آناهيتا حمو- ألمانيا
حق الشعوب في تقرير مصيرها بين جبر التاريخ وبناء المستقبل
ليست قضية الكورد والأمازيغ مجرد مسألتين ثقافيتين تبحثان عن مساحة في كتب التاريخ، ولا هما مطالبتان عابرتان بهامش من الإعتراف اللغوي أو الإحتفال الفولكلوري. إنهما قضيتان تتصلان بسؤال أعمق: هل تستطيع دول المنطقة أن تبني شرعيتها على الإعتراف بتعدد شعوبها وهوياتها، أم ستظل أسيرة فكرة الدولة التي لا ترى في التنوع إلا تهديداً لوحدتها؟
من هذه الزاوية، تبدو المقارنة بين الشعبين الكوردي والأمازيغي ذات دلالة خاصة. فكلاهما من الشعوب العريقة في منطقتيهما، وكلاهما حافظ على لغته وثقافته وذاكرته الجماعية رغم التحولات السياسية والإمبراطوريات والدول والحدود التي أعيد رسمها مراراً. وكلاهما عرف، بدرجات مختلفة وفي مراحل تاريخية متعددة، سياسات من التهميش أو التعريب أو التتريك أو الإقصاء الثقافي والسياسي، بحسب الدولة والمرحلة التاريخية.
لكن التشابه لا يعني التطابق. فالكورد ينتشرون تاريخياً في منطقة واسعة تمتد عبر أجزاء من تركيا والعراق وإيران وسوريا، بينما ينتشر الأمازيغ في رقعة واسعة من شمال أفريقيا، من المغرب والجزائر إلى ليبيا وتونس وأجزاء من الصحراء الكبرى. ولكل شعب تاريخه السياسي والاجتماعي الخاص، وتجاربه المختلفة مع الدول التي يعيش داخل حدودها. ومع ذلك، يجمعهما شيء جوهري: الإصرار على ألا يكون الانتماء القومي والثقافي سبباً للمحو أو التهميش.
الكورد شعب بلا دولة وحدود صنعتها السياسة
يُعد الشعب الكوردي من أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولة قومية مستقلة. وقد أدى انهيار الإمبراطورية العثمانية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط في القرن العشرين إلى تقسيم المناطق ذات الأغلبية الكوردية بين دول عدة. ومن هنا جاءت مأساة التساؤلات كيف يمكن لشعب يمتلك لغة وثقافة وذاكرة وتاريخاً وهوية جماعية واضحة أن يجد نفسه موزعاً بين حدود دولية مختلفة، وأن تصبح المطالبة بلغته وثقافته وحقوقه السياسية في بعض المراحل تهمة بدلاً من أن تكون حقاً طبيعياً؟
ومع ذلك، فإن مستقبل الكورد لا ينبغي أن يُختزل في الصدام مع المحيط العربي أو التركي أو الفارسي. فالكورد ليسوا في حاجة إلى عدو دائم كي يثبتوا وجودهم.
القوة الحقيقية للمشروع الكوردي تكمن في قدرته على تقديم نموذج سياسي حديث، دولة أو كيان سياسي يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والديمقراطية، والمساواة بين جميع مكوناته، بحيث لا تتحول كوردستان نفسها إلى نسخة جديدة من الدولة التي عانى الكورد من إقصائها.
الأمازيغ، ذاكرة شمال أفريقيا التي لم تختفِ
وفي الضفة الأخرى من المتوسط، تقف القضية الأمازيغية. الأمازيغ ليسوا وافدين حديثين إلى شمال أفريقيا؛ إنهم من الشعوب الأصلية للمنطقة، ولهم لغاتهم وثقافاتهم وذاكرتهم الممتدة عبر قرون طويلة قبل نشوء الدول الوطنية الحديثة. وقد تعرضت الهوية الأمازيغية في مراحل مختلفة إلى التهميش، خصوصاً عندما جرى التعامل مع الانتماء العربي أو اللغة العربية باعتبارهما معياراً وحيداً للهوية الوطنية.
لكن اختزال تاريخ شمال أفريقيا في ثنائية “عربي مقابل أمازيغي” سيكون بدوره ظلماً للتاريخ. فشمال أفريقيا لم يكن يوماً فضاءً أحادي الهوية. إنه نتاج تفاعل الأمازيغ والعرب والأفارقة والمتوسطيين وغيرهم، وتاريخ الإسلام نفسه في المنطقة تشكل عبر تفاعل هذه المكونات، لا عبر إلغاء أحدها. ولهذا فإن الدفاع عن الأمازيغية لا يعني معاداة العربية، كما أن الدفاع عن العربية لا ينبغي أن يعني إنكار الأمازيغية. المشكلة ليست في وجود هويتين؛ المشكلة تبدأ عندما تريد إحداهما احتكار الوطن.
الإسلام ليس مرادفاً لسياسات الدول ومن الضروري هنا الفصل بين نقد سياسات دول أو حركات سياسية وبين إدانة دين أو ملايين البشر. التهميش الذي تعرضت له جماعات قومية في دول ذات أغلبية مسلمة لا يمكن تفسيره ببساطة بأنه نتيجة للإسلام أو “المسلمين”. فقد عرف التاريخ الإسلامي دولاً ومجتمعات متعددة الأعراق واللغات، كما أن سياسات القومية الحديثة كثيراً ما اصطدمت بالتعددية لأسباب سياسية وقومية مرتبطة ببناء الدولة والسلطة المركزية. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الكورد والمسلمين، ولا بين الأمازيغ والعرب.
إنها معركة بين منطق الإقصاء ومنطق المواطنة، بين احتكار الهوية والاعتراف بالتعدد، وبين الدولة التي تفرض تعريفاً واحداً للوطن والدولة التي ترى في التنوع ثروة.
يراود قلمي تساؤلات مثيرة للجدل هل يحق للكورد والأمازيغ إقامة دولتين مستقلتين؟ من حيث المبدأ، حق الشعوب في تقرير مصيرها مبدأ راسخ في القانون والسياسة الدولية، لكنه لا يعني أن كل جماعة قومية تحصل تلقائياً وبصورة آلية على دولة مستقلة بمجرد إثبات وجودها كشعب. هناك فرق بين الاعتراف بالهوية القومية واللغوية والثقافية، وبين إنشاء دولة مستقلة ذات سيادة.
والسؤال الأهم ليس فقط: هل يحق لهم؟ بل أسئلة ملحة لابدّ من إجابة كافية. كيف يمكن ممارسة هذا الحق بصورة سلمية وديمقراطية وقانونية، وبما يحفظ حقوق السكان الآخرين أيضاً؟