المكياج في السينما والدراما.. حين يتحول الوجه إلى جزء من الحكاية

تانيا ملكشاهي

في عالم السينما والدراما، لا تقتصر صناعة الشخصية على أداء الممثل وحواره وحركته، بل تمتد إلى تفاصيل دقيقة تسهم في تشكيل صورته أمام المشاهد، ومن بين هذه التفاصيل تأتي عملية التجميل والمكياج واستخدام الكريمات ومستحضرات العناية بالبشرة، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من العملية الإنتاجية في الأعمال السينمائية والتلفزيونية.

قد يبدو التجميل للوهلة الأولى مسألة مرتبطة بالمظهر والجمال فقط، إلا أن دوره في العمل الدرامي يتجاوز ذلك بكثير، فهو يساعد على بناء الشخصية، وتحديد عمرها وحالتها الاجتماعية والنفسية، وإظهار التحولات التي تمر بها خلال أحداث الفيلم أو المسلسل.

في الأعمال الفنية، لا يكون الهدف من المكياج دائمًا جعل الممثل أكثر جمالًا، بل قد يكون العكس تمامًا، فقد يحتاج الممثل إلى الظهور بمظهر متعب، أو مريض، أو أكبر سنًا، أو أصغر عمرًا، أو يحمل آثار جروح وكدمات، بحسب طبيعة الشخصية والأحداث، وهنا تتحول مستحضرات التجميل إلى أداة درامية تساعد على إيصال القصة بصريًا من دون الحاجة إلى شرح طويل.

تتعرض بشرة الممثل خلال ساعات التصوير الطويلة إلى الإضاءة القوية ودرجات الحرارة والمكياج المتكرر، ولذلك تصبح العناية بالبشرة جزءًا مهمًا من التحضير للعمل، وتستخدم الكريمات ومواد الترطيب والعناية المناسبة للحفاظ على مظهر البشرة وتقليل الجفاف، بما يساعد أيضًا على تطبيق المكياج بصورة أكثر انتظامًا أمام الكاميرا.

كما أن التصوير السينمائي والتلفزيوني عالي الدقة يمكن أن يُظهر تفاصيل البشرة بشكل واضح، الأمر الذي يجعل التحضير الجيد للبشرة أكثر أهمية بالنسبة للممثلين وفريق المكياج.

ينبغي إلا ننسى ان هناك علاقة وثيقة بين المكياج والتصوير والإضاءة، فالمظهر الذي يبدو طبيعيًا أمام العين قد يظهر بصورة مختلفة تحت الإضاءة السينمائية أو أمام الكاميرات الحديثة.

لذلك يعمل اختصاصي المكياج بالتنسيق مع المخرج ومدير التصوير للوصول إلى الشكل المناسب للشخصية، بحيث لا يكون المكياج مبالغًا فيه ولا يختفي تأثيره أمام الإضاءة والكاميرا.

والهدف في كثير من الحالات هو أن يبدو المكياج طبيعيًا وغير ملحوظ، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المظهر المطلوب للشخصية.

يمكن للمكياج أن يخبر المشاهد الكثير عن الشخصية قبل أن تتحدث. فالشخصية الثرية قد يكون لها مظهر مختلف عن شخصية تعيش في ظروف صعبة، والشخصية التاريخية تحتاج إلى ملامح وأسلوب يتناسبان مع الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.

وفي بعض الأعمال، يكون التغيير في الشكل جزءًا أساسيًا من تطور الشخصية، خصوصًا عندما تمر السنوات أو تتغير الظروف النفسية والاجتماعية للشخصية خلال القصة.

في السينما الحديثة، تطور مجال المكياج ليشمل ما يعرف بـالمكياج والمؤثرات الخاصة، حيث يمكن تغيير ملامح الوجه والجسم بصورة كبيرة، وإظهار الإصابات والجروح والحروق والشيخوخة وغيرها من التأثيرات التي تخدم القصة.

وفي هذه الحالات، يحتاج فريق التجميل إلى معرفة فنية وتقنية دقيقة، لأن نجاح هذه المؤثرات يعتمد على مدى انسجامها مع التصوير والإضاءة والأزياء والمؤثرات البصرية.

من الجوانب المهمة جداً في الأعمال الدرامية المحافظة على استمرارية مظهر الشخصية.فإذا كان الممثل قد ظهر في مشهد بجرح أو تسريحة شعر أو شكل معين، يجب أن يحافظ فريق المكياج على التفاصيل نفسها في المشاهد التي يفترض أن تكون في اليوم أو الفترة الزمنية ذاتها، وأي خطأ في هذه التفاصيل قد يلفت انتباه المشاهد ويؤثر في واقعية العمل.

السينما والدراما لا تبحثان دائماً عن الصورة المثالية للإنسان، وإنما عن الصورة التي تخدم القصة، ولذلك فإن نجاح التجميل لا يقاس بكمية المستحضرات المستخدمة، بل بمدى قدرتها على تحقيق رؤية العمل.

ففي بعض المشاهد يكون المكياج الخفيف هو الخيار المناسب، وفي مشاهد أخرى قد يحتاج العمل إلى تغيير كامل في ملامح الشخصية، وهنا تظهر أهمية خبرة اختصاصي التجميل وقدرته على فهم الشخصية والسيناريو وطبيعة التصوير.

في الختام يمكن القول أن عملية التجميل والعناية بالبشرة اصبحت جزءًا لا يتجزأ من صناعة الأفلام والأعمال الدرامية، فهي لا تهدف فقط إلى تحسين مظهر الممثل، وإنما تسهم في بناء الشخصية، وتحديد الزمن والبيئة، وإظهار التحولات الدرامية، وتعزيز واقعية المشاهد.

ومن هنا، فإن الكريمات ومستحضرات العناية بالبشرة والمكياج ليست مجرد أدوات تجميلية خلف الكواليس، بل يمكن أن تكون جزءًا من اللغة البصرية التي تستخدمها السينما والدراما لسرد القصة والتعبير عن الشخصيات، فحين تنجح عملية التجميل، قد لا يلاحظها المشاهد أصلًا، وهذا في حد ذاته دليل على نجاحها؛ لأنها تصبح جزءًا طبيعيًا من الشخصية والعالم الذي خلقه العمل الفني.

قد يعجبك ايضا
∧