انسحاب قوات التحالف: اختبار للبيشمرگه وللشعب الكوردي

د.جيهان علو
باحثة في الشأن الكوردي و الإيراني

تمر الشعوب في تاريخها الحيوي بلحظات فارقة لا تُقاس بالسنوات، بل بحجم القرارات الوجودية التي تتخذها عندما تتغير خريطة التوازنات الدولية والإقليمية، واليوم يجد إقليم كوردستان والشعب الكوردي عموماً نفسه في مواجهة إحدى أكثر هذه اللحظات حساسية وخطورة، والمتمثلة في انسحاب أو إعادة انتشار قوات التحالف الدولي، وهو حدث لا ينبغي على الإطلاق قراءته كنمط من التغيير العسكري الروتيني، بل كاختبار تاريخي حقيقي وعميق لمؤسسة البيشمرگه ولوعي الإنسان الكوردي بشرعية وجوده وقدرته على تقرير مصيره و مواجهة الإرهاب و الحكومات المركزية. إذ شكّل وجود التحالف الدولي طوال السنوات الماضية مظلة حماية أمنية وغطاءً لوجستياً منح هامشاً استراتيجياً من الاستقرار، غير أن التغيرات الجيوسياسية المتسارعة تُحتم على الشارع الكوردي أن يدرك حقيقة واضحة مفادها أن غياب هذا الغطاء يضع عقيدة البيشمرگه أمام المرآة بشكل مباشر، إذ لم يعد كافياً الاستناد إلى إرث البسالة والشجاعة والتضحيات المشهودة في ميادين المواجهة ضد الإرهاب والدكتاتورية، بل أصبحت الحاجة ملحة للتحول السريع والكامل نحو بناء جيش وطني موحد يتجاوز الولاءات الحزبية الضيقة والانقسامات التاريخية، فلا يمكن لمؤسسة عسكرية أن تحمي أرضاً أو تصون كرامة أمة إذا كانت قيادتها وتشكيلاتها مقسومة وفق حسابات القوى السياسية النافذة، وبالتالي فإن إنهاء الشرذمة وتوحيد صفوف البيشمرگهة تحت مظلة وطنية واحدة، وقيادة عسكرية مهنية، لم يعد مجرد رفاهية أو خيار سياسي يخضع للتفاوض والمناورات الحزبية، بل صار شرطاً حيوياً وأساسياً لبقاء الكيان الكوردي وحفظ مكتسباته المشروعة و أمر توحيد قوات البيشمرگه كان من أذكى الخيارات في الوقت الراهن.
فالدرس الأكبر الذي يفرضه التاريخ الشرق أوسطي بكل تقلباته هو أن المصالح الدولية متغيرة ولا تعرف الالتزامات الأخلاقية الدائمة تجاه الشعوب، فالقوى الكبرى تتحرك دوماً وفق استراتيجياتها الذاتية وحساباتها القومية الحاكمة، مما يوجب على المجتمع الكوردي حسم موقفه الفكري والسياسي باتجاه إنهاء ثقافة انتظار الخلاص من الخارج، وقطع الطريق على أي شكل من أشكال الوصاية، سواء كانت وصاية يرتبط خروجها بالتحالفات الدولية، أو وصاية احتكار تمارسها القوى والأحزاب السياسية الداخلية التي جعلت من مصير الأمة رهينة للخصومات الشخصية والتجاذبات الفئوية، إذ لا توجد أية جهة سياسية، مهما ادعت الحرص أو امتلكت من النفوذ، قادرة على حماية البيت الكوردي إذا كان هذا البيت متصدعاً من الداخل، كما لا يحق لأي طرف سياسي في العراق أو خارجه أن يضع نفسه وصياً أو متحدثاً حصرياً باسم شعب يمتلك من التضحيات والوعي ما يؤهله لقيادة نفسه بنفسه وفرض إرادته الحرة. إذ حان الوقت لليقظة الوطنية الشاملة وإدراك أن المصلحة القومية العليا تتطلب الاستيقاظ الفوري على واقع جديد يفرضه التلاحم المجتمعي والمؤسساتي، وهذا يقتضي بالضرورة تجاوز الخلافات السياسية الموروثة، وتغليب المصلحة الوطنية لكوردستان فوق كافة الاعتبارات الحزبية والشخصية الضيقة، مع البدء الفوري في بناء مؤسسات حوكمة مستقلة وقوية تستمد قوتها من سيادة القانون ونزاهة إدارة الموارد، لتكون قادرة على الصمود الذاتي ومواجهة أية تحديات أمنية أو سياسية مقبلة.
و يتطلب هذا التحول المصيري خلق وعي مجتمعي ناضج يتجاوز السلبية، يدرك فيه كل مواطن كوردي أن قوته الحقيقية وصوته السيادي هما الأداة الأقوى للإصلاح والتغيير والتصدي للتحديات الخارجية، بدلاً من الارتهان للخطابات السياسية التقليدية التي أنهكت الشارع وأضعفت موقف الإقليم أمام المتربصين به، ذلك أن انسحاب التحالف الدولي يجب ألا يُقرأ بآلية الخوف أو القلق الانهزامي، بل بصفته فرصة تاريخية لا تتكرر لاستعادة المبادرة واستعادة زمام السيادة الوطنية. فنحن أمام مفترق طرق حاسم: إما أن نثبت للعالم، كأمة ومجتمع ومؤسسات، أننا شعب ناضج يملك جيشاً موحداً ووفاقاً داخلياً صلباً قادراً على حماية أرضه ومكتسباته الذاتية، وإما أن نترك التاريخ يكرر نفسه في دوامة وصاية الآخرين على المصير الكوردستاني . فالمستقبل لا يُمنح كهدية مجانية من القوى العظمى، ولا يُحتكر بحسب أهواء الأحزاب والتكتلات السياسية، بل يصنعه ويحميه شعب واعٍ، متماسك، يدرك مصلحته العليا ويسترد إرادته ليدافع عن كرامته ووجوده بيده لا بيد غيره .

قد يعجبك ايضا
∧