اليوم الموعود.. حين لا يبقى للإنسان إلا عمله

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

يمضي الإنسان في هذه الدنيا منشغلاً بالمال والمنصب والجاه، ويسعى إلى جمع الممتلكات وتوسيع النفوذ، وقد يظن أن كثرة ما يملك هي مصدر قوته وأمانه. لكن هناك يومٌ موعود لا تنفع فيه الأموال ولا المناصب، ولا يستطيع الإنسان أن يحمل معه إلا ما قدمه من عمل.

قال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾

في ذلك اليوم، لا قيمة للمنصب الذي كان صاحبه يتباهى به، ولا للمال الذي جمعه، ولا للأبواب التي أُغلقت في وجه المحتاجين. وإنما يبقى رصيد الإنسان الحقيقي: إيمانه، وأخلاقه، وأعماله الصالحة، وما قدمه للناس من خير.

قال الله سبحانه وتعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

إن مساعدة الناس ليست خسارة، وإكرام الأقارب والأصدقاء ليس مجاملة عابرة، والوقوف إلى جانب المحتاج والمظلوم والمريض واليتيم ليس أمراً يذهب سدى؛ بل هي أعمال تبقى للإنسان، وقد تكون سبباً في رحمة الله ورضوانه.

ويقول رسول الله ﷺ:
«مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»
متفق عليه.

ومن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه أن يتحدث الناس عنه بالخير، لا بسبب منصبه أو ثروته، وإنما بسبب مواقفه النبيلة وأعماله الصالحة. أن يقول أحدهم: كان يقف معنا عندما نحتاجه، وكان يساعد من استطاع، وكان لا يرد محتاجاً، وكان صاحب موقف وكلمة طيبة.

هذه هي الشهادة التي لا تُشترى بالمال، ولا تُفرض بالمنصب.

قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾

أما الإنسان الذي يمتلك القدرة على فعل الخير ثم يغلق بابه أمام الناس، ويجعل ماله ومنصبه وسيلة للتكبر، فقد يفقد أعظم فرصة لبناء رصيد حقيقي يبقى له بعد رحيله. فالمنصب ينتهي، والمال ينتقل إلى غير صاحبه، والناس قد تنسى كثيراً من تفاصيل حياتنا، لكن أثر الخير يبقى في القلوب.

وقال النبي ﷺ:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»
رواه مسلم.

فيا من أعطاك الله مالاً، اجعل منه نصيباً للخير.
ويا من أعطاك الله منصباً، اجعله باباً لخدمة الناس.
ويا من أعطاك الله قدرة على مساعدة الآخرين، لا تؤجل الخير.

فربما تكون يدٌ مددتَها لمحتاج، أو كلمةٌ طيبة قلتها لمكسور، أو موقفٌ وقفتَه مع إنسان في محنته، هي من أعظم ما تلقاه يوم تحتاج إلى كل حسنة.

ذلك هو اليوم الموعود؛ يوم لا ينفع فيه إلا ما قدمت يداك.

فلا تجعل رصيدك في الدنيا أرقاماً في الحسابات، ولا ألقاباً على الأبواب، ولا صوراً مع أصحاب المناصب؛ اجعل رصيدك الحقيقي دعوات الناس لك، ودمعة محتاج فرّجت كربته، وابتسامة يتيم أسعدته، وحقاً نصرته، وقريباً وصلته، وصديقاً لم تتخلَّ عنه.

وفي النهاية، أجمل سيرة للإنسان ليست أن يقال: كان صاحب مال أو منصب، وإنما أن يقال:

كان إنساناً يحب الخير، ويساعد الناس، ويقف مع أهله وأصدقائه، وترك وراءه أثراً طيباً لا يموت.

فذلك هو الرصيد الذي نحتاجه حقاً… للـيوم الموعود.

قد يعجبك ايضا
∧