الباحث السياسي/ راگر بابیري
المبادئ والأبعاد التاريخية والقانونية
في العالم السياسي المعاصر يُعد نموذج بريطانيا واسكتلندا واحداً من أنجح نماذج تقاسم السلطة حيث تستطيع دولة موحدة من خلال القوانين والآليات الدستورية حماية حقوق أمة ذات خصوصية داخل إطار الدولة نفسها.
وقد بُنيت هذه المعادلة بشكل أساسي على مبدأ التفاهم الوطني إذ تقر لندن بأن اسكتلندا تمتلك تاريخاً وهوية خاصين بها.
تقدم هذه النقطة للعراق طريقاً نحو الحل إذ ينبغي لبغداد أن تدرك أن إقليم كوردستان ليس مجرد محافظات في شمال البلاد ، بل هو كيان سياسي وقومي وأن وجوده يعزز قوة النظام الفيدرالي في العراق وبهذا الشكل يبدأ الحل السياسي في كوردستان من الاعتراف بشرعية الخصوصية كما تتعامل بريطانيا مع اسكتلندا.
ومن أكبر الدروس التي يمكن لإقليم كوردستان والعراق الاستفادة منها من لندن وإدنبرة هو تنظيم العلاقات من خلال القوانين وليس عبر الضغوط السياسية.
في بريطانيا يحدد قانون اسكتلندا بشكل واضح الصلاحيات التي تقع ضمن مسؤوليات إدنبرة والصلاحيات التي تبقى من اختصاص لندن وهذا يمنع وقوع أي صراع قانوني بين الطرفين.
أما في الواقع العراقي فإن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب قوانين واضحة مثل قانون النفط والغاز وفي النموذج الاسكتلندي يتم توزيع الإيرادات على أساس العدالة والحاجة بما يضمن حصول اسكتلندا على حصتها العادلة من الخزينة العامة دون أن تصبح كل عام عرضةً للصراعات السياسية.
إن تطبيق نموذج مماثل في العراق من شأنه أن يفصل مسألة معيشة مواطني الإقليم عن الخلافات السياسية وأن يجعل الاقتصاد قوةً مستقرةً تخدم جميع أنحاء البلاد.
الدور الدولي
في كل من نموذجي اسكتلندا وإقليم كوردستان يلعب العامل الدولي دوراً رئيسياً في الحفاظ على توازن القوى.
في بريطانيا، تخضع العلاقة بين لندن وإدنبرة لمراقبة المؤسسات الدولية وهذا يساهم في التزام الطرفين بالعملية الديمقراطية.
أما في واقع العراق وإقليم كوردستان فإن المجتمع الدولي يراقب استقرار الإقليم باعتباره جزءاً من استقرار منطقة الشرق الأوسط. إن دعم الأمم المتحدة وقوات التحالف للحوار الوطني يمثل نوعاً من الضغط الناعم شبيهاً بذلك الضغط الذي يمارسه المجتمع الدولي على بريطانيا من أجل حماية حقوق الأمم ويساهم هذا الدعم في جعل الاتفاقات السياسية التزامات دولية بحيث لا يستطيع أي طرف التراجع عنها بسهولة.
كذلك تُظهر التجربة الاسكتلندية أن أي إقليم في دولة فيدرالية يمكن أن يمتلك دبلوماسية محدودة تخدم مصالحه الاقتصادية والثقافية من دون أن يشكل ذلك ضرراً على سيادة الدولة.اسكتلندا لديها تمثيلات تجارية في عدد من الدول وهذا هو النموذج الذي ينبغي لبغداد أن تنظر إليه كفرصة لجذب الاستثمارات وليس كمحاولة للانفصال.
في نهاية هذه المقارنة، يتضح أن نموذج (بريطانيا–اسكتلندا) نجح لأنه بُني على أساس شراكة حقيقية.
إن تطبيق هذه المعادلة في العراق يحتاج إلى عقلية دولة تدرك أن الاختلاف، إذا تم تنظيمه بقانون عادل يمكن أن يصبح مفتاحاً للاستقرار والتنمية لكل العراق وإقليم كوردستان بشكل عام.