مستشار وزير التربية لـ«التآخي»: نريد تعليماً يفتح أبواب المستقبل ولا يكتفي بمواكبة الحاضر
الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
لم يعد تطوير قطاع التربية والتعليم في إقليم كوردستان مرتبطاً ببناء المدارس وتوفير المقاعد الدراسية فحسب، بل بات مشروعاً متكاملاً يجمع بين البنية التحتية الحديثة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتطوير المناهج، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتوفير بيئة مدرسية ملائمة للطلبة.
ومع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027، اتجهت الأنظار إلى قطاع التربية بوصفه أحد القطاعات الأساسية في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الإقليم، لاسيما بعد إعلان الحكومة عن افتتاح عشرات المباني الجديدة للمدارس ورياض الأطفال، إلى جانب مشاريع أخرى تتعلق بالطاقة النظيفة والرقمنة والمناهج الدراسية.
وفي هذا السياق، أجرت «التآخي» هذا الحوار مع الأستاذ برهان أركوشي، مستشار وزير التربية في حكومة إقليم كوردستان، للوقوف على أبرز نشاطات وزارة التربية، وما تحقق خلال المرحلة الماضية، والخطط الموضوعة للمرحلة المقبلة.
التآخي: بدايةً، كيف تقرأون انطلاق العام الدراسي الجديد 2026–2027؟
برهان أرگوشي:
انطلاق العام الدراسي يمثل مناسبة تربوية ووطنية مهمة، لأنه لا يتعلق بعودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة فقط، وإنما يمثل بداية مرحلة جديدة من العمل والتطوير في المؤسسات التعليمية.
وقد حظي انطلاق العام الدراسي هذا العام باهتمام حكومي واضح، حيث قرع رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني جرس انطلاق العام الدراسي الجديد في أربيل يوم 20 أيلول 2026، بالتزامن مع الإعلان عن إنجاز وافتتاح 36 مبنى جديداً لرياض الأطفال والمدارس الحكومية التابعة لوزارة التربية.
وهذا الاهتمام يؤكد أن التربية والتعليم يقعان في مقدمة أولويات حكومة إقليم كوردستان، لأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان.
التآخي: ما أبرز ما تحقق في مجال البنية التحتية المدرسية؟
برهان أرگوشي:
شهد قطاع التربية خلال السنوات الأخيرة حركة واسعة في مجال بناء وترميم المدارس.
ووفق البيانات الرسمية عن عام 2025، تم افتتاح 30 مدرسة جديدة، مع وضع حجر الأساس لـ30 مدرسة أخرى، فضلاً عن ترميم 43 مدرسة في مدن وبلدات مختلفة من الإقليم. كما تم تجهيز 32 مدرسة بأنظمة الطاقة الشمسية، وتوفير 200 سبورة ذكية للمدارس.
وهذه المشاريع لا تنظر إلى المدرسة باعتبارها بناية فقط، وإنما باعتبارها بيئة متكاملة يجب أن تكون آمنة ومناسبة للطالب والمعلم.
التآخي: هناك تعاون مع مؤسسة بارزاني الخيرية، ما طبيعة هذا التعاون؟
برهان أرگوشي:
التعاون بين وزارة التربية ومؤسسة بارزاني الخيرية يمثل نموذجاً مهماً للشراكة في خدمة العملية التعليمية.
ومن أبرز المشاريع التي أُعلن عنها مؤخراً ترميم 15 مدرسة في محافظات الإقليم، إلى جانب مشروع توفير 170 ألف مقعد دراسي، بما يوفر احتياجات أكثر من 340 ألف طالب وطالبة بحسب الأرقام المعلنة للمشروع.
ولا تقتصر مساهمة المؤسسة على ترميم المدارس أو توفير المستلزمات، وإنما شملت أيضاً دعم تدريب وتطوير قدرات الكوادر التربوية، حيث أُشير إلى تدريب 1,515 معلماً وموظفاً من وزارة التربية.
ونحن في وزارة التربية نثمّن كل جهد يساند المدرسة والمعلم والطالب، ونشكر مؤسسة بارزاني الخيرية وشركاءها والمتطوعين على هذه المساهمات.

التآخي: ماذا عن حجم نشاط مؤسسة بارزاني الخيرية في المجال التربوي؟
برهان أرگوشي:
الأرقام التي عُرضت خلال المؤتمر الخاص بالمشاريع التربوية تعكس اتساع نطاق العمل؛ فقد أُعلن عن تنفيذ 42 مشروعاً و2,033 نشاطاً تربوياً، استفاد منها نحو 486,680 شخصاً، وبكلفة إجمالية معلنة بلغت أكثر من 19 مليار دينار عراقي.
وهذا النوع من التعاون مهم للوزارة، لأن تطوير التربية مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمؤسسات والمنظمات والشركاء المحليين والدوليين.
التآخي: وزير التربية أكد أن التعليم يجب أن يواكب الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. ماذا يعني ذلك عملياً؟
برهان أرگوشي:
العالم يتغير بسرعة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحا جزءاً من الحياة اليومية ومن مستقبل سوق العمل.
لذلك فإن التعليم لا يستطيع أن يبقى بالأساليب التقليدية وحدها. نحن بحاجة إلى تعليم يهيئ الطالب للمستقبل، وليس فقط لتحديات الحاضر.
وقد عملت وزارة التربية على مجموعة من المشاريع الرقمية، منها منصات التقييم الإلكتروني، والمدرسة الرقمية، ورقمنة ترجمة الوثائق والشهادات، ومنصة «مدرستي»، إضافة إلى منصة المقارنة المعيارية.
وقد أظهرت بيانات حكومة الإقليم أن عام 2025 شهد إطلاق خمس منصات رقمية مرتبطة بتطوير الخدمات التعليمية ومتابعة الطلبة وتقييم الأداء.
التآخي: وهل وصل التحول الرقمي إلى داخل الصف الدراسي؟
برهان أرگوشي:
نعم، هناك توجه واضح نحو جعل الصف الدراسي أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا.
فتوفير الكهرباء بصورة مستقرة، وتزويد المدارس بالسبورات الذكية وأجهزة العرض، واستخدام المنصات الإلكترونية، كلها عناصر تساعد المعلم والطالب.
كما أن مشروع «روناكي» للكهرباء على مدار 24 ساعة له انعكاسات مباشرة على المدارس، لأن استقرار الكهرباء يتيح استخدام الوسائل التعليمية الحديثة بصورة أفضل.
ومن هنا يمكن القول إن مشاريع البنية التحتية العامة لا تعمل بمعزل عن قطاع التربية، بل إن تأثيرها يصل مباشرة إلى المدرسة والطالب والمعلم.

التآخي: وماذا عن الطاقة الشمسية في المدارس؟
برهان أركوشي:
الطاقة النظيفة أصبحت جزءاً مهماً من رؤية تطوير المدارس.
وقد تم تجهيز عدد من المدارس بأنظمة الطاقة الشمسية، إذ تشير البيانات الرسمية إلى تجهيز 32 مدرسة بالطاقة الشمسية خلال عام 2025، بالتعاون مع مؤسسة بارزاني الخيرية ومنظمة اليونيسف.
وهذا المشروع يحمل جانبين؛ الأول توفير مصدر مستدام للطاقة، والثاني نشر ثقافة الاعتماد على الطاقة النظيفة بين الطلبة والأجيال الجديدة.
التآخي: من المشاريع التي تحظى باهتمام كبير مشروع تحديث المناهج. ماذا تحقق بهذا الجانب؟
برهان أركوشي:
تطوير المناهج من الملفات الأساسية في وزارة التربية.
لا يمكن أن نبني مدرسة حديثة ونستخدم التكنولوجيا الحديثة، بينما تبقى المناهج بعيدة عن احتياجات الطالب والمجتمع وسوق العمل.
ولهذا تعمل الوزارة على مراجعة وتحديث الكتب والمناهج الدراسية، وقد شهد عام 2025 مراجعة 22 كتاباً مدرسياً للعام الدراسي 2025–2026، مع طباعة أكثر من 22 مليون كتاب المدرسي
والهدف هو أن يكون المنهج أكثر ارتباطاً بالمهارات والمعرفة الحديثة، وأن يساعد الطالب على التفكير والتحليل والإبداع، وليس الحفظ فقط.
التآخي: هل هناك توجه لإدخال الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر في العملية التعليمية؟
برهان أركوشي:
الذكاء الاصطناعي سيكون من الملفات المهمة في مستقبل التربية.
لكن إدخاله إلى التعليم يجب أن يكون مدروساً ومنظماً، بحيث يستخدم كأداة تساعد الطالب والمعلم ولا تلغي دور المعلم.
نريد أن يتعلم أبناؤنا كيفية التعامل مع التكنولوجيا، وكيفية الاستفادة منها في البحث والتعلم والإبداع، مع الحفاظ على القيم التربوية والإنسانية.
التآخي: ماذا عن المعلم والكوادر التربوية؟
برهان أركوشي:
المعلم هو أساس العملية التعليمية، ولذلك فإن أي مشروع لتطوير التعليم لا يمكن أن ينجح من دون تطوير قدرات المعلمين.
وزارة التربية تولي أهمية للتدريب والتأهيل المستمر، وهناك تعاون مع المؤسسات والمنظمات لتنفيذ برامج تدريبية وتطوير مهارات الكوادر.
فالمدرسة الحديثة تحتاج إلى معلم يمتلك المعرفة التخصصية، وفي الوقت نفسه يستطيع استخدام التكنولوجيا والوسائل التعليمية الحديثة.
التآخي: مشروع «حسابي» وصل إلى قطاع الموظفين، كيف انعكس ذلك على المعلمين؟
برهان أركوشي:
التحول من استلام الرواتب نقداً إلى النظام المصرفي يمثل خطوة مهمة في الإصلاح الإداري والمالي.
مشروع «حسابي» بدأ كبرنامج للتحول الإلكتروني في دفع الرواتب، وأعلنت حكومة الإقليم في أيلول 2026 وصول المشروع إلى مرحلة استفاد فيها نحو مليون مواطن من متقاضي الرواتب من الدفع الإلكتروني عبر المصارف الشريكة والمعتمدة.
وبالنسبة إلى الكوادر التربوية، فإن هذا النظام يخفف الإجراءات التقليدية ويوفر للموظف حساباً مصرفياً خاصاً به، بما ينسجم مع التحول الرقمي الذي تشهده مؤسسات الإقليم.
التآخي: كيف تنظرون إلى مشروع «رووناكي» وأثره في المدارس؟
برهان أركوشي:
الكهرباء عنصر أساسي في التعليم الحديث.
عندما تتوفر الكهرباء بصورة مستقرة، تستطيع المدرسة استخدام السبورات الذكية وأجهزة العرض والحواسيب والوسائل الرقمية بصورة أفضل.
ولهذا فإن مشروع «رووناكي» لا يمثل مشروعاً خدمياً فقط، بل له انعكاس مباشر على القطاعات الأخرى، وفي مقدمتها التربية.
التآخي: ماذا عن توفير المياه الصالحة للشرب في المدارس؟
برهان أركوشي:
البيئة المدرسية الصحية جزء لا يتجزأ من جودة التعليم.
ومن هنا فإن مشاريع المياه والصرف الصحي والطاقة والنظافة المدرسية تدخل ضمن مفهوم المدرسة الحديثة، وليس المطلوب فقط أن يكون لدينا صف دراسي، وإنما بيئة آمنة وصحية ومناسبة للطالب.
التآخي: هل هناك اهتمام بالمشاركة في التقييمات الدولية مثل PISA؟
برهان أركوشي:
نعم، وهذا ملف مهم لقياس مستوى النظام التعليمي وفق معايير دولية.
وقد ناقش مجلس وزراء إقليم كوردستان استعدادات وزارة التربية للمشاركة في برنامج PISA، الذي يقيس مهارات الطلبة في القراءة والرياضيات والعلوم، بهدف التعرف إلى نقاط القوة ومجالات التطوير في النظام التعليمي.
المشاركة في مثل هذه التقييمات تمنحنا فرصة لمعرفة موقع نظامنا التعليمي مقارنة بالمعايير الدولية، والأهم هو الاستفادة من النتائج في تطوير العملية التعليمية.
التآخي: كلمة أخيرة للطلبة والمعلمين مع بداية العام الدراسي الجديد؟
برهان أركوشي:
رسالتنا إلى أبنائنا الطلبة هي أن التعليم ليس مجرد شهادة، وإنما هو الطريق إلى بناء الشخصية والمستقبل.
ورسالتنا إلى المعلمين هي أن دورهم يتجاوز نقل المعلومات؛ فهم شركاء أساسيون في بناء الجيل الجديد.
أما رسالتنا إلى أولياء الأمور، فهي أن المدرسة والأسرة شريكان في التربية، وكلما كان التعاون بينهما أقوى، كانت نتائج أبنائنا أفضل.
نحن نريد تعليماً يفتح أبواب المستقبل، ولا يكتفي بمواكبة الحاضر، ونريد أن تكون مدارس إقليم كوردستان بيئة للعلم والإبداع والتكنولوجيا والتعايش.
⸻
التربية في إقليم كوردستان بالأرقام
تشير أحدث البيانات الحكومية المنشورة عن قطاع التربية إلى أن عدد الطلبة بلغ 1,827,572 طالباً في أكثر من 7,500 مدرسة حكومية وخاصة، فيما بلغ عدد المدارس المسجلة في البيانات 7,585 مدرسة. كما شهد عام 2025 عودة 8,836 طالباً متسرباً إلى الدراسة.
وفي مجال البنية التحتية، تم خلال 2025 افتتاح 30 مبنى مدرسياً جديداً، ووضع حجر الأساس لـ30 مبنى آخر، وترميم 43 مدرسة، فضلاً عن مشاريع الطاقة الشمسية والسبورات الذكية.
ومع بداية العام الدراسي 2026–2027، أُعلن رسمياً عن إنجاز وافتتاح 36 مبنى جديداً لرياض الأطفال والمدارس الحكومية.
وتكشف هذه الأرقام عن مسار متواصل يجمع بين بناء المدارس، وتطوير المناهج، ورقمنة الخدمات، وتدريب الكوادر، وإدخال التكنولوجيا والطاقة النظيفة إلى البيئة التعليمية.
خلاصة التحقيق
بين جرس المدرسة الذي أطلق العام الدراسي الجديد، والمناهج التي يجري تحديثها، والمنصات الرقمية التي تتوسع، والمدارس التي تدخل إليها الطاقة الشمسية والسبورات الذكية، يبدو أن الرهان في قطاع التربية يتجه تدريجياً من مفهوم «توفير التعليم» إلى «تطوير نوعية التعليم».
ويبقى التحدي الأكبر أمام المؤسسات التربوية هو تحويل المشاريع والأرقام إلى نتائج ملموسة داخل الصف الدراسي، بحيث يشعر الطالب والمعلم وولي الأمر بأن المدرسة أصبحت أكثر جودة، وأكثر ارتباطاً بمتطلبات العصر، وأكثر قدرة على إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارات التي يحتاجها المستقبل .