بين الدولة والوطن: هل عاش الكوردستانيون حياةً إنسانيةً كريمة؟

صالح شيخ محمد الكسنزاني

ليس الوطن مجرد أرض تحدّها الخرائط، ولا الدولة مجرد سلطة ترفع راية وتفرض قانوناً. فالوطن، في معناه الإنساني العميق، هو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأن وجوده مصان، وكرامته محفوظة، وصوته مسموع، ومستقبله ليس رهناً بمزاج الحاكم أو قوة السلاح.

ومن هنا يبرز السؤال المؤلم: هل عاش الكورد، عبر قرون طويلة، في وطن مستقل تسوده العدالة الاجتماعية، أم أنهم ظلوا، في أغلب مراحل تاريخهم، أسرى لأنظمة استبدادية تتبدل أسماؤها، بينما لا يتغير جوهرها؟

إن الإجابة العادلة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون تبسيطية أو انتقامية من التاريخ؛ فكوردستان لم تكن دائماً فضاءً واحداً للظلم، كما أنها لم تكن دائماً نموذجاً للحرية والعدالة. فقد عرفت هذه الأرض عصوراً ازدهرت فيها الثقافة والعلوم والإدارة، وظهرت فيها مدن كبرى ومراكز حضارية تركت أثراً عميقاً في التاريخ والإنسانية.

غير أن ازدهار الحضارة لا يعني بالضرورة أن الإنسان العادي كان يعيش حياة كريمة. فقد تزدهر العمارة في ظل الفقر، وتنتشر المعرفة داخل طبقة محدودة بينما تُحرم الأغلبية من حقوقها، وتُرفع شعارات المجد فيما يبقى الفرد عاجزاً أمام السلطة.

لعل المشكلة الأساسية في التجربة الكوردية ليست غياب الدولة بقدر ما هي غياب الدولة العادلة. فقد وُجدت سلطات قوية وجيوش وإدارات وقوانين، لكن الدولة تحولت، في كثير من الأحيان، من وسيلة لتنظيم المجتمع إلى أداة للسيطرة عليه.

وحين يصبح الحاكم فوق القانون، وتتحول الطاعة إلى معيار للمواطنة، يفقد الوطن معناه الأخلاقي، ويتحول المواطن إلى تابع لا إلى شريك.

والدولة المستبدة لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر؛ فقد يكفي أن تنشر الخوف، وأن تجعل الناس يراقبون كلماتهم وعلاقاتهم وأفكارهم. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود الإنسان قادراً على بناء حياة طبيعية، لأن كرامته تصبح مشروطة بالولاء، ورزقه مرتبطاً بالقرب من السلطة، وأمانه متوقفاً على صمته.

لقد عانى الكورد، في مراحل مختلفة، من أنظمة حكم مركزية وشخصانية وعسكرية، جعلت الدولة مرتبطة بإرادة القائد أو الحزب أو المؤسسة المسلحة. وكانت الحروب والصراعات العسكرية، في كثير من الأحيان، بديلاً عن التداول السلمي للسلطة، وأصبح السلاح طريقاً إلى الحكم بدلاً من أن يكون أداة لحماية المجتمع.

وهكذا لم تُبنَ الشرعية دائماً على رضا الناس، بل على القدرة على إخضاعهم.

حين يتدخل الجيش في السياسة، لا تتضرر الحكومات وحدها، بل تتضرر فكرة المواطن نفسها. فالسياسة تقوم على الحوار والاختلاف والتفاوض، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الأوامر والانضباط والطاعة. وعندما تُدار الدولة بعقلية الثكنة، يُنظر إلى المعارضة بوصفها خيانة، وإلى النقد بوصفه تمرداً، وإلى المواطن بوصفه رقماً في مشروع السلطة.

والاستبداد العسكري لا يقتل الحرية السياسية فقط، بل يفسد المجتمع كله؛ فهو يعلّم الناس النفاق، ويكافئ الانتهازية، ويجعل الصراحة خطراً، ويمنح الأقوى حق تعريف الحقيقة.

ومع مرور الزمن، ينشأ جيل يتعلم أن النجاة أهم من العدالة، وأن الصمت أكثر أمناً من المشاركة، وأن الإنسان لا يحميه القانون، بل يحميه نفوذه أو انتماؤه أو قربه من السلطة.

وهنا تكمن الكارثة الحضارية: فالقمع لا يصنع مواطنين، بل يصنع رعايا؛ ولا يبني دولة، بل يبني جهازاً يخشى الناس سلطته. فالرعية تبحث عن الحماية، أما المواطن فيطالب بالحقوق، وبين المفهومين مسافة حضارية شاسعة.

قد تكون الدولة مستقلة في قرارها الخارجي، لكنها غير مستقلة في داخلها عن الاستبداد. فالاستقلال الحقيقي لا يقتصر على امتلاك علم وجيش وحدود، بل يتطلب استقلال الإنسان داخل وطنه: استقلاله عن الخوف، وعن التمييز، وعن الحاجة إلى التملق، وعن سلطة الجماعة حين تتحول إلى قيد على الفرد.

ولا يمكن الحديث عن وطن مستقل ما دام المواطن لا يملك حق الاعتراض، ولا يستطيع المشاركة الحقيقية في اختيار الحاكم أو تغييره، ولا يضمن محاكمة عادلة، ولا يحصل على فرص متساوية في التعليم والعمل والعلاج.

فالسيادة التي لا تنعكس على حياة الناس تتحول إلى شعار فارغ، والاستقلال الذي لا يحرر الإنسان من الإذلال يبقى استقلالاً شكلياً.

العدالة ليست أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، بل أن تتاح للجميع فرصة إنسانية متكافئة في الحياة. غير أن المجتمعات التي حكمتها العصبيات السياسية والطائفية والقبلية والمناطقية عانت من توزيع غير عادل للثروة والسلطة والفرص.

وفي كثير من الأحيان، لم يكن معيار التقدم هو الكفاءة، بل الانتماء والولاء والقرابة.

إن الفقر وحده ليس المشكلة؛ فالمشكلة الأعمق هي أن يشعر الإنسان بأن فقره مفروض عليه، وأن ثروة وطنه لا تعود إليه، وأن أبناءه لا يملكون مستقبلاً إلا عبر الهجرة أو التبعية أو الانخراط في شبكات النفوذ.

والعدالة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المشاريع ولا بحجم الموارد، بل بقدرة الدولة على حماية الضعيف من القوي، ومنع احتكار الثروة، وضمان التعليم والصحة والسكن والعمل الكريم. فإذا عجزت الدولة عن ذلك، أصبحت التنمية مجرد واجهة، وأصبح العمران منفصلاً عن الإنسان.

مع ذلك، لا يجوز تحميل الحكام وحدهم مسؤولية كل ما جرى. فالاستبداد لا يعيش بالسلاح فقط، بل يجد أحياناً جذوراً في الثقافة الاجتماعية، حين تُقدَّس الطاعة، ويُنظر إلى الحاكم بوصفه أباً أو منقذاً، ويُقبل الظلم إذا صدر عن شخص ينتمي إلى الجماعة نفسها.

إن رفض الاستبداد يبدأ من رفضه في الوعي اليومي: داخل الأسرة، والمدرسة، والحزب، والمؤسسة، وفي العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الأغلبية والأقلية.

فالمجتمع الذي يطالب بالديمقراطية في الدولة، لكنه يمارس القمع داخل البيت، أو يرفض الرأي المختلف، أو يبرر الظلم حين يصيب خصومه، لم يتحرر بعد من الاستبداد، بل غيّر موقعه منه.

فالحرية ليست نظاماً انتخابياً فقط، وإنما هي ثقافة تعترف بإنسانية الآخر، وبحقه في الاختلاف، وبكرامته حتى حين لا نتفق معه.

يمكن القول إن الكورد عاشوا، في مراحل كثيرة، بعيداً عن شروط الحياة الإنسانية الكريمة، لا بسبب نقص في تاريخهم أو ثقافتهم أو قدراتهم، بل بسبب تعاقب أنظمة جعلت السلطة غاية، والمواطن وسيلة.

لقد وُجدت حضارات عظيمة، لكن الحضارة السياسية والاجتماعية التي تضع الإنسان في مركز الدولة لم تترسخ بصورة مستقرة في المنطقة.

إن كوردستان لا تحتاج إلى حاكم قوي بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قوية، ولا تحتاج إلى خطابات تمجّد الماضي بقدر ما تحتاج إلى نقد شجاع له، ولا تحتاج إلى سلطة تخاف من شعبها، بل إلى دولة تستمد قوتها من احترامه.

فالوطن الحقيقي هو الذي لا يطلب من مواطنيه أن يختاروا بين الحرية والأمان، أو بين الكرامة والخبز، أو بين الانتماء والصدق.

وحين يصبح القانون فوق الحاكم، والكرامة فوق العصبية، والمواطنة فوق الولاء، والإنسان فوق السلطة، يمكن عندها أن يبدأ كوردستان بالخروج من تاريخ الرعية إلى مستقبل المواطن؛ ومن دولة الخوف إلى دولة العدالة؛ ومن وطن يُطلب من أبنائه أن يموتوا من أجله، إلى وطن يمنحهم أسباب الحياة.

إن التثقيف بهذه القضايا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لبناء وعي اجتماعي وسياسي يضع الإنسان وكرامته وحقوقه في صميم مفهوم الوطن والدولة. فالمجتمعات لا تتقدم بالقوة وحدها، وإنما بالوعي، والنقد، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن كرامة الإنسان هي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة العادلة والوطن الحقيقي.

قد يعجبك ايضا
∧