إقليم كوردستان والأمن المائي في قلب أزمة المياه.

د. أيوب گلالي

عندما نناقش مستقبل الشرق الأوسط غالبا ما يتركز الحديث على السياسة والأمن والنفط والصراعات المستمرة في المنطقة، لكن هناك موضوع آخر يتزايد تأثيره على حياة الناس واستقرار الدول وهو المياه.
لم تعد المياه مجرد مسألة تتعلق بتوفير مياه الشرب للمدن والقرى فحسب، ارتباطها بالزراعة والأمن الغذائي والاقتصاد والهجرة والاستقرار الاجتماعي جعل منها جزءاً مهماً من الأمن الوطني للدول، كما أن التنافس حول مصادر المياه وإدارتها أصبح له تأثير كبير على العلاقات بين الدول.
تتفاقم هذه المشكلة في الشرق الأوسط بسبب زيادة عدد السكان وتوسع المدن وارتفاع الطلب على الزراعة والصناعة ، بالإضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار وزيادة الجفاف، ومن الصعب تجاهل أن الأنهار والمصادر المائية لا تعترف بالحدود السياسية، مثال واضح على ذلك هو نهري دجلة والفرات والعديد من الأحواض المائية المشتركة بين دول المنطقة.
لذلك، يصعب التعامل مع موضوع المياه كمسألة فنية منفصلة عن السياسة، النزاعات حول دجلة والفرات، والقضايا المائية بين العراق وإيران، إضافة إلى النزاعات المتعلقة بحوض النيل تؤكد ان المياه أصبحت جزءا من الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية للدول.
في هذا السياق، يتميز إقليم كوردستان بموقعه الجغرافي ومصادره المائية، فهو يقع في منطقة حيوية ضمن نظام دجلة وروافده، ويتصل بتركيا وإيران، مما يمنحه ليس فقط الحق في الحصول على المياه وإنما أيضاً مسؤولية إدارة موارده وحمايتها وتعزيز قدرته على التخزين والاستفادة منها.
لذا يجب ألا تقتصر النظرة إلى المياه في إقليم كوردستان على سؤال كيف نوفر الماء للمواطنين بل يجب أن يكون السؤال الأوسع كيف نجعل إدارة المياه جزءاً من القوة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وحماية البيئة؟
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت حكومة إقليم كوردستان إلى التعامل مع المياه باعتبارها جزء من الأمن المائي والاستقرار المستقبلي، وليس مجرد ملف خدمي، وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة في سياسات رئيس الحكومة مسرور بارزاني، الذي دفع نحو تنفيذ مشاريع استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر المياه وتقليل الضغط على المياه الجوفية وتعزيز قدرة الإقليم على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية. ويأتي مشروع إمدادات المياه الطارئة في أربيل في مقدمة هذه المشاريع، إذ وضع رئيس الوزراء حجر أساسه وتابع مراحل تنفيذه، قبل افتتاح مراحله تباعا، وتبلغ طاقته نحو 480 ألف متر مكعب يومياً، ويعتمد على مياه الزاب الكبير، بما يسهم في توفير مصدر أكثر استدامة لمياه الشرب وتقليل الاعتماد على الآبار الجوفية، التي أصبح استنزافها أحد التحديات الرئيسة للأمن المائي في الإقليم، كما شملت هذه الرؤية مشاريع أخرى للسدود والبرك وشبكات مياه الشرب في مناطق مختلفة من كوردستان، بما يعكس توجها نحو بناء بنية تحتية مائية قادرة على حماية الموارد، وتأمين احتياجات السكان، وتعزيز قدرة الإقليم على مواجهة أزمات المياه مستقبلاً.
لكن قيمة هذه المشاريع لا تقاس فقط بعدد الأمتار المكعبة التي تصل للمنازل، بل تكمن أهميتها الحقيقية أيضاً في حماية المياه الجوفية التي تعتبر ثروة خفية ولكنها ضرورية للحياة في الإقليم.
على مدى سنوات عديدة اعتمدت العديد من المدن والقرى على الابار لتلبية احتياجاتهم المائية، ومع تناقص معدلات الأمطار وزيادة عدد السكان والتوسع العمراني والزراعي، ارتفعت الضغوط على المخزون الجوفي للمياه، المشكلة هي أن استنزاف المياه الجوفية قد لا يظهر بشكل فجائي فقد يبدأ بانخفاض تدريجي ثم تصبح الابار أعمق مما يزيد تكلفة استخراج المياه قبل أن تظهر آثار ذلك بشكل واضح على الزراعة والسكان.
لذا فان اغلاق أكثر من ألف بئر في أربيل بعد توفير مصادر بديلة يمكن اعتباره جزء من سياسة حماية المخزون الجوفي وليس مجرد تغيير وسيلة للحصول على مياه الشرب حيث أكدت الحكومة إخراج نحو 1100 بئر من الخدمة ضمن هذه السياسة.
مع ذلك، فإن بناء السدود والمشاريع المائية وحدها لا تكفي لحل المشكلة، يبدأ الأمن المائي بالتخزين لكنه يحتاج أيضاً لإدارة شاملة تشمل حماية الأحواض ومراقبة المياه الجوفية وتقليل الهدر وتحسين شبكات التوزيع واستخدام أساليب ري أفضل واختيار محاصيل مناسبة للظروف المائية.
هناك جانب آخر لا يقل أهمية في ملف المياه، يتمثل في معالجة مياه الصرف الصحي او ما يسمى بالمياه العادمة وإعادة استخدامها، فالمياه المستعملة لا ينبغي النظر إليها بوصفها نفايات تُهدر بعد استخدامها، بل يمكن أن تتحول بعد المعالجة إلى مورد إضافي يُستفاد منه في الزراعة والصناعة وعدد من الاستخدامات الأخرى.، وقد بدأت حكومة إقليم كوردستان بالفعل بتنفيذ مشاريع في هذا المجال، في خطوة تسهم في تنويع الموارد المائية وتقليل الضغط على المصادر التقليدية
أما بالنسبة للتغير المناخي فهو يضيف تحديات جديدة، فالمشكلة ليست فقط في كمية الأمطار بل أيضاً في توقيتها وطريقة سقوطها.، قد تمر أشهر بلا أمطار ثم تسقط كميات كبيرة خلال فترة قصيرة؛، وإذا لم نستطع جمع هذه المياه وإدارتها بشكل جيد فإن الكثير منها سيضيع دون الاستفادة منه.
لذلك يجب علينا التركيز ليس فقط على كمية المطر المتساقط بل أيضا على قدرتنا الاحتفاظ به.
هذا يقودنا للسدود والخزانات ولكنه يتطلب أيضا توجيه سياسي مناسب، لأن قضية المياه في إقليم كوردستان مرتبطة بالبيئة العراقية والإقليمية بشكل وثيق، ما يحدث في تركيا وإيران وسوريا يؤثر بدرجات متفاوتة على الأمن المائي للعراق الذي يحتاج لإدارة علاقاته بشكل أفضل مع جيرانه حول الموارد المائية.
لهذا السبب تبرز الحاجة لما يسمى بالدبلوماسية المائية، إذ يحتاج العراق وإقليم كوردستان للانتقال من التعامل مع المسائل عند حدوث الأزمات إلى بناء سياسات طويلة الأمد تستند إلى تبادل المعلومات والرصد المشترك والتخطيط والتفاوض المستمر والاستفادة من الخبرات العلمية المتاحة.
كلما ازدادت ندرة الموارد المائية زادت أهمية المعلومات وفهم الأمور السياسية الضرورية لتحقيق التعاون.
وعلى المستوى المحلي يجب ألا تكون قضية المياه مسؤولية الحكومة وحدها، فالزراعة والاستهلاك الصناعي والعمراني تعتمد جميعها بكثافة على الماء، إذا كان بإمكاننا تحقيق وفورات كبيرة عبر تحسين طرق الري وتقليل الهدر وتغيير الأنماط الزراعية فإنه ربما يكون الاستثمار في تلك المجالات أكثر أهمية أحيانا من البحث المستمر عن مصادر جديدة للمياه.
يمتلك الإقليم فرصة حقيقية هنا، فالمشاريع الجديدة للسدود والبرك ومياه الشرب وحماية المخزون الجوفي ومعالجة مياه الصرف يمكن أن تشكل أساس سياسة مائية مستدامة أكثر فعالية واستدامة .
لكن الأرقام وحدها ليست كافية لضمان الأمن المائي، فالأمن يتطلب وجود مؤسسات قادرة على قياس حجم الموارد ومراقبة استخدامها ومتابعة المخزون الجوفي وتقييم مخاطر الجفاف وربط المعلومات بالمجالات الزراعية والعمرانية والاقتصادية بالإضافة لقاعدة بيانات حديثة تساعد صانعي القرار قبل تحول الأمور لأزمة حقيقية.
الأخطر هو أن أزمة المياه قد لا تظهر دائماً بشكل مفاجئ وبسيط، فقد تبدأ بانخفاض طفيف ثم تتراجع الإنتاجية الزراعية وترتفع أسعار الغذاء وتتزايد تكاليف مياه الشرب قبل بدء حركة السكان إلى المناطق الأقل تضرراً وهذا التحول البيئي يصبح أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية مع مرور الوقت.
لذا أرى أنه ليس من الحكمة اختصار أزمة المياه بمصطلح “حرب المياه” فالمخاطر الأكثر جدية قد تكون أقل إثارة لكنها تحمل تأثيرات طويلة الأمد مثل مدينة تعجز عن تأمين مياهها أو منطقة تستنزف مواردها أو قطاع زراعي يعاني نقص الإنتاج حتى وإن كانت الأمور لا تتطور لصراع مسلح مباشر.
بالنسبة لإقليم كوردستان ترتبط قضية الماء مباشرة بالأمن الاقتصادي والزراعة والبيئة ومستقبل المدن فيه، إذا تمكن الإقليم من إدارة موارده بشكل صحيح فإن الماء يمكن أن يتحول لفرصة بدلاً من مصدر قلق ولعنصر تنمية بدلًا عن ملف خدمي عابر.
كما يمكن لموقع الإقليم الجغرافي الانتقال من كون تحد مائي إلى عنصر قوة إذا أحسن استغلاله لإنشاء مشاريع تخزين مشتركة وحماية الأحواض وتعزيز التعاون مع بغداد والدول المجاورة لها.
إذا كان النفط قد لعب دورا رئيسيا خلال القرن العشرين بتشكيل الوضع السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط فإنه يمكن للمياه الآن أن تكون أحد العوامل المؤثرة الأكبر لهذا القرن.
لكن الفرق هو أنه بينما يمكن تعويض النفط بمصادر أخرى لبعض القطاعات فلا يوجد بديل حقيقي للمياه التي تعتبر ضرورية لحياة الإنسان والزراعة واستمرار المدن.
لذا فإن ما يتم بناؤه اليوم من سدود وخزانات وشبكات وما يُنجز لحماية المخزون الجوفي والاستثمار بتقنيات الري والمعالجة هو أكثر بكثير مما يبدو وكأنه مجرد إنفاق للبنية التحتية بل هو استثمار مهم لقدرة الإقليم لمواجهة التحديات المستقبلية.
السؤال الآن ليس فقط: هل ستزداد أزمة الماء؟
السؤال الأكثر أهمية هو: عندما تشتد الضغوط، هل سيكون إقليم كوردستان مستعداً؟
إذا كانت الإجابة نعم فقد تتحول الأزمة لفرصة لتحسين إدارة الماء وتطوير الزراعة وحماية الموارد الطبيعية والتأهب الأفضل لتغير المناخ وتعزيز الموقع الجغرافي للإقليم ليصبح عامل تعاون وقوة.
أما إذا بقي ملف الماء دون اهتمام فسيمتد تأثير ذلك ليتجاوز انقطاع مياه الشرب وانخفاض مستويات الأنهار بل سيمس الزراعة والاقتصاد وأسعار الغذاء والاستقرار الاجتماعي.
وفي النهاية ستظل تكلفة الاستعداد لمشكلة قبل وقوعها أقل بكثير مقارنة بمحاولة علاج أزمة بعد حدوثها.
اختصار أزمة المياه بمصطلح “حرب المياه” فالمخاطر الأكثر جدية قد تكون أقل إثارة لكنها تحمل تأثيرات طويلة الأمد مثل مدينة تعجز عن تأمين مياهها أو منطقة تستنزف مواردها أو قطاع زراعي يعاني نقص الإنتاج حتى وإن كانت الأمور لا تتطور لصراع مسلح مباشر.
بالنسبة لإقليم كوردستان ترتبط قضية الماء مباشرة بالأمن الاقتصادي والزراعة والبيئة ومستقبل المدن فيه، إذا تمكن الإقليم من إدارة موارده بشكل صحيح فإن الماء يمكن أن يتحول لفرصة بدلاً من مصدر قلق ولعنصر تنمية بدلًا عن ملف خدمي عابر.
كما يمكن لموقع الإقليم الجغرافي الانتقال من كون تحد مائي إلى عنصر قوة إذا أحسن استغلاله لإنشاء مشاريع تخزين مشتركة وحماية الأحواض وتعزيز التعاون مع بغداد والدول المجاورة لها.
إذا كان النفط قد لعب دورا رئيسيا خلال القرن العشرين بتشكيل الوضع السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط فإنه يمكن للمياه الآن أن تكون أحد العوامل المؤثرة الأكبر لهذا القرن.
لكن الفرق هو أنه بينما يمكن تعويض النفط بمصادر أخرى لبعض القطاعات فلا يوجد بديل حقيقي للمياه التي تعتبر ضرورية لحياة الإنسان والزراعة واستمرار المدن.
لذا فإن ما يتم بناؤه اليوم من سدود وخزانات وشبكات وما يُنجز لحماية المخزون الجوفي والاستثمار بتقنيات الري والمعالجة هو أكثر بكثير مما يبدو وكأنه مجرد إنفاق للبنية التحتية بل هو استثمار مهم لقدرة الإقليم لمواجهة التحديات المستقبلية.
السؤال الآن ليس فقط: هل ستزداد أزمة الماء؟
السؤال الأكثر أهمية هو: عندما تشتد الضغوط، هل سيكون إقليم كوردستان مستعداً؟
إذا كانت الإجابة نعم فقد تتحول الأزمة لفرصة لتحسين إدارة الماء وتطوير الزراعة وحماية الموارد الطبيعية والتأهب الأفضل لتغير المناخ وتعزيز الموقع الجغرافي للإقليم ليصبح عامل تعاون وقوة.
أما إذا بقي ملف الماء دون اهتمام فسيمتد تأثير ذلك ليتجاوز انقطاع مياه الشرب وانخفاض مستويات الأنهار بل سيمس الزراعة والاقتصاد وأسعار الغذاء والاستقرار الاجتماعي.
وفي النهاية ستظل تكلفة الاستعداد لمشكلة قبل وقوعها أقل بكثير مقارنة بمحاولة علاج أزمة بعد حدوثها.

قد يعجبك ايضا
∧