نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من المبالغة القول إن إقليم كوردستان العراق يشكل إحدى الركائز الأساسية في معادلة الاستقرار الوطني، وإن المواقف التي تتخذها قياداته السياسية في اللحظات الحرجة تستحق قراءة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، لتضعها في سياقها الوطني والتاريخي. فالعراق، بتعدديته القومية والثقافية والسياسية، لا يمكن أن يستقر من دون شراكة حقيقية بين مكوناته، ولا يمكن أن يحافظ على سيادته إذا تحولت الخلافات الداخلية إلى منافذ للتدخلات الخارجية.
لقد أثبتت التجربة العراقية، ولا سيما منذ عام 2003، أن كوردستان ليست مجرد جغرافيا تقع في شمال البلاد، بل فضاء سياسي واجتماعي له خصوصيته وتاريخه وتطلعاته، وفي الوقت نفسه جزء أصيل من الدولة العراقية، تتداخل مصالحه مع مصالح بقية العراقيين.
إن المواقف الوطنية لا تقاس بكثرة الشعارات ولا بحدة الخطابات، بل بمدى القدرة على حماية مصالح المواطنين، وتغليب الحكمة على التصعيد، والحفاظ على وحدة البلاد في أصعب الظروف. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المواقف التي تدعو إلى التنسيق بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، وإلى بناء منظومة أمنية مشتركة تحمي العراق من الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود.
لقد كانت المواجهة مع تنظيم داعش اختباراً قاسياً للدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية. وقدم مقاتلو البيشمركة تضحيات جسيمة في الدفاع عن مدن الإقليم ومناطقه، وفي التصدي لخطر التنظيم الذي هدد وجود جماعات سكانية بأكملها، وارتكب جرائم مروعة بحق الإيزيديين وغيرهم من أبناء العراق. ولم تكن تلك المواجهة شأناً كردياً محضاً، بل معركة عراقية وإنسانية، لأن خطر الإرهاب لا يعترف بالحدود الإدارية ولا بالانتماءات القومية أو الدينية.
إن استحضار تلك التضحيات لا يعني تجاهل دور الجيش العراقي والقوات الأمنية والحشد الشعبي وسائر القوى التي شاركت في الحرب على داعش، وإنما يعني الاعتراف بأن حماية العراق كانت ثمرة جهود وتضحيات متعددة، وأن الإنصاف الوطني يقتضي حفظ حقوق جميع من واجهوا الإرهاب، بعيداً عن محاولات احتكار النصر أو توظيفه سياسياً.
في ظل التحولات الإقليمية والدولية، يعود ملف الوجود العسكري الأجنبي إلى واجهة النقاش العراقي. وقد مثل الاتفاق الذي أُعلن عنه عام 2024 بشأن إنهاء مهمة التحالف الدولي ضد داعش في العراق، وفق مراحل زمنية محددة، محطة مهمة في مسار إعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بموعد مغادرة القوات الأجنبية، بل بما يمتلكه العراق من قدرة مؤسساتية وأمنية على حماية أراضيه، ومنع عودة التنظيمات الإرهابية، وضمان استقلال قراره السياسي والعسكري. فالسيادة لا تختزل في رفع شعار إخراج القوات الأجنبية، ولا تتحقق بمجرد إنهاء مهمة عسكرية، بل تتطلب دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، وضبط الحدود، وحماية المواطنين، ومنع أي قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها على مؤسسات الدولة.
وهنا تبرز أهمية الموقف الكردستاني المسؤول الذي ينطلق من ضرورة قراءة الواقع الأمني العراقي والإقليمي بموضوعية، بعيداً عن المزايدات التي تجعل من الملفات الاستراتيجية مادة للصراع الحزبي. فالتحديات الأمنية التي تواجه العراق لا يمكن التعامل معها بمنطق الشعارات، ولا يجوز أن تتحول إلى فرصة لتبادل الاتهامات أو تسجيل الانتصارات السياسية على حساب المصلحة العامة.
إن أي نقاش بشأن مستقبل التعاون الأمني مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول ينبغي أن يستند إلى تقدير مؤسسات الدولة العراقية، وإلى حوار وطني شامل يضع أمن البلاد واستقرارها فوق المصالح الفئوية. كما ينبغي أن يحترم خصوصية إقليم كوردستان واحتياجاته الأمنية، من دون أن ينفصل عن الاستراتيجية الدفاعية العراقية المشتركة.
من المؤسف أن تتحول العلاقة بين بغداد وأربيل، في كثير من الأحيان، إلى سلسلة من الأزمات المتكررة، تتداخل فيها الملفات المالية والنفطية والإدارية مع التنافس السياسي والمواقف الانتخابية. بدلاً من أن تكون الخلافات الدستورية مدخلاً إلى تطوير النظام الاتحادي، يجري أحياناً توظيفها لتأجيج الشكوك وتعميق الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.
إن إقليم كوردستان ليس كياناً طارئاً على التاريخ العراقي، كما أن حقوقه الدستورية ليست منحة من حكومة أو حزب أو زعيم سياسي. وفي المقابل، فإن مسؤولية الإقليم تجاه الدولة الاتحادية تقتضي الالتزام بالدستور، واحترام المؤسسات المشتركة، والعمل على معالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهم، لا عبر التصعيد المتبادل.
إن العلاقة السليمة بين بغداد وأربيل لا تبنى على منطق الغالب والمغلوب، ولا على استخدام الرواتب والموازنات والموارد الاقتصادية أدوات للضغط السياسي. فالمواطن الكوردي، شأنه شأن المواطن العربي والتركماني والإيزيدي وسائر مكونات العراق، لا ينبغي أن يكون رهينة خلافات السياسيين أو ضحية صراعاتهم على النفوذ.
من هنا، فإن الدفاع عن حقوق كوردستان الدستورية لا يتعارض مع الدفاع عن وحدة العراق، بل إن احترام التعددية والحقوق المتبادلة هو الطريق الواقعي للحفاظ على هذه الوحدة. فالدولة التي تعجز عن إدارة تنوعها بعدالة، تفتح الباب أمام التباعد وفقدان الثقة، مهما رفعت من شعارات الوحدة الوطنية.
إن الحديث عن الأمن الوطني العراقي يستدعي التأكيد على ضرورة بناء علاقة مؤسساتية متكاملة بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، تقوم على التنسيق والتخطيط المشترك وتبادل المعلومات، ولا سيما في المناطق المتنازع عليها والمناطق التي ما زالت تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش.
لقد أثبتت الوقائع أن الثغرات الأمنية والخلافات الإدارية بين بغداد وأربيل قد تخلق بيئات تستغلها الجماعات الإرهابية. ولذلك، فإن معالجة هذه الثغرات تتطلب إرادة سياسية صادقة، وتنسيقاً ميدانياً مستداماً، وتحديداً واضحاً للمسؤوليات، بعيداً عن الحسابات التي قد تجعل من بعض المناطق المتنازع عليها ساحات للتنافس بدلاً من أن تكون مناطق للتعاون وحماية السكان.
ولا بد من التأكيد أن قوة العراق لا تكمن في تعدد التشكيلات المسلحة أو تضخم ترسانات السلاح، بل في وجود مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، تخضع لسلطة الدولة الدستورية، وتعمل وفق عقيدة دفاعية تحمي جميع العراقيين من دون تمييز. وفي هذا الإطار، ينبغي أن يكون تطوير العلاقة بين الجيش والبيشمركة خطوة باتجاه منظومة أمنية أكثر انسجاماً، تحفظ خصوصية الإقليم وتضمن وحدة القرار الدفاعي العراقي.
إن تحويل التنوع العسكري إلى مصدر قوة يتطلب وضوحاً في الصلاحيات، واحتراماً متبادلاً، وإبعاد المؤسسات الأمنية عن التجاذبات الحزبية. أما استمرار الشكوك والاتهامات، فلن يخدم سوى القوى التي تراهن على إضعاف الدولة وتفكيك جبهتها الداخلية.
إن الوطنية العراقية الحقيقية لا تُقاس بالانتماء القومي أو المذهبي، ولا بمدى القرب من هذا الحزب أو ذاك المحور الإقليمي، بل بقدر الالتزام بمصالح العراق وشعبه، واحترام كرامة مواطنيه وحقوقهم، والدفاع عن استقلال قراره الوطني.
لقد دفع العراقيون، بمختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم، أثماناً باهظة نتيجة الحروب والاستبداد والإرهاب والصراعات السياسية. وما زالت آثار تلك العقود حاضرة في حياة الملايين، في صورة الفقر والبطالة والنزوح والفساد وتراجع الخدمات وانعدام الثقة بالمؤسسات. وليس من المقبول أن تستمر النخب السياسية في إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، بينما تتراجع قدرة الدولة على توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة.
إن الموقف الوطني الذي يستحق التقدير هو الذي يرفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ويقف ضد التدخلات الخارجية أياً كان مصدرها، ويؤمن بأن علاقات البلاد الدولية ينبغي أن تبنى على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على التبعية أو الارتهان.
ومن هذا المنطلق، فإن كوردستان، بما تمتلكه من تجربة سياسية ومؤسساتية وخصوصية اجتماعية، تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة الشراكة الوطنية، شرط أن تتعزز هذه التجربة بالحوار الديمقراطي، والشفافية، واحترام التعددية داخل الإقليم نفسه، وأن تكون علاقتها ببغداد قائمة على الالتزامات الدستورية والمصالح المشتركة.
لا يمكن إغفال أن مسؤولية بناء العراق الاتحادي لا تقع على عاتق الكورد وحدهم، بل هي مسؤولية جميع القوى السياسية العراقية. فالمركز مطالب بالتخلي عن النزعة المركزية التي تتعامل مع التنوع بوصفه عبئاً، والإقليم مطالب بتعزيز الثقة المتبادلة والالتزام بالشراكة الاتحادية. أما القوى السياسية في بغداد وأربيل، فعليها أن تدرك أن شرعيتها الحقيقية لا تأتي من تأجيج الخلافات، بل من قدرتها على تحسين حياة الناس وحماية مستقبلهم.
إن العراق الذي نطمح إليه ليس دولة تدار بمنطق الغلبة، ولا ساحة تتنازعها الولاءات والمحاور، بل وطن تتساوى فيه الحقوق والواجبات، وتحترم فيه إرادة المواطنين، وتكون فيه المؤسسات فوق الأشخاص والأحزاب.
إن وصف كوردستان بأنها صمام أمان للعراق لا ينبغي أن يتحول إلى مجاملة سياسية أو خطاب عاطفي منفصل عن الواقع، بل يجب أن يستند إلى قراءة موضوعية لدورها في حماية الأمن والاستقرار، وإلى الاعتراف بتضحيات أبنائها، وإلى إدراك أن استقرار الإقليم جزء لا يتجزأ من استقرار الدولة العراقية.
لكن صمام الأمان الحقيقي لا يتمثل في إقليم وحده، ولا في حزب أو زعيم أو قوة عسكرية بعينها، بل في منظومة وطنية متكاملة، تقوم على العدالة الدستورية، والتوزيع المنصف للثروات، واحترام التنوع، ووحدة المؤسسات الأمنية، واستقلال القرار السياسي.
إن الموقف الكردستاني الذي يضع مصلحة العراق فوق الحسابات الضيقة، ويؤكد أهمية الحوار والتنسيق والتعايش، يستحق أن يقرأ بوصفه مساهمة في بناء مستقبل عراقي أكثر استقراراً. وفي المقابل، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تتحول هذه المبادئ إلى ممارسات ملموسة، وأن تترجم إلى سياسات تعالج الأزمات المزمنة وتعيد الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
فلا بغداد تستطيع الاستغناء عن كوردستان، ولا كوردستان تستطيع بناء مستقبل مستقر بمعزل عن محيطها العراقي. وما يجمع الطرفين أكبر من الخلافات السياسية والاختلافات في الرؤى، إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية لبناء دولة تحمي الجميع.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات ولا إلى خطابات التخوين والتشكيك، بل إلى شجاعة الاعتراف المتبادل، وإلى إرادة سياسية تضع الإنسان قبل الحزب، والوطن قبل النفوذ، والدستور قبل المصالح الشخصية.
ومن زاخو إلى الفاو، تبقى وحدة العراق مسؤولية مشتركة، لا شعاراً يرفع عند الحاجة، ولا امتيازاً تحتكره جهة دون أخرى. فالوطن الذي يتسع لجميع أبنائه هو وحده القادر على حماية سيادته وصون كرامة شعبه.