هجرة النوارس …قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

لا أستطيع ابدال جلدتي ، ولا محو هويتي !! . فقدتُ دفء الأماكن ورائحة جدران بيتنا القديم ، وحتى ملاذ عباءة أمي لا يكفيني . ولا آهات أبي عند أنفاس سجائره .

كان من الصعب عليه ان يصرح بأكثر من هذا ، فقد كانت حوله الجدران مثقوبة ، وهمسه مسموعا ، والمقاهي لم تعد لضجيج الشباب ومرحهم ، والطرقات فارغة الا من أعمدة الكهرباء وأعمدة أخرى من نوع خاص . كان عليه ان يصمت . لكنه تعوّد ان يصدح حين يقرأ قصائد النواب . ويقرأ الجريدة السرية .

اختفى “سامر ” في ظروف غامضة ولكن لا أحد يجرؤ بالسؤال عنه .حتى أبواه .!!

لم تنجب أمه سواه ، لكنه صلب الارادة ، ذو القامة الممشوقة والطول الفارع . كان يحلم ويناضل من أجل ان تتحول بلده نحو الاشتراكية ، ونحو الازدهار في غضون فترة وجيزة .

صدمته نظريتهم الجديدة ان الموت في انتظار من يخرج عن مسار القطيع . تأبى روحه ان يعانق الموجة ، أو يصطف في ذلك الطابور ، يكره تلك العبثية والجدال فيها .

لكنه اختفى .!!

لم يستطع أبواه ان يمنحاه صفة ” الميت ” كانا يرفضان ان يقال عنه ” راحل ” فلو خرجت الكلمة من فمهما ستغلق آخر باب لأمل تشبثا به . كانت أمه تخبر جاراتها ، أنها رأت رجلا مباركا في منامها أخبرها ان ولدها حي يرزق ، .

اما جارهم المعلم كان يتعاطف معهما ، لكنه يخشى العيون المتربصة فلا يقترب منهما ، فهو يعرف ولدهم . فقد كان أحد طلابه في المدرسة قبل سنين .

تزورهم أم سامر وتشرح لزوجه عن اختفاء ولدها . تبوح بوجدها لكل الأحبة سرا ، لكن المعلم يلتزم الصمت ويخبئ مشاعره أمامها ، كلماتها تغدو مثل سكين يقطع أحشائه .

أم سامر تعيش بين عدة احتمالات وكلها تنهش روحها . فأن سمعت طرقا على الباب أسرعت وقلبها يسبق خطواتها . واذا مرّ شاب أمامها كانت تحدق في وجهه وتبحث عن ملامح تشبه ملامح ولدها ، احتفظت بملابسه كما تركها وبحذائه وحتى جوربيه وربطة عنقه . وكأنها تهيء كل شيء لعودته .

كم تمنت بداخلها ان يكون غيابه مجرد حلم عابر .

يتذكر أبوه كلماته الأخيرة فقد أخبره ان هناك من يتتبع خطواته في الجامعة وفي الطرقات ، وحتى في المكتبة

تحز بروحه هذه الكلمات وتطرد النوم من عينيه دائما .

تحدثه أمه في وحدتها وتخبره ان مرضتْ ، وان خرجتْ ومن الذي زارها ، ثم تسأله بحسرة ، نفس السؤال الذي لم تجد له جوابا مقنعا ” أين أنت يا ولدي ” . ؟؟ وهل ما زلت تتذكر ان لك أم وأب في انتظارك . ؟؟ سأنتظرك حتى الرمق الأخير .

مرت السنوات ثقيلة على روحيهما ، وتغيرت ملامح وجهيهما وشاب شعرهما لكن انتظارهما بقي كما هو .

لم يبكياه بل يبكيا غيابه الموجع بين الحياة والموت .

وفي خضم فوضى حرب الثمان سنين . طفح بروحيهما أمل جديد . فربما يكون ولدنا سجينا وسيطلق سراحه ضمن الاعفاء العام الذي أعلنته الدولة . ثم سيذهب لجبهة القتال فهو يحب بلده .

ويشهد مرآب المدينة شهقات أبيه وسؤاله للعائدين من الجبهة . عن ولده . لكنه يعود خائبا .

كان جارهم المعلم تشغله أخبار الحرب ، يسهر ليلا متنقلا بين المحطات الاذاعية ، يلاحق تفاصيلها ، ويمني روحه بانتهائها منتظرا دور الوساطة التي بادر بها كوفي عنان .

وبينما المعلم ينقل قرص المذياع من محطة الى أخرى سمع صوتا مألوفا لديه وكأنه يعرف صاحبه ، وهنا توقف الزمن . وعجزت أصابعه ان تحرك قرص المذياع .وشعر الرجل بالإرباك . يا الهي !! ما هذا . ؟ ؟ الصوت يشبه صوت جارهم المفقود ” سامر” ، لا بل “هو” بكل نبراته القوية المألوفة ، بثقله ورخامة صوته ، انه يعرفه ، فهو رفيقه وصديقه ايضا ، رغم فارق العمر بينهما ، بقي المعلم صامتا . منتظرا انه سيذكر اسمه في نهاية النشرة . فبقي صبره معلقا حتى نطق المذيع باسمه الثلاثي ، فغر المعلم فاه دون ان ينطق بكلمة .!!

نعم انه “سامر عبد المجيد ” . ثم قال هامسا :ـ ربما السماء ارادت ان تبعث الامل لأبويه عبر الأثير .

ولكن ما موقف السلطة منه اذا أخبر والديه ، وهل يجازف . ؟؟ ذلك أمر في غاية الخطورة .!! فكيف يوفق بين ضميره وانسانيته وبين الهاوية التي تنتظره . !! وقف المعلم حائرا بين نارين ، نعم ان السلطة لا ترحم . ثم أخذ يحدثه كأنه أمامه بكامل هيئته .

سنبقى يا سامر نقرأ قصائد النواب . ولن يغرق زورقك

وها أنت تعانق النوارس في هجرتها ، منفيا في متاهة الحياة . لكنها تبقى أفضل من صفة الموت .

. بقي المعلم يقام تمرد ذاته لصمته ، ويحثها ان تبوح بثقل سرها ، وعليه ان يمنح أبويه أملا جميلا ليعيشا بأمان ولتنتهي حسراتهما . قلها فذلك أمر يجب ان يقال .

ولتكن النتائج كيفما تكن . !!

فارسل بطلبهما لأمر هام ، وحضورهما الى داره ، .

اندهش الأب ثم تردد يا ترى ما هو الأمر الهام . ؟؟

واستغربت الام وكأن قلبها عرف جزء من الحقيقة فيما يخص ولدها . واستفاقت ذكراه برعدة أوصالها .

وبين القلق والدهشة ، جلسا عنده ، وبعد ان أغلق باب الغرفة ، طلب منهما الصمت والسرية التامة مهما سمعا من الأخبار . وأخذ يدير قرص المذياع على تلك الإذاعة الأجنبية الناطقة باللغة العربية والتي يتواجد فيها ولدهم .

مرت الدقائق ثقيلة عليهما .حتى دقت الساعة الثامنة مساء .

وفجأة تردد الصوت ذاته ، انه صوت ” سامر” وهو يقرأ نشرة الأخبار بصوت ثابت ، وكأن الحياة لم تسرق منه شيئا .

تجمدت الأم وعيناها تلمعان واضعة يدها فوق فمها لكي لا تنطلق منها صيحة مباغتة ، وحين نطق باسمه ، صرخت دون وعيها ” ولدي ” ، أسرع زوجها فوضع يده المرتجفة فوق فمها . وهو يهمس بارتعاش نبرات صوته ” أصمتي يا امرأة ”

.تنفس أبوه الصعداء عند سماعه الخبر الذي طالما انتظره ، أشرق وجهه كأن سنوات عمره قد عادت اليه ، ابتسم ثم ارتجفت شفتاه ، وانهمرت دموعه فرحا بصمت تام .

وما زالت أمه متجمدة بمكانها ، لا تقوَى على البكاء ولا حتى على الابتسامة .

سكنت الوجوه ، لكن القلوب كانت تضج بالحنين والفرح الغامر ، وبخيوط أمل جديدة امتدت من المذياع الى أرواحهم .

وفي تلك الليلة كانت السماء زرقاء صافية ، والريح تداعب سعف النخيل كأنها الأم الرؤوم التي شاركتهم أفراح هذه الليلة . جلس المعلم على كرسيه الخشبي وبجانبه أولاده وزوجه رافعا يديه للسماء ان لا يصل الخبر لجهاز الأمن .

قد يعجبك ايضا
∧