الباحث الحقوقي رەنج باراوی
(ملاحظة استباقية: هذا المقال يعد قراءة تحليلية وتنبؤية استراتيجية لمستقبل المعادلات السياسية والعسكرية في العراق وإقليم كوردستان ضمن إطار سيناريو المتغيرات للمرحلة القادمة).
في تاريخ العراق المعاصر، يمثل الأول من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦ نقطة تحول ومحطة محورية في معادلات المنطقة الجيوسياسية؛ إنه اليوم الذي أعلن فيه رسمياً عن انتهاء مرحلة الوجود العسكري الأمريكي على كامل التراب العراقي، لتُرفع الستار عن حقبة جديدة جرى توصيفها بـ (السيادة الفعلية). وفي هذا الكرنفال السياسي والعسكري الحاشد بالعاصمة، لم تكن خطابات قائدي القوات المسلحة: (علي الزيدي) رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة العراقية، و(نيجيرفان بارزاني) رئيس إقليم كوردستان القائد العام لقوات بيشمركة كوردستان، مجرد رسائل دبلوماسية عابرة، بل شكلت خريطة طريق معقدة ومحفوفة بالتساؤلات حيال مستقبل كيان الدولة، والسيادة الوطنية، وتوازن القوى في المنطقة.
١. هل كان عراق ما بعد ٢٠٠٣ «حراً» و«سيادياً» حقاً قبل الانسحاب الأمريكي وبعده؟
لفهم هذا المفهوم الجديد (السيادة الفعلية) بعمق، ينبغي العودة بالوراء إلى عام ٢٠٠٣ وعتبة سقوط النظام السابق، حيث أُطلق على العراق آنذاك تسمية (العراق المحرر من حقبة صدام). الحقيقة التاريخية والسياسية تتمثل في أن عراق ما بعد ٢٠٠٣، بل وحتى في ظل دستور ٢٠٠٥، لم يمتلك يوماً سيادة مطلقة وتامة؛ بل كان كياناً تحوطه إرادة الاحتلال، والتدخلات الإقليمية، وتشرذم القرار الداخلي.
إن انسحاب القوات الأمريكية في عام ٢٠٢٦، ومن منظور استراتيجي، لا يعني بحال هيمنة مطلقة للدولة العراقية على كافة مفاصلها، بل هو تحول لشكل الوجود الأمريكي من الصبغة «العسكرية البحتة» إلى «الدبلوماسية، التكنولوجية والاستخباراتية بعيدة الأمد». وهنا يبرز السؤال الكبير: أبعد الأول من تشرين الأول، هل سيادة العراق حقيقية، أم أن فراغاً سيخلفه تمدد بوزن أكبر للقوى غير الدستورية؟
حينما تعيش غالبية الفصائل المسلحة غير الدستورية والجماعات الميليشياوية داخل العراق تحت وطأة نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تضيق مساحة المناورة أمام الإرادة الوطنية والقيادة العسكرية الرسمية المتمثلة بـ (علي الزيدي). وفي هذا السياق، لا يمنح الانسحاب الأمريكي سيادة مطلقة للعراق، بل يفرز مخاطر تحول النفوذ الطهراني، في ظل الفراغ واشنطن، إلى الآمر الناهي في سياسة الدولة، تاركاً (الزيدي) أمام اختبار عسير لفرض هيبة الدولة وسلطانها على الجماعات التي لا تدين بالولاء لمرجعية الدولة العراقية.
٢. مكانة إقليم كوردستان وتعامل نيجيرفان بارزاني مع «عراق ما بعد أمريكا»:
تعامل رئيس إقليم كوردستان، (نيجيرفان بارزاني)، بوصفه سياسياً براغماتياً ذا رؤية استراتيجية، مع كرنفال السيادة بعمق دبلوماسي كبير. فداخل جغرافية إقليم كوردستان، ثمة واقع معقد: فمن جهة، تواجه الأحزاب والقوى الكوردستانية تأثيراً وضغوطاً من التحالف الإيراني، ومن جهة أخرى، تقتضي المصالح العميقة لكيان الإقليم حماية الدستور وتوازنات القوة.
يدرك (نيجيرفان بارزاني) جيداً أن العراق بلا أمريكا، إن بقي بلا غطاء دستوري، سيغدو ساحة حتمية لتصفية حسابات النفوذ الخارجي. من هنا، جاء نهجه في التعاون مع (علي الزيدي) لتوحيد الصفوف العسكرية وتفكيك الميليشيات، مرتكزاً على أسس هادئة، وبناء الثقة، والعودة إلى ثوابت الدستور العراقي (لا سيما مبادئ الفيدرالية الواردة في المادتين ١١٦ و١١٧)؛ ذلك أن الدستور يظل بالنسبة لإقليم كوردستان الحصن القانوني الأوحد القادر على حماية مكانة البيشمركة والكيان الدستوري للإقليم إزاء القرارات أحادية الجانب.
٣. المشتركات والتحليل البروتوكولي والعسكري لخطابي الزيدي وبارزاني:
من الناحية البروتوكولية والعسكرية، تمثل القاسم المشترك الأبرز في خطابي (علي الزيدي) و(نيجيرفان بارزاني) في «التأكيد على حماية وحدة الأراضي العراقية والسيادة الوطنية عبر المؤسسات الرسمية». بروتوكولياً: شكل الظهور المشترك للقائدين العامين (القيادة المركزية وقيادة الإقليم) في مستهل المراسم رسالة داخلية ودولية مفادها أن نموذج التنسيق بين أربيل وبغداد هو البوابة الفضلى لملء الفراغات الأمنية.
عسكرياً ودستورياً:
اتفق الاثنان على أنه لا استقرار للأمن الوطني بغير مظلة عسكرية خالصة تحت إمرة الدولة. بيد أن الفارق الدقيق يكمن في كون (الزيدي) ينظر إلى المعادلة من زاوية دولة مركزية رسمية، بينما يقاربها نيجيرفان بارزاني من زاوية «الشرعية الفيدرالية» وصيانة الحقوق الدستورية لقوات البيشمركة.
٤. الوجه الخفي لتأكيد (نيجيرفان بارزاني) على «الدستور» وورقة ضغط الإقليم:
لماذا يشدد (نيجيرفان بارزاني) مراراً وتكراراً على تكريس الدستور؟ أهو مجرد ترديد لشعارات، أم أنه هاجس سياسي ودبلوماسي عميق؟
يكمن الوجه الخفي خلف هذا التأكيد في وجود شكوك سياسية ودبلوماسية عميقة لدى (نيجيرفان بارزاني) بأن العراق، وعقب الانسحاب الأمريكي، قد يتجه نحو تراجع تام عن مبادئ الشراكة، والتوازن، والتوافق. يدرك رئيس الإقليم بوعي تام أن الغالبية السياسية والفصائل المسلحة في بغداد، إن تجردت من القيود الدستورية (كتقييد الصلاحيات المتداخلة وفق المادة ١١٠ الخاصة بالصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية)، قادرة على تعريض مكتسبات الإقليم الدستورية لمخاطر جمة. وعليه، فإن الإصرار على الدستور يصيب هدفاً استراتيجياً يتمثل في قطع الطريق أمام أي رؤية متحجرة أو أحادية ترغب في إذابة مكانة الإقليم وقوات البيشمركة داخل الخريطة العسكرية الجديدة للعراق.
أما بشأن التدابير التي سيتخذها إقليم كوردستان حال تنصل بغداد أو الجهات غير الرسمية عن الالتزام بالدستور؟
فلن يعتمد الإقليم هنا على الوعود وحدها، بل سيشهر أوراق ضغط كعمقه الدولي، واستقراره الاقتصادي الداخلي، وتوازن القوة العسكرية للبيشمركة كدرع ثانٍ لردع أي تجاوز محتمل.
٥. البيشمركة: بين توحيد الرواتب والقيادة الاتحادية:
يطرح السؤال الحساس نفسه: هل ستخضع البيشمركة، متى ما سويت رواتبها وموازنتها لتطابق نظيراتها في القوات العراقية، لسلطة علي الزيدي العسكرية والدستورية، أم ستظل تحت مظلة قيادة (نيجيرفان بارزاني)؟
تتجلى إجابة هذا السؤال في صلب الدستور العراقي ذاته، والذي جعله (نيجيرفان بارزاني) نقطة تحول في خطابه: البيشمركة جزء أصيل من منظومة الدفاع العراقية (وفق المادة ١٢١/الفقرة خامساً التي اعترفت بقوات أمن الإقليم كقوة دستورية)، إلا أن القيادة الإدارية، والتدريب، والقيادة الميدانية لقوات البيشمركة تبقى مندرجة تحت مظلة المؤسسات الرسمية لإقليم كوردستان ورئاسة الإقليم. إن إعادة التوحيد العسكري لا تعني قط الدمج الأعمى للقطعات، بل تعني التنسيق الاستراتيجي مع القائد العام للقوات المسلحة العراقية (الزيدي)، استناداً إلى الصلاحيات والمهام المشتركة التي حددتها (المادة ١١٤) لإدارة الأمن الداخلي بصورة مشتركة.
٦. كود الخطة العسكرية، الخلايا النائمة لداعش والفراغ التكتيكي الأمريكي (خريطة طريق عملية):
في الوقت الذي تشكل فيه تحركات الخلايا النائمة لداعش خطراً حقيقياً على أمن العراق، ينبغي أن يرتكز كود الخطة الأمنية والعسكرية المشتركة بين بغداد وأربيل على الخطوات العملية التالية:
١. غرفة العمليات المشتركة: استحداث آلية استخباراتية مشتركة وسريعة بين الجيش العراقي والبيشمركة في المناطق المتنازع عليها لملء الفراغات الجغرافية، مستندين في ذلك إلى مبادئ المادة (١٤٠) والصلاحيات المشتركة.
٢. الاعتماد على القدرات الذاتية: تلبية المتطلبات اللوجستية والتكنولوجية للمراقبة التي كانت واشنطن تؤمنها سابقاً، وذلك عبر التعاون التقني الرسمي بعيداً عن القوى الرديفة وغير الرسمية.
٧. المنافذ الحدودية، شرايين الاقتصاد والتوازن الإقليمي:
لا تقوم السيادة الفعلية على البنى العسكرية والسلاح فحسب، بل تحمل أبعاداً اقتصادية وجغرافية عميقة. وفي هذا الإطار:
١. السيطرة على المنافذ الحدودية: على الرغم من أن السياسة الخارجية والجمارك تقع ضمن الصلاحيات الحصرية للمركز وفق المادة (١١٠)، إلا أن إدارتها المشتركة مع الإقليم طبقاً للمادتين (١١٢ و١١٤) تحتم إخضاع المنافذ الحدودية وعائدات الجمرك للمظلة الرسمية والدستورية للدولة، بعيداً عن احتكار القوى غير الرسمية والجهات الخارجة عن القانون.
٢. التوازن الدبلوماسي مع الجوار: يمثل دور (نيجيرفان بارزاني) في الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار (ولا سيما طهران وأنقرة) درعاً واقياً يمنع تحول العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، ويبقي على إقليم كوردستان عاملاً للاستقرار.
الخلاصة: بوصلة المستقبل نحو المناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودية:
في الختام، يمثل اشتغال القائدين (الزيدي وبارزاني) على تكريس الدستور في المناطق المتنازع عليها، والمنافذ الحدودية، والمفاصل الاقتصادية، الاختبار الأخير للسيادة الفعلية للعراق. وإن أفضت هذه السيادة إلى إنهاء التدخلات الخارجية واحترام الحقوق الدستورية للإقليم (وفق متون ومواد الدستور العراقي)، فسيتسنى للعراق التقاط أنفاسه بحرية. بيد أن كان الانسحاب الأمريكي مجرد تبديل لشكل النفوذ لصالح هيمنة القرار الثانوي وغير الرسمي، فستبقى السيادة مجرد شعار ورقي، وهو ما حذر منه نيجيرفان بارزاني مسبقاً في خطابه إزاء هذه المرحلة العسيرة.
المراجع القانونية:
١. دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥:
ٲ: المادة (١١٠): خاصة بالصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية.
ب: المادة (١١٢): خاصة بإدارة الثروات الطبيعية والنفط والغاز.
ت:المادة (١١٤): خاصة بالصلاحيات المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم.
ث:المادتان (١١٦ و١١٧): الاعتراف الرسمي بالنظام الفيدرالي وكيان إقليم كوردستان.
د:المادة (١٢١ – الفقرة ٥): الاعتراف الدستوري بقوات أمن الإقليم (البيشمركة) كجزء من المنظومة الدفاعية.
ج: المادة (١٤٠): الآلية الدستورية لمعالجة قضية المناطق المتنازع عليها.
٢.السید علي الزیدي ،السید نیجیرفان بارزاني، مراسیم سیادة العراق،كلمات خطابیة،بغداد،اول تشرین الاول ۲۰۲٦