سهام بنشيخ في حوار وجداني.. الشِّعر محبرة الروح، والقدس نبض لا يقبل الخذلان، وفجر الفرج حتمية قادمة”
حوار: عطا درغام
في زمن يضج بالمتناقضات، وتتسارع فيه وتيرة الحياة الرقمية، يبرز صوت أدبي مغربي يحمل هدوء الحكمة وعنفوان الهوية. هي شاعرة ومثقفة استطاعت أن تحوّل الكلمة إلى بلسم ينبض بالأمل، وتطوع الحرف ليكون مرآة لقضايا أمتها الكبرى والوجدانية. صاحبة برنامج “أنغام شعرية” وفلسفة “فجر الفرج” نلتقي اليوم بالشاعرة والأديبة سهام بنشيخ، لنبحر معها في عوالم قريحتها الشعرية، ونستكشف خبايا فلسفتها في الحياة، ونحاورها حول راهن ومستقبل القصيدة العربية من خلال خمسة محاور تسبر أغوار تجربتها.

المحور الأول: الهوية والالتزام القومي (في رحاب القدس)
* في قصيدتكِ البديعة، قلتِ عن القدس: “حبر نحن وأنتِ محبرة”. كيف تلخص هذه الصورة البيانية علاقة الشاعر العربي اليوم بقضاياه القومية؟
– القضية الفلسطينية ليست قضية فردية أو تخص شعب فلسطين فحسب، بل هي تعدت حدود الأرض و الوطن تتغلغل في ذواتنا تمثلنا حيث هي مرآة، لكل لن أقول فقط من هو وطني بل إنسان يصرخ وجدانه بكل قوة في أركان الأرض، يتفاعل مع الأرض المقدسة مهد السلام وعنوان الصبر ،ليتلاحم معا فيكون هو حبرا لها يعبر عنها بأدبه و صموده و هي محبرته تزوده بمدد الدفاع و الذود عنها.
* بدأتِ قصيدتكِ بـ “يا قدس سلام الله عليك” وانتهيتِ بـ “حسبنا أننا لسنا للخذلان منصة”. هل ترين أن دور الشاعر هو تشكيل خط دفاع نفسي وثقافي ضد ثقافة اليأس والخذلان؟
– بالتأكيد، الشاعر له دور أساسي وجوهري في خوض معركة ضد الخذلان بصفة عامة، و ضد اليأس في الدفاع عن القضايا منها قضية فلسطين على وجه الخصوص.
* وصفتِ القدس بأنها “عريش الروح لباسها وسترة”. متى تكون القضية سترة للشاعرة سهام بنشيخ، ومتى تصبح عبئاً وجدانياً مؤرقاً؟
– برأيي، إن كان الشاعر صادقًا مخلصًا لن تكون القضية الفلسطينية عبئا ووجدانيا بل شعلة ووهج تومض بأنوار التفاعل المستمر مع القضية فهي بالنسبة لي سترة يتدثر بها الشاعر؛ ليلتحف بكل ما هو ينعش الروح بمواجهة الظلم و القهر بصوت إيقاعي جوهري ابداعي ينتقل، كسحابة بين الأشراف الأحرار ؛ أولئك لا يخافون في قول الحق شيئ.
* كيف استطعتِ الموازنة في قصيدتكِ بين طهر “العين القدسية” وبين واقع حوض “دم الآدميين” الصادم؟
– بالنسبة لي دم الآدميين قربة تقدم لما هو قدسي.
* هل تعتقدين أن الشعر الفصيح ما زال يملك القوة ذاتها لتحريك الوجدان العربي تجاه القضايا المصيرية مقارنة بالفنون البصرية الحديثة؟
– سؤال في غاية الورعة، نعم البصريات غاليا ما تكون خداعة مزيفة ببريق غير حقيقي فقط، يشد العين كسراب إن اقتربت منه رأيته إلى زوال، أما ما هو حسي فذاك عين الحقيقة لأن الوجدان و الفؤاد قطبان متداخلان لا يتفارقان، و الفؤاد وعاؤه القلب الذي إذا استفتيته لا يخذلك و هو أيضا له ذاكرة أقوى من ذاكرة العقل؛ لأنه يرتبط بالأحاسيس والشعور. لهذا يمكن القول أن الوجدان يملك قوة لتحريك القضايا أكثر من غيره من الحواس.

المحور الثاني: الفلسفة الوجودية وإدارة الألم (من وحي الليالي العاتيات)
* كتبتِ بوعي ناضج: “لا حتميات في الهم والغم، ولا سرمدية في الهناء والرغد”. كيف صاغت تجارب الحياة هذه الفلسفة المتوازنة لدى سهام بنشيخ؟
– سؤال في غاية الأهمية. من خلال تجاربي في الحياة الإنسان هو محرك الحياة والكون وهو مصدر قوتها. و ما الكون بعظمته إلا صورة مصغرة لقوة الإنسان و ترجمة لبعض كمونه؛ إذن لا حتمية في الهم و الغم التي يستطيع هذا الإنسان تخطي العقبات بالصمود و أيضا لا سرمدية في الهنا، لأن المعاناة هي رحم النجاح.
* ما هو المفهوم الحقيقي لـ “تاج الطمأنينة” الذي يتوج به الصابر في نظركِ؟ وكيف يختلف عن الاستسلام؟
– ما أروع هذا السؤال حقا، ما هو مفهوم الطمأنينة؟..الطمأنينة عندما أكون أنا بالذات كذات منبع السعادة والأمان ، فلا أجعلها بيد الآخر الذي هو غيري لا أستطيع مسايرة ظروفه أو فهم ما بداخله و لست مسؤولا عنه أنا كإنسان مسؤول عن نفسي إذن، بقوتي أنا الكامنة مع صبري غير المحدود الأمان و الآخر ليس أنا لا يطابقني و لا أتحكم كينونته.
* قلبتِ موازين الحزن بعبارة “سينبلج فجر الفرج”؛ هل الكتابة والشعر هما أداتكِ الشخصية لشق عتمة “الليالي العاتيات”؟
– نعم الكتابة بصفة عامة شعرًا كانت أو نثرًا ،هي أداتي شخصيا لتحد أي صعوبات التي التي و الحمد لله تصبح فجرا بدل العتمه.
* في خواطركِ، تكررين ثنائية التداول الإنساني (يَسْلم ويُسلّم، يتعلم ويُعلم). كيف يمكن للإنسان أن يتحول من مرتبة “المتعلم” من الصدمات إلى “المعلم” لغيره؟
– أولًا: جبل الإنسان على التعلم والتعليم. فبسجيته ينقل و يترجم تجاربه للآخرين؛ فيكتشف أنه لا زال يتعلم.
* صرختِ في نهاية مقطوعتكِ: “إنها الدنيا”. هل هذه الجملة تمثل إعلان تصالح وقبول، أم تنهيدة تعجب من تقلبات هذا الوجود؟
– تصالح و اعتراف بتقلبات الدنيا نتقبلها برحب صدر بعدة الصبر ، العزيمة و الإقدام.
المحور الثالث: أدوات الكتابة والجماليات البلاغية (صنعة الحرف)
* تميلين في نصوصكِ إلى توظيف الجناس والمزاوجة اللفظية الذكية (مثل: حبر ومحبرة، يسلم ويسلم). كيف تولد هذه الموسيقى الداخلية في مخيلتكِ؟
– عندما يصدق الشاعر في وجدانه، تسخر له اللغة بإيقاعها الموسيقي متجانسًا مع إيقاع الفؤاد والعقل.
* هل تولد القصيدة عندكِ من فكرة ذهنية وفلسفية تبحثين لها عن قالب شعري، أم من دفق عاطفي مفاجئ يفرض كلماته؟
– إني أزواج بين العاطفة و الفلسفة دون قصد؛لأنني لن أتغاضى عن عاطفتي التي يخاطبها عقلي.
* وصفتِ الشعر ذات مرة بأن أصْدقه هو “التعبير عن جواهر الشعور”. أين تقف المسافة بين عاطفة الشاعرة الذاتية وبين القناع الموضوعي الذي ترتديه في القصيدة؟
– المسافة بين عاطفتي و بين القناع الموضوعي، هي ذلك التفاعل مع المحيط الكوني والمجتماعاتي في قالب عاطفتي التي تمثل ذاتي التي لا يمكن الانسلاخ عنها.
* نلاحظ صبغة صوفية خفيفة في نصوصكِ (عطر المناجاة، ابتهال، طهر بؤبؤ العين). ما مدى تأثر تجربتكِ بالأدب والروحانيات الصوفية؟
– أولا ما هي الصوفية؟ رؤية الشخصية للصوفية، هو الإخلاص التام لكل ما هو روحاني وصفا القلب من كل ما يشوبه من حقد أو غل. وهو اعتراف حقيقي لضعفي البشري والقدرة الإلهية.
* بين الخاطرة النثرية المركزة والقصيدة الفصيحة العمودية أو الحرة؛ أين تجد سهام بنشيخ مساحتها الأرحب للتعبير دون قيود؟
– بين الخاطرة النثرية المركزة والقصيدة الفصيحة العمودية أو الحرة؛ أين تجد سهام بنشيخ مساحتها الأرحب للتعبير دون قيود؟
* من خلال دوركِ في “مجموعة الصقر العربي الثقافية”، كيف ترين أهمية التكتلات الأدبية العربية العابرة للحدود في زمن التباعد الجغرافي؟
– مجموعة الصقر العربي أن تكلمت عنها فهي فخر لكل الشعوب العربية فقد استطاعت التوحيد بين الشعوب العربية و ليس فقط المغاربية ناهضة بالثقافة العربية.
* هل نجح برنامج أنغام شعرية في إعادة النبض للمواهب المغمورة، وما هي أبرز التحديات التي تواجه البرامج الثقافية الرقمية اليوم؟
– برنامج أنغام شعرية هو ملتقى للرواد حيث الإبداع.
* من خلال دوركِ في “مجموعة الصقر العربي الثقافية”، كيف ترين أهمية التكتلات الأدبية العربية العابرة للحدود في زمن التباعد الجغرافي…؟
– أهمية التكتلات الأدبية العربية هي ذخيرة وإضافة للمكتبة العربية أولا وتلاقح ثقافات الشعوب ثانيا.
* كيف توافق الشاعرة سهام بين عزلة الإبداع والكتابة، وبين متطلبات الإدارة الثقافية والظهور الإعلامي والتفاعل اليومي مع الجمهور؟
بالنسبة لي كشاعرة القصيدة ابنة لحظتها عندما يأتيني الإلهام أكتب في أي وقت و في أي مكان.
* إذا أردنا إطلاق تسمية على مشروعكِ الأدبي القادم، فما هو العنوان الذي يختمر في عقل سهام بنشيخ حالياً؟
– المشروع الأدبي القادم هو الإبحار في ثقافات الأزمنة الغابرة ، مدى تأثيرها علينا و انغماسنا فيها و حدود درسها درس ثوب قديم.
* ما هي النصيحة أو “الوصفة الروحية” التي تقدمينها للشعراء الشباب الذين تعصف بهم “الليالي العاتيات” في بداية مشوارهم؟
– أن تكون شاعرا ناجحًا يجب أن تكون متجلدا، صبورا لا اكتفي بالإرادة بل تتحلى بالعزيمة والإقدام. أن تكون أول من يؤمن بنفسك، ولا تنصت لمن يريد أن ينهي مسيرتك قبل بدايتها. أن تقرأ كثيرا. وهنا لا أقصد القصائد بل الكثير من الأجناس الأدبية، الكتب اللغوية، وكتب تزيد من رصيدك المعرفي والثقافي كي تسخرها للتعبير عما تحب. أن تدب في أعمالك الأدبية روح الابداعية وبصمتك الخاصة.
* هل سنرى للشاعرة سهام بنشيخ قريباً ديواناً مطبوعاً يجمع شتات هذه الدرر والخواطر الرقمية؟
– إن شاء الله- سيكون في القريب ديوان مطبوع، و أيضا رواية.
* ما هي القصيدة التي كتبتِها وشعرتِ أنها تمثلكِ تماماً، أو أنها “المرآة الصافية” لروحكِ؟
– لم أكتب بعد القصيدة التي تمثلني تمامًا بعد ،بل أنا أنتظر من القصيدة أن تكتبني.
* أخيراً.. لو قُدّر للحرف أن يتكلم بلسان الشاعرة سهام بنشيخ في كلمة واحدة تلخص رسالتها للدنيا، فماذا سيقول؟
– رحلة.