حقوق الإنسان في مرآة القصص

حسين الحميد

في مخيّمٍ للاجئين على حدود العالم، تجلس امرأة عجوز بين أحفادها، تحكي لهم كيف كانت قريتها قبل أن تحترق، وكيف كان الباب يُترك مفتوحاً، والخبز يُقسَم على الجميع. لا أحد من هؤلاء الأطفال قرأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سمع بمصطلح “الحق في السكن”. لكنهم في تلك الليلة يذوقون معنى الكرامة، ويفهمون أن ما فقدته جدتهم لم يكن بيتاً فقط، بل كان حقاً. هذه هي المعجزة التي تصنعها القصص: تحوّل الحقوق من مواد قانونية باردة إلى نبضٍ دافئ في الصدور .

على مدار قرون، لم تكن حقوق الإنسان تُعرف من خلال الوثائق، بل من خلال الحكايات. فقبل أن يُكتب أول دستور، كانت الشعوب تحكي عن الظالم الذي سقط، وعن المظلوم الذي انتصر. وظلّت الحكاية الشعبية والأسطورة والأغنية أدوات الناس الأولى لفهم معنى العدل والظلم، ولتعليم أبنائهم أن الكرامة ليست شيئاً يُشترى أو يُمنح، بل شيء يُحمى ويُدافع عنه. ولهذا فإن حق الإنسان في الثقافة والفن والتعبير ليس ترفاً جمالياً، بل هو الحاضنة الأولى التي تنمو فيها بذرة الوعي بحقوقه .

واليوم، حين نفتح صفحة أي انتهاك في العالم، نجد أن وراءه قصةً لم تُروَ. الطفل الذي يعمل في المصانع بدل المدرسة ليس رقماً في إحصاء سنوي، بل طفل له اسم وحكاية، وربما أراد يوماً أن يصبح طبيباً. والفتاة المحرومة من التعليم ليست حالة إحصائية، بل قصة طفولة سُرقت. وحين تُروى هذه القصص، تتغير المعادلة تماماً. فالقلب الذي لا يتحرك أمام الأرقام يتحرك أمام رواية، والعقل الذي لا يقتنع بالمقالات القانونية يقتنع بالحكاية. لأن القصة تفعل شيئاً لا تفعله المادة القانونية: إنها تجعلنا نرى الحق لا كمفهوم، بل كإنسان يقف أمامنا ويلتمس مأوى .

من هنا تكتسب القصص دوراً جوهرياً في بناء المجتمع المثالي. فالمجتمع الذي يسمح لأبنائه بالحكي والاستماع هو مجتمع يبني ذاكرته الجمعية على الرواية لا على الإنكار. والمجتمع الذي يروي للطفل حكاية عن التسامح يزرع فيه ما لا تستطيع أن تزرعه مئات المحاضرات. في بعض المناطق التي خرجت من حروب طويلة، لم تكن المحاكم وحدها هي التي أعادت الإعمار، بل كانت حكايات المصالحة التي رويت على أبواب البيوت. فالاعتراف، حين يصبح قصة، يصبح علاجاً للذاكرة .

وتُظهر التجارب أن القصص قادرة على اختراق ما لا تخترقه السياسات. فالسرد الفني والمسرح التفاعلي والأفلام الوثائقية والقصص الرقمية، كلها وسائل تصل إلى عقل الطفل الذي لم يتعلم القراءة، وإلى الفقير الذي لم يدخل مدرسة، وإلى المسؤول الذي قد يقرأ تقريراً فلا يتحرك، لكنه يحضر فيلماً فيتغير قلبه. وقد برهنت المنظمات الحقوقية أن حملات الحكي الرقمي والرواية الشفهية تنجح في جمع توثيق دقيق للانتهاكات، وتقوم بجهد موازٍ لجهود المحاكم في بلورة مطالب الضحايا ودعم تمثيلهم .

وفي هذا كله، لا يمكن أن نغفل أن للحكاية سلطة هائلة في نقل حقوق الإنسان إلى الفئات المهمشة نفسها. حين تجلس مجموعة من النساء في القرى يروين قصصهن عن الأرض والماء والحصاد، تُبنى أحياناً مبادئ سياسية ومطالب حقوقية من داخل الحكاية ذاتها، ويصبحن فاعلات بدل أن يظللنّ متلقيات فقط. فالسرد، حين يكون جماعياً، يفتح آفاقاً لميلاد مطالب جديدة، ويصبح ذاكرة الجماعة التي تعرف ما تريد .

لكن علينا ألا ننسى أن للحكاية وجهين. فهي قادرة على أن تحرر، وقادرة أن تسجن. فقد تُروى القصة لتبرّر الظلم، وتصوّر الجاني ضحية، وتُلقي اللوم على المستضعف. ومن هنا فإن المسؤولية تقع على القائمين على التربية والإعلام والثقافة أن يختاروا القصص التي تحترم كرامة الإنسان، لا التي تخدّر وعيه. فحين تُروى قصة طفل ناجح من بيت فقير لتقول إن “الفقر ليس عائقاً”، فقد تمنح الأمل، لكنها قد تحمّل الفقير مسؤولية فقره وتُعفى النظام من مسؤوليته. والحكاية الذكية هي التي تكشف الظلم بدل أن تجمّله .

في نهاية المطاف، الحقوق لا تعيش في الكتب وحدها. إنها تعيش في ذاكرة الناس، وفي حكاياتهم، وفي الأغاني التي يحفظونها، وفي الحكايات التي يروونها لأبنائهم قبل النوم. والمجتمع المثالي ليس الذي يُحصي فيه الناس عدد الاتفاقيات التي وقعتها دولتهم، بل الذي يجد فيه الطفل فخراً بحكاية عائلته، وذاكرة تروي أن الكرامة انتصرت في لحظة ما. وحين تصبح كل قصة إنسان حية، وحين تسمع الأصوات المهمشة، تتقدم البشرية أكثر مما تتقدم بأي قانون. فرحلة حقوق الإنسان لم تبدأ بنص مكتوب، بل بحكاية؛ ولن تكتمل إلا حين تُروى هذه الحكاية للعالم كله .

 

قد يعجبك ايضا
∧