بغداد وأربيل.. التفاهم ضرورة لبناء الدولة

محمد علي الحيدري

تفتح الرسائل الإيجابية بين بغداد وأربيل فرصة لإعادة بناء العلاقة على أساس أكثر استقراراً، في مرحلة يحتاج فيها العراق إلى تعزيز تماسكه الداخلي وقدرته على إدارة تحدياته الأمنية والاقتصادية. فقيمة التقارب تكمن فيما يمكن أن يؤسس له من قواعد تعاون، تجعل معالجة الخلافات عملاً مؤسسياً منتظماً، وتحد من تحولها إلى أزمات تستنزف الدولة وتثقل حياة المواطنين.

تنبع أهمية التفاهم من حقيقة أن مصالح الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان متداخلة، مهما اختلفت القراءات السياسية وحدود الصلاحيات. فأمن الإقليم جزء من الأمن العراقي، واستقرار بغداد شرط مهم لاستقرار أربيل، كما أن الاقتصاد والموارد والأسواق تربط الطرفين بعلاقات يصعب فصلها. ولهذا، فإن أي مكسب يتحقق بإضعاف الطرف الآخر يبقى محدوداً ومكلفاً؛ لأنه يضعف في النهاية البيئة المشتركة التي يحتاج إليها الجميع.

وفي المرحلة الراهنة، يكتسب التنسيق الأمني أهمية خاصة. فتعزيز قدرة العراق على تحمل مسؤولياته الدفاعية يتطلب تعاوناً فعالاً بين المؤسسات الاتحادية ومؤسسات الإقليم، وتبادل المعلومات، وتحديد المسؤوليات، ومعالجة الثغرات التي قد تستغلها الجماعات المسلحة. ولا يمكن بناء أمن مستقر إذا ظل التعاون الميداني يتأثر بكل خلاف سياسي أو مالي. حماية المواطنين تقتضي قدراً من الاستمرارية يفوق تقلبات العلاقات بين القوى والأحزاب.

ويرتبط بذلك ملف السلاح وسلطة الدولة. فالتفاهم بين بغداد وأربيل يستطيع توسيع الإسناد الوطني لأي مسار جاد يعزز مرجعية المؤسسات ويضمن خضوع العمل الأمني للقانون. غير أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى الثقة بقدر حاجته إلى القرارات؛ إذ يصعب مطالبة الأطراف بالاطمئنان إلى سلطة الدولة ما لم تكن هذه السلطة عادلة في حماية الحقوق، واضحة في التزاماتها، وقادرة على تطبيق قواعد مشتركة.

وتشكل الملفات المالية والاقتصادية اختباراً مباشراً لهذا التوجه. فالرواتب والإيرادات والنفط والإنفاق العام تحتاج إلى ترتيبات واضحة، تقوم على بيانات موثوقة ورقابة متبادلة والتزامات قابلة للتنفيذ. والتسويات التي تؤجل تحديد المسؤوليات قد تنجح في تهدئة أزمة، لكنها تترك أسبابها قائمة. أما الاتفاق المستدام فيمنح الحكومتين قدرة على التخطيط، ويمنح المواطنين يقيناً أكبر بشأن حقوقهم ومعيشتهم.

ومن الضروري، في هذا السياق، إخراج الحقوق الأساسية من دائرة الضغط السياسي. فالموظف والمتقاعد وصاحب المشروع لا ينبغي أن يدفعوا كلفة تعثر التفاوض. وكلما انعكس التفاهم على انتظام الرواتب وتيسير التجارة وتحسين الخدمات، اتسعت قاعدته الاجتماعية، وأصبح الدفاع عنه مصلحة عامة تتجاوز حسابات القيادات.

ويبقى الدستور أساساً لتنظيم العلاقة، لكن الاحتكام إليه يتطلب إرادة لتنفيذ أحكامه، واحترام المؤسسات القضائية، واستكمال التشريعات التي تعالج مواطن الالتباس. فالفيدرالية تحتاج إلى تعاون يومي بين مستويات الحكم، وإلى توازن بين ممارسة الصلاحيات وأداء الالتزامات. وقوة الدولة الاتحادية تتعزز بصون الحقوق، كما تتعزز مكانة الإقليم بالمشاركة المسؤولة في استقرار العراق وفاعلية مؤسساته.

وسياسياً، يحتاج التقارب إلى الانتقال من تفاهم القيادات إلى عمل مؤسسي يحظى بإسناد حكومي وبرلماني. فالعلاقات الشخصية تستطيع فتح الأبواب، بينما تحفظ المؤسسات استمرارية الاتفاقات عند تبدل الأشخاص والتحالفات. وهذا يقتضي آليات متابعة، ومواعيد واضحة للتنفيذ، ووسائل لمعالجة التعثر قبل أن يتحول إلى سجال علني يعيد إنتاج انعدام الثقة.

كما يمنح التفاهم الداخلي العراق قدرة أفضل على التعامل مع محيطه الإقليمي والدولي. فتقارب المواقف بشأن الأمن والطاقة والحدود يجعل القرار العراقي أكثر تماسكاً، ويحد من فرص استثمار الخلافات الداخلية في ممارسة الضغوط. ومن هنا، تصبح العلاقة المستقرة بين بغداد وأربيل عنصراً من عناصر حماية السيادة.

الفرصة الحالية تستحق البناء عليها بواقعية، دون افتراض أن الخلافات ستختفي. المطلوب هو جعلها قابلة للإدارة والحل ضمن مؤسسات الدولة، بحيث يستمر التعاون حتى أثناء الاختلاف. وعندما يلمس المواطن نتائج ذلك في أمنه وحقوقه وخدماته، يصبح التفاهم رصيداً وطنياً راسخاً، وخطوة فعلية نحو دولة أكثر كفاءة وعدلاً واستقراراً.

قد يعجبك ايضا
∧