قراءة في نص “ترابك العذب” للشاعر (عدنان الريكاني)

د. محمد صبي الخالدي
الكوفة

حين يفتح عدنان الريكاني باب نصه، فإنه لا يستقبل القارئ بتحية العابرين، بل يلقي به مباشرة في قلب محرقة نفسية هائلة. يبدأ النص من بؤرة العدم والتلاشي؛ حيث لا تملك الرمال طابعها الطبيعي الهادئ، بل شيطان صاخب يعبر عنه بـ: «تبتلع رمال الخمر .. سراب أحلام استوطنت تحت أظافر فرح منسي». هنا تكمن العبقرية الأولى في تكثيف المادة المحسوسة بالألم النفسي؛ فالأحلام ليس لها أظافر، ولكنها حين تستوطن تحت ظفر “الفرح المنسي”، تصبح آلة يجرح ويحك وجعه بعذاب مقيم. إننا أمام إنسان يفتش في رماد الذاكرة قبل أن تضيء شمس النهار، ليجد نفسه محاصراً بكوابيس وشواطئ لم تستيقظ يوماً على صوت الخلاص. في هذا الافتتاح، يشتغل “الجفر الرمزي” على هيمنة حرف الراء (رمال، الخمر، سراب، أظافر، فرح، جرحها)، وهو حرف الاحتكاك والاهتزاز الدائم، وكأن الذاكرة تدور في طاحونة لا تنتهي من الطحن الوجودي، بينما يرى النقد الأكاديمي أن هذا الإلقاء المباشر في قلب العاصفة يعفي النص من زوائد التمهيد التقريري، ليؤسس منذ الضربات الأولى لمناخ تراجيدي مشحون.
بينما يتنفس النص من عتمة البداية، يتحول الشاعر إلى لغة المخاطبة الحارقة، متجاوزاً حدود المسافة بين الذات والآخر ليقيم تناقضاً وجودياً مذهلاً تتجسد روحه في قوله: «أيها القريب المحتل .. أغدقني حباً بترابك العذب وهيمن حواسي بقساوتك .. ثم اتكئ على فجري!». هذا التشابك بين القرب والاحتلال ليس مجرد مجاز بلاغي، انما تجسيد لحالة الالتساق بالآخر حدّ التماهي المطلق؛ فالقريب هو نفسه المحتل الساكن في باطن الروح، والقساوة هنا لا تكسر، بل هي الطقس الوحيد الذي يعيد تشكيل الحواس وتهذيب شتات الذات. نقدياً، يرتفع النص في هذه اللحظة فوق سطح الرومانسية السطحية إلى فضاء الفلسفة التراجيدية للعشق، حيث يطلب المحب قسوة معشوقه طوقاً للنجاة، مستنداً إلى لغة تصويرية عارية من كل زيف، تحفر في عمق المعنى الإنساني الأبدي.
وفي تصاعد متصل للسرد الشعري نحو منطقة الحميمية المطلقة والاعتراف الجريء، تنكسر حدود الصمت وتتحول الأجواء إلى طاقة حركية دافقة يترجمها قول الشاعر: «سأهبط لك من أعماقي ليلتي وألمع شواحب وجهي». هنا يتجلى ألق التمرد الشعري في أطهر صور؛ فالشاعر يهبط إلى أعماق أورفيوسية بحثاً عن الحقيقة البكر، لكن الذروة الكبرى تتجسد في العبارة الأكثر إدهاشاً: «حتى شارحة الصمت كانت بيننا حبلى .. تغريني بك كأنه تاج لكسرا». الصمت هنا لم يعد غياباً أو فراغاً سلبياً، بل تحول ركام نامٍ، ثقيل بالكلمات التي لم تُقَل بعد، وكأن الصمت نفسه يحمل في أحشائه جنين البوح المنتظر. في هذا المقطع، يتناغم النحو والصرف مع الدلالة، وتتلاحق الأفعال المضارعة (أهبط، ألمع، أمتطي، أخفي) لتمنح النص إيقاعاً نبضياً متسارعاً يواجه ركود العالم الخارجي.
وفي المحطة الأخيرة من هذه الرحلة الوجودية، يعود الشاعر ليواجه واقعه الأوسع ومحيطه الاجتماعي والقبلي، لكنه يعود منتصراً لجنونه الخاص مقفلاً دائرته الصارخة بقوله: «فلن أرى جنوناً في مداري إلاك!». القبيلة هنا تمثل العقل الجمعي، والسلطة، والتقاليد الراكدة، بينما يمثل “الجنون” و”أبجدية المستحيل” و”الرسائل القديمة” ذلك التمرد الفردي المطلق على مألوف الوجود. نقدياً، وإن كان استدعاء “أعراف القبيلة” يلامس المألوف الكلاسيكي، إلا أن الشاعر أعاد سبكه وصهره داخل بوتقة رؤيته الخاصة، ليجعل من العشاق خارجين على القانون الأرضي، مقيمين في مدار سماوي خاص بهم وحدهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــالنص ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترابك العذب ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تبتلع رمال الخمر
سراب أحلام استوطنت
تحت أظافر فرح منسي
وهي تحك جرحها بعذاب
قبل أن يفرش الضوء قناديل
سكنتها الأوجاع وكفنتها الكوابيس
كشواطئ لم تستيقظ على صوتي
أيها القريب المحتل ..
أغدقني حبأ بترابك العذب
وهيمن حواسي بقساوتك
ثم اتكئ على فجري ..!
سأهبط لك من أعماقي ليلتي
وألمع شواحب وجهي
سأمتطي صهوة عذريتي السكرى
ولا أخفي نشوة حديثنا البكر ..
حتى شارحة الصمت كانت بيننا حبلى
تغريني بك كأنه تاج لكسرا
أيها المنفي تحت جلدي ..!
يحاورني الظمأ فيك تلاقحاً برمضائي
ونوح البعد أغلال تسخر مني
سأبحث بين أعراف القبيلة ،
من يتهجى لهيب رسائلك القديمة
أو أن يبصم لأبجدية المستحيل
عهداً يجري في هواه جنون ملهمة
يحاصر انوثتي تغريداً ،
ويشبعني تراتيل العشق ..
فلن أرى جنوناً في مداري إلاك ..!

قد يعجبك ايضا
∧