الخوف ليس على كوردستان.. بل على عراق يحرسه أكثر من حارس

انس الشيخ مظهر

حين يخرج مسؤول كوردي على الاعلام ويقول إنه يخشى تدهور الأمن بعد خروج التحالف، يفسر عند البعض بانه خوف على امن اقليم كوردستان , وهو تفسير غير صحيح .. فمن كسر داعش عام 2014 وهو في ذروة قوته، بأسلحة ثقيلة غنمها من جيش تركه قادته وهرب، لا يخاف اليوم من خلايا تختبئ في الوديان وتنفذ كمائن متفرقة. يومها كانت البيشمركة أقل تنظيماً وتسليحاً مما هي عليه الآن، ومع ذلك أوقفت الزحف ثم انتقلت إلى الهجوم، بينما انتقل داعش من دولة تحكم مدناً إلى عصابات تبحث عن ملجأ.

الخوف هو على الوضع العراقي الذي قد يؤثر لاحقا على امن اقليم كوردستان … الخوف على بلد فيه جيش وشرطة وجهاز مكافحة إرهاب واستخبارات وحشد وفصائل، لا يعرف أحد من يقرر فيه أمنياً. أجهزة كثيرة وقرار مشتت وحسابات إقليمية تتسلل إلى غرف العمليات، وحين يكون للأمن عشرة رؤوس لا يستغرب أحد أن تضيع المعلومة بينها. والإرهاب في هذه الحالة لا يحتاج جيشاً، تكفيه ثغرة ينفذ منها. وقد رأينا تاثير هذه الثغرات , ففي النصف الثاني من أيلول وقعت أكثر من عشر عمليات إرهابية في مناطق متفرقة، تزامنت مع اكتمال الانسحاب الأميركي في 30 أيلول. من شاء أن يسميها صدفة فله ذلك، لكن السياسة لا تعيش على الصدف. ولا توجد أدلة علنية على أن دولة بعينها تحرك داعش، ولن نتهم أحداً بلا دليل، غير أن هذا البلد ساحة مفتوحة لمن يريد تصفية حساب مع خصمه على أرض غيره، وعراقاً ضعيفاً ومنشغلاً بجراحه يناسب أطرافاً كثيرة. فمن حقنا أن نسأل… من المستفيد؟

ثم إن الخوف الأكبر لا يُقال عادة بصوت عال , فالقلق ليس من داعش وحده، بل من سلاح خارج الدولة له حسابات خاصة وارتباطات تتجاوز الحدود، وقد يتحرك بردود أفعال داخلية أو خارجية عند أي تصعيد إقليمي أو صدام مع خصوم في الداخل أو الخارج. والمشكلة أن الصدام بين قوى كهذه لا ينتهي بحلول وسط. من يرى في تسليم سلاحه نهاية لوجوده لا يفاوض من موقع الحل بل من موقع البقاء، وحين تتصادم قوى تعتبر التراجع هزيمة يصير القتال هو النتيجة، وتتسع رقعته بسرعة، وتدفع ثمنه المدن والناس والاقتصاد لا الفصائل وحدها. تكفي شرارة واحدة، ضربة خارجية أو اغتيال أو اشتباك على حاجز، لتتحول أزمة سياسية إلى مواجهة لا يملك أحد إيقافها.

والخطران يغذي أحدهما الآخر. كل هجوم إرهابي يمنح أصحاب السلاح حجة جاهزة مفادها ان “البلد يحتاجنا”، وكل فوضى تنتجها الفصائل أو تُجرّ إليها تمنح داعش المساحة التي يعيش عليها. هكذا يصير الإرهاب وثيقة تأمين لكل سلاح منفلت، ويصير السلاح المنفلت حاضنة لكل فوضى. وهذه الحلقة بالذات هي ما يجعل الحديث عن مكافحة داعش وحده حديثاً ناقصاً، فمن يريد القضاء على الخلايا عليه أن يسحب من يد الآخرين الذريعة التي يعيشون عليها.

يمكن اعتبار عملية بردي في محافظة كركوك والتي نفذتها القوات الامنية العراقية قبل ايام اختبارا حقيقيا لمدى قدرة القوات الامنية على التعامل مع خطر داعش , ففي البداية تم الاعلان عن قتل عنصرين من داعش، ثم خرجت شهادات محلية ومصادر سياسية تتحدث عن استشهاد مدنيين ايضا ، بينهم فتى في الخامسة عشرة . عملية داخل حي سكني تنتهي بمقتل عنصر واحد من داعش مقابل استشهاد مدنيين اثنين لا تُسمى نجاحاً مهما صيغ البيان فهي تعكس الارتباك الذي عانت منه القوات الامنية العراقية في هذه العملية . ان مكافحة الإرهاب ليست إطلاق نار على هدف، بل معلومة دقيقة وعزل للمنطقة وحماية للأبرياء ثم صدق مع الناس. وكل مدني يسقط خطأً يقدم لداعش ما عجز عن الحصول عليه بالسلاح .

التنظيم لم يعد يريد دولة، بل يريد دولة تبدو عاجزة، فصورة انفجار صغير على هاتف تصنع من الذعر ما لا تصنعه معركة كاملة، ولذلك تحتاج الحكومة إلى خطاب هادئ لا يهوّل ولا يخفي، فالثقة سلاح كما هي البنادق.

البيشمركة تحمي كوردستان وقد أثبتت ذلك، لكنها لا تستطيع أن تعالج وحدها ما تصنعه الفوضى في العراق ، فتلك مسؤولية الحكومة الاتحادية أولاً. لم ينتصر داعش عام 2014 لأن مقاتليه أبطال، بل لأن الدولة كانت تتفرج على نفسها وهي تتفكك. والخطر اليوم ليس أن يعود داعش إلى كوردستان، فهي لا تنتظره، بل أن يعود العراق إلى الظروف التي جعلته ممكناً أول مرة، وأن يضاف إليها سلاح لا يعترف بحدود الدولة ولا يقبل بحلول وسط.

قد يعجبك ايضا
∧