحّر فقد حريته أيضاً. والحرية الآن، كما كانت دائماً، ليست ترفاً لأصحاب القدرة، بل هي حاجةٌ لكل إنسان يريد أن يعيش لا أن يبقى حياً فقط .
إن الحرية الحقيقية ليست صرخةً في وجه النظام، ولا صمتاً في وجه الظلم. إنها ممارسة يومية: أن تقول رأيك دون أن تفقد عملك، أن تعبد ربك كما تشاء دون أن تُسجَن، أن تختار من تحب دون أن تُقتَل، أن تُعلِّم أبناءك ما تؤمن به، أن تنضم إلى جمعية، أن تسافر، أن تحلم. والحرية الحقيقية لا تحتاج أن تُرفع لها الأعلام، بل تحتاج أن تكون جزءاً عادياً من الحياة، إلى حدٍّ ينسى الناس أنها موجودة، كما ينسى الإنسان تنفسه. وهذه هي المرحلة الأعلى: أن يصبح الحق عادةً، والكرامة تفصيلاً يومياً لا استثناء .
ان الحقوق بلا حرية تصبح صدقة، والحرية بلا حقوق تصبح فوضى. والمجتمعات التي بلغت مراتب متقدمة في احترام الإنسان هي التي فهمت أن الاثنين لا يفترقان: حرية تحمي الحق، وحقوق تصون الحرية. والحرية، حين تكون محترمة، لا تُضعف الأمن، بل تُحصّنه؛ ولا تُهدّد الاستقرار، بل تبني سلاماً حقيقياً لأنه سلامٌ قائم على رضا الناس لا على خوفهم. فالإنسان الذي يمارس حريته بمسؤولية هو مواطن، أما الإنسان الذي تُسلب حريته فهو مادةُ أزمةٍ في المستقبل .