حوار:عطا درغام
في فضاء الأدب الرقمي المعاصر، تصعد لغة متخففة من القيود التقليدية لكنها مثقلة بالهوية والشجن الإنساني. تقدم الشاعرة السورية د. جاكلين راعي تجربة شعرية لافتة، تمتزج فيها تفاصيل الحياة اليومية البسيطة بالرموز التاريخية الضاربة في عمق التراث العربي والسوري. عبر قصيدة النثر والخواطر الوجدانية، تبني الكاتبة جسوراً من اليقين العاطفي في زمن الشتات، جاعلة من “الحرف” ملاذاً أخيراً لتوثيق المشاعر وحمايتها من التلاشي. في هذا الحوار، نسبر أغوار عوالمها الإبداعية من خلال خمسة محاور أساسية شكلت ملامح تجربتها الأدبية
المحور الأول: الوجداني والرومانسية الحالمة (طقوس التلاقي)
1.في نصكِ “اشربي معي”، تحولين تفصيلاً يومياً عادياً كشرب القهوة إلى طقس شعري لافت؛ كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تتحول إلى مساحات شاسعة من البوح؟
تسأل عن تحول طقس أوتفصيل صغير إلى حالة شعرية ،أخبرك أن ماحدث ليس إلالحظة شعورية وجدانية شعرت بها حيث يرتبط الوجدان بمجموعة من العواطف والتخيلات؛ أي صور ترسم نفسها.
2.هل ترين أن قصيدة النثر العاطفية اليوم قادرة على سد الفجوة التي تركتها الكلاسيكية في التعبير عن الشوق الحقيقي؟
القصيدة النثرية ملونة ،وترسم لوحات. ولديها قدرة على سبك نفسها ،وإيجاد طريق متناغم مع الكلاسيكية .الشعر أيها المحاور الذكي لاتسد فراغًا، بل هي شريك للقصيدة الكلاسيكية طالما هي جمالية ،تلامس القلب وأوجه لك سؤال يبين الجواب.. هل باللغات العالمية قصائد تشابه الشعر العمودي…؟ إذا هناك شعر حي كما النثر، أو قصيدة النثر.أنا شخصيا أحب الإنفلات من القيود؛ ليصبح الحدث العاطفي أعمق.
3.في مناجاتكِ للآخر، تبدو النبرة حميمية وقريبة جداً من القارئ؛ كيف توازنين بين خصوصية مشاعركِ الذاتية وعمومية النص ليتفاعل معه الآخرون؟
حين تصب داخلك وبصدق؛ فإنك تشاركه الآخروتنتقل به من الخاص إلى العام ،وترى الموضوعات قد انتقلت تدريجيًا إلى صور بعيدة عن الخصوصية ؛كأن ترى تعب فلاح أوعرقه أو نبله إلى قضية عاطفية، وهم يشاركك وجع القصيد . وهذا ،ماتراه لدي في حالة الانتقال، وأحيانًا ترجع القصيدة لتأخذ مسارها الخاص.

4.متى تصبح العاطفة في قصائدكِ ملاذاً من الواقع، ومتى تكون مواجهة حقيقية معه؟
تصبح ملاذًا واقعيًا حين تلامس قلب المستمع القارئ، ويشعر بها وجميعها ،مهما ارتفعت جذرها راسخ ،وحين تحلق في مداها الفلسفي ،تكون قد تميزت بالبعد الروحي أو الرمزي.
5.الرموز الرومانسية في نصوصكِ دافئة وغير معقدة؛ هل تتقصدين البساطة اللغوية للوصول إلى قلوب المتلقين دون حواجز؟
لاأتقصد بساطة ،ولاتعقيد .هي عندي ليست صناعة أؤكد إنها؛ أي القصيدة فتاة برية جميلة تخلق نفسها وتعطي لنفسها هوية ،حتى لو كانت مغتربة تتذكر بعدها وجذرها ،وهي حميمية للقارىء .أعلم لأنها فتاة لائقة وبهية تشاطرهم الجمال والبساطة .وحتى التعقيد ترسمه نفسها أقصد القصيدة.
المحور الثاني: الهوية والانتماء السوري (شجن الجذور)
هي حكاية شجن وعشق سوري قديم، اعتدته حين علمت الملكية في بلادي يتقنه القصيد؛ ليضعني في حالة شجن أنا الملوك هم من حملوا ألواحهم ؛ليتعلموا ويعلموا أنا وقصيدتي نعشق هذاالمجد السوري ومجد الحرف الأول، وأشعر أن وعدا وضعه الرب عندي أن أبقى أميرة سورية تلعب بالموج تسطر وتمحو ولن تمل.
6.تبدأين بعض نصوصكِ بعبارة “سوريا بخاطري الغض الجميل”؛ ما الذي يمثله مفهوم “الخاطر الغض” لبلد يمر بكل هذه التحولات؟
سوريا اسم ببلدي وعنوان النصوص هي البداية، وسوريا إذاعنوت أم لا هي شريكة حقيقية ،ونحن لاننكر حتى لو لم تكن معافاة لأني ابنة التجدد الذي لايزول ،ونحن شعب ننهض دائما ،وهذا سر استمراريتنا .نحن لسنا تاريخ مؤقت في تاريخ الشعوب بل صانعوه.
7.كيف توظفين الشجن والحنين في قصائدكِ دون السقوط في فخ البكائية التقليدية على الأطلال؟
من لايبكي ليس بشاعر ،وأصرخ ويستفزني من لايقدر حضارتي الجميلة .وبكائي يكتب ؛ليؤرخ غناء يبهر الدمع. لذلك تراه اتقاد
ونبلا، وليس وقوفا على الأطلال وانتحاب ،بل هو رفع كاس وانتخاب.
8.يمتزج وجع البلاد في نصوصكِ بوجع الذات؛ هل تعتقدين أن الشاعر السوري اليوم مجبر على حمل وطنه في الحرف أينما حل؟
ليس مجبر ..هذا دمنا لم نقف يوما على الحياد، بل حملناه حرفًا ومعولًا ومنجل ودين ورسم ونحت وفلسفة كونية، وأحيانًا صلوات
بسيطة .. لسنا مجبرين.. أكررها ..هذا دمنا.
9.كيف تنعكس ملامح الأرض والأمكنة السورية في ذاكرتكِ الإبداعية حين تشرعين في كتابة نص جديد؟
القصيدة تختار مكان ولادتها وجغرافيتها، وأتنقل معها كضيف.حيث تشرع لقلبها ثم يبدأ المنعكس الثقافي لهذا المخزون الفكري العميق الراسخ في ثقافتي، التي تجاوزت حدود الجغرافيا .وقلت لك الصورة الشعرية تفعل ماتشاء؛ لتأخذني إلى جذوري العالقة بالطين.
10.هل يمكن للشعر أن يعيد بناء ما هدمه الواقع في الوجدان الإنساني السوري؟
نعم، الشعر مرآة عاكسة في بناء الإنسان، ويكون له دورفي ترميم الانهدام النفسي ،وخاصة الذي عاشه الإنسان العربي.. ﻻ أن الشعر هو صراخ ،وهو غناء مكلوم وإعادة أمجاد.
المحور الثالث: الرمزي والتاريخي (الاستدعاء التراثي)
11.استدعاؤكِ لشخصيات تراثية مثل “كليب والزير” في نص “يشقيني” يمنح قصيدة النثر بعداً ملحمياً؛ كيف تختارين هذه الرموز لتخدم الفكرة الوجدانية المعاصرة؟
هذا وجدان ممتد في بنائي الثقافي والحضاري ،ولايمكن فصلي عنه ..هذا جزء من هويتي الإنسانية ،وأشير عليه بالبنان ،وهؤلاء ملوك أوائل وأعتز بهم.
12.هل يمثل التاريخ في نصوصكِ قناعاً للتعبير عن صراعات الحاضر، أم أنه مجرد إرث جمالي تثري به القصيدة؟
قد يكون باللاشعور مرة إثراء جمالي ،ومرة يخدم المعاصر.لكن ،هذا يحدث دون تخطييط، القصيدة تستدعي أدواتها، وتكمل نفسها بافتراش المداد.

13.يرى البعض أن إدخال الرموز التاريخية يثقل كاهل النص النثري؛ كيف تجعلين هذه الشخصيات التراثية تتحرك بسلاسة ورقة داخل فضائكِ الشعري؟
يخرج باذخا ،قائم على الجمال؛ لأن الرموز تكون بهية ،وتأخذدمها من روح القصيد .لذلك تأتي بهية شفافة، وتتحول من رمز إلى شريك.
14.ما الذي تضيفه الأسطورة السورية القديمة لقصيدتكِ المعاصرة مقارنة بالرموز العربية العامة؟
الأسطورة امتداد فكري وحضاري وفلسفي في عملية الخلق، وامتد النسيج الديني غير المنفصل؛ ليشكل هويتي العقائدية الرائعة.
15.هل تشعرين أن القارئ الرقمي اليوم يملك الشغف لتفكيك الرموز التاريخية التي تضعينها بين السطور؟
القارئ الرقمي قارئ بارع ،ومتاح أمامه ثقافة واسعة ،وجعلت الأداة الإلكترونية أداة طيعة وسهلة .مثال واقعي، هناك باحث ومؤرخ سوري عاشق لأوغاريت أغنى النصوص التاريخية لهذه المدينة حتى جعلها هوس للقارئ. ..وهناك الكبيرخزعل الماجدي الذي أبدع في دراسة الأسطورة.
المحور الرابع: الاغتراب والشجن الإنساني (البحث عن الذات)
كل إنسان في حالة اغتراب هي أسميها كالتجربة، وخاصة عند المثقف العربي أو غير العربي .هناك ماأسميه بعمق التجربة الشعورية في وجود الشاعر وإحساسه بأن الثقافة الوجودية حالة متحركة غير ثابتة،وهذا مايجعل المفكر أو الشاعر بعدم استتقرار
أو خمول هذا القلق الوجودي هام في خلق ثقافة جديدة، تكون على حساب المثقف الذي يعيش مرارة الإرتحال الفكري.
16.كتبتِ ذات مرة: “أمانيكِ بعيدة كالحلم الفاتن”؛ كيف يتعايش الشاعر مع أمانيه حين تظل معلقة في فضاء الحلم؟
ليست قضية تعايش اسمها أحلام، وهنا تكمن جمالية الارتقاء المعلق كنجمة والواقع نجمله صعودا ؛كي يتحول إلى أمل. هكذا يعيش الشاعر، مابين الواقع والحلم الباهي كنجم.
17.نبرة الحزن في قصائدكِ تبدو نبيلة وهادئة وليست يائسة؛ كيف تصنعين من الحزن طاقة إبداعية ملهمة؟
لايصنع الإبداع إلا من وجع يتحول بين مداد الحبر إلى نبل، لذلك نرى الشعر جمال.. ماذا لوكانت قصائدنا مليئة بالحقد..؟ هل سيكون شعرا ..؟ الجمال هو فقط من يكتب عالمنا ،وهناك قضايا وحوديةتستدعي الغضب ،ولكن ليس دائمًا . الشعر كشعر كالمسيح لايحتمل إلا الحب.
18.الاغتراب ليس مجرد مسافات جغرافية؛ كيف يتجلى اغتراب الذات والروح في نصوصكِ النثرية؟
يتجلى في البحث عنها ؛لان النفس دائمًا في حالة هلع للبحث.. الحب والحبيب والفقد التي تربط المشهد ،وهي حالة تحريضية للاستمرارية.
19.وسط عوالم متباعدة وشتات إنساني، ما هو الخيط الرفيع الذي يربط بين نصوصكِ ليجعلها تبدو كلوحة واحدة ممتدة؟
أنا ارسم القصيدة ،وهذه نفسي وأنا اقرأ الفن التشكيلي .وهذا مؤثر قوي مرتبط بالألوان الطبيعية إلى ألوان الرسامين؛ فأرسم معهم في لوحة واحدة ..وهذا ماحدث مع الدكتور رياض الدليمي التشكيلي العراقي، والسوري حمودي شنتوت والمصري وجدي أنور هؤلاء تجربتهم اللونية أثرت في كتابة القصيدة اللوحة؛ إضافة للوحات التي تبدعها الطبيعة وهذا أهم ؛لأنني ابنة براري أشتم اللون وأرسمه كلمة.
20.كيف تواجهين الخيبات الواقعية من خلال التمسك بجمالية الحلم الفاتن في نصوصكِ؟
لكل مفكروشاعر خيبات وجماليات، ومهما حدث لايستطيع أي حدث هزيمة شاعر ؛لأنه سوف يرسم حلمه ويستطيع أن يعيشه.
21.عندما تصفين قصيدتكِ بأنها “المطرزة بياقوت الحرف”؛ هل تعاملين الكلمة كجوهرة تحتاج إلى صقل دائم قبل النشر؟
الجواهرالمطرزة، نعم هي كل الدرر لاأجملها لأنها هي جوهر ولب القصيد.
22.إصراركِ على توثيق نصوصكِ بكلمة “بقلمي” في العناوين؛ هل هو دفاع عن الملكية الفكرية في الفضاء الرقمي، أم اعتزاز بفعل الكتابة نفسه؟
أعتقد قلمي له نكهة وخاصية وتفرد ،هو فعل اعتزاز. وأيضا توثيق، وأنا أعشق ماأخط وهذا حبري النبيل لي.
23.متى يتحول الحرف من أداة للتعبير إلى “ملاذ آمن” يختبئ فيه الشاعر من صخب العالم؟
حين يتحول إلى نص شعري، تتحول القصيدة إلى أنثى لانخجل من التباهي ومن الحب،والاشتياق هي صوت الداخل أرفعه بجرأة ؛لأنها هويتي.
24.كيف تختارين اللحظة المناسبة لتتحول فيها الخاطرة العابرة إلى نص نثري مكتمل الأركان؟
انتظر قلبي حين يأمرني
25.في رأيكِ، هل أنصف الفضاء الأزرق (منصات التواصل) قصيدة النثر النسائية، أم أنه جعلها عرضة للقراءات السطحية؟
يحدث هذا، لكن في هذا الفضاء الرائع تعلمت أنه ساعد في اتساع الانتشار. وهناك نقاد وأكاديميات ساهمت في قراءة النص وأنا لاأسمي قصيدة نسائية ولا ذكورية. هناك فقط قصيدة هي من تتكلم ،والفضاء الأزرق عرفني بشخصيات وقامات كبيرة.