جرسُ المدرسة… أوّلُ إعلانٍ لحقوق الإنسان

منير الزيرجاوي

في السابعة صباحاً، يقف طفلٌ صغير أمام مرآة قديمة، يعدّل حقيبته المثقلة بالكتب، ويمسح بكمّه غبار الحذاء البالي. لا يعرف أن ما يفعله الآن ليس استعداداً ليومٍ دراسي فحسب، بل هو ممارسةٌ لحقٍّ كُتبت من أجله المواثيق، ودفعَ ثمنه عبر التاريخ ملايين البشر. وفي الجهة الأخرى من العالم، تقف طفلةٌ أخرى في العاشرة، تنظر إلى الأطفال يمرّون من أمام باب بيتها ذاهبين إلى المدرسة، وتحمل في يدها سلةً لتبيع الخبز في السوق. لا تفصل بين الطفلين مسافةٌ جغرافية فقط، بل تفصل بينهما مسافةٌ أكبر: مسافة الحقوق .

حين تفتح المدارس أبوابها، فإنها لا تفتح باباً للعلم فحسب، بل تفتح باباً للكرامة. فكل طالبٍ يعبر تلك البوابة يمارس حقاً من أقدس حقوق الإنسان، حقاً نصّت عليه المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمي، وكرّسته اتفاقية حقوق الطفل: الحق في التعليم. لكن هذا الحق ليس مجرد جملةٍ جميلة في وثيقةٍ دولية، بل هو الحق الذي يفتح كل الحقوق الأخرى. فالطفل الذي يتعلم القراءة يستطيع أن يقرأ حقوقه، والطفل الذي يتعلم الكتابة يستطيع أن يكتب شكواه، والطفل الذي يتعلم التفكير يستطيع أن يرفض الظلم حين يقع عليه .

ولكن، هل تساءلتَ يوماً ماذا يحدث في اللحظة التي يدخل فيها المعلم إلى الصف؟ إنه لا يدخل ليشرح درساً، بل يدخل ليصنع وعياً. هو الذي يعرف أن الطالب الجالس في المقعد الأخير، الذي لا يرفع يده خجلاً، يحمل حقاً في أن يُسمع صوته. وهو الذي يدرك أن الطفلة الصامتة في الزاوية، التي تعاني من مشكلات في المنزل، تحمل حقاً في أن تُحمى. وحين يمنح المعلم كل طالبٍ فرصةً عادلة، وحين يرفض التمييز بين غنيٍّ وفقير، وبين ذكيٍّ ومتعثر، فإنه لا يؤدي وظيفةً مهنية، بل يقف في قلب معركة الكرامة الإنسانية .

 

والمدرسة نفسها، بجدرانها وساحاتها ومقاعدها، ليست مبنىً فقط. إنها المساحة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف تكون الحياة مع الآخرين. فإن كان الفصل الدراسي مكاناً للعنف أو السخرية أو الإقصاء، فإننا لا ننتهك حق التعليم فقط، بل نعلّم الطالب درساً خطيراً: أن القوة تعلو على الحق. أما إذا كان الفصل مساحةً آمنة، يسأل فيها الطالب بحرية، ويخطئ دون خوف، ويختلف دون عقاب، فإننا نبني مواطناً يعرف أن الاختلاف ليس جريمة، وأن التسامح ليس ضعفا .

ولا ينتهي المشهد عند حدود المدرسة. فخلف كل طالبٍ ناجح، تقف أسرةٌ أدركت أن إرسال طفلها إلى المدرسة، بدلاً من سوق العمل، هو دفاعٌ عن طفولته. وحين تُبقي الأسرة ابنتها في الصف بدلاً من تزويجها مبكراً، فهي لا تصنع مستقبل فتاةٍ واحدة، بل تصنع مستقبل أجيال. فالأسرة شريكٌ في حماية حقوق الطفل، لأن كل انتهاكٍ لحقوق الطفل يبدأ عادةً من أقرب الأماكن إليه .

لكن الحقيقة الموجعة تبقى معلّقة في الهواء: هناك ملايين الأطفال لا يعرفون طعم الجرس المدرسي. منهم من يحمل الحجر بدل القلم، ومن يبيع في الأسواق بدل أن يقرأ، ومن يجلس على أرضية مخيّمٍ بدل المقعد. ومنهم من لا يستطيع الوصول إلى مدرسة، لا لأن المدرسة بعيدة، بل لأن الجهل بحقّه في التعليم يجعله لا يفتقدها أصلاً. وأخطر من ذلك، أن هناك من يقرّر أن بنتاً لا تحتاج إلى تعليم، وأن طفلاً فقيراً يكفيه العمل، وأن طفلاً معاقاً لا يستحق الجهد. هذه القرارات ليست تربوية، بل هي انتهاكاتٌ صامتة لحقوق الإنسان، تُرتكب كل يوم دون محاكمة .

ومع كل عام دراسي جديد، يقف العالم أمام اختبارٍ حقيقي: هل نحن فعلاً نؤمن بأن التعليم حق لكل طفل، أم أنه امتيازٌ لمن يستطيع الوصول إليه؟ الإجابة لا تُقاس بالخطب ولا بالشعارات، بل بعدد المقاعد التي نملؤها، وعدد الأطفال الذين ننقذهم من العمالة والزواج المبكر والتسرب، وبجودة التعليم الذي نقدّمه، لا بكميته فقط .

حين يقرع الجرس صباحاً، تذكّر أن ذلك الصوت ليس مجرد إعلانٍ عن بدء الحصة، بل هو صوتٌ يعلن أن الكرامة ما زالت حيّة، وأن مستقبل الأمم لا يُبنى بالحجارة، بل بالعقول التي تتعلم، والحقوق التي تُحترم. وفي تلك اللحظة، يبدأ فصلٌ جديد، ليس من العام الدراسي، بل من كتاب الإنسان

قد يعجبك ايضا
∧