نبيل الربيعي
لم يكن موفق محمد أبو خمرة مجرد شاعر عراقيّ كتب عن الوطن والحب والوجع، بل كان واحداً من أولئك الشعراء الذين تحولت حياتهم نفسها إلى قصيدة. وحين أتأمل تمثاله القائم على حدائق الجمعية، لا أراه مجرد تكريم متأخر لشاعر رحل، بل أراه مفارقة ثقافية عراقية كاملة: شاعر ظل قريباً من الناس، بعيداً عن صخب المركز، كما أراه صورةً مكثفة لعلاقة استثنائية بين إنسان ومدينته؛ شاعر اختار أن يبقى قريباً من الناس والذاكرة، وأن يجعل من المكان مادةً للقصيدة، ومن القصيدة شاهداً على زمن عراقي مثقل بالخسارات. ثم انتهى به الأمر إلى أن يصبح جزءاً من ذاكرة المدينة التي أحبها. كأن الحلة، في النهاية، أنصفت شاعراً لم تنصفه المؤسسة الثقافية العراقية بما يكفي.

موفق محمد لم يكن شاعراً يكتب عن العراق من الخارج، ولا كان معنياً بتجميل صورته. كان يكتب من داخله، من مناطق الألم والتناقض والسخرية، ولذلك بدت قصيدته أقرب إلى نبض الشارع منها إلى اللغة التي اعتادت المنابر الثقافية أن تحتفي بها.
كنت أراه أبعد من شاعر؛ كنت أراه، في جانب من تجربتي الشخصية، التحرر من السلطة، والأفكار الجاهزة، ومن الخوف، ومن تلك الرقابة الداخلية التي تجعل المثقف يراقب كلماته قبل أن يراقبه أحد. وهذا تحديداً ما جعل تجربة موفق محمد مهمة في الثقافة العراقية.
فالشاعر الذي لا يخضع بسهولة للمؤسسة يصبح، غالباً، أقل قابلية للتصنيف. ومشهدنا الثقافي العراقي، على امتداد عقود، لم يكن دائماً رحيماً بمن يصعب وضعه في خانة واضحة. لقد اعتادت الثقافة عندنا، بدرجات مختلفة، أن تتأثر بالمركز السياسي، وبالمؤسسة، وبالعلاقات الشخصية، وبالمنابر، وبالمدن التي تمتلك وسائل إنتاج الحضور الثقافي. ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى شاعر مثل موفق محمد قريباً من الهامش الجغرافي والثقافي، رغم أنه كان في صميم التجربة العراقية. المشكلة ليست في غياب الموهبة، وإنما في الطريقة التي تُدار بها الموهبة.
فكم من شاعر وكاتب ومثقف عراقي يمتلك تجربة حقيقية، لكنه لا يجد طريقه إلى الواجهة إلا عبر مؤسسة أو علاقة أو منبر؟ وكم من أسماء تصنعها المناسبات أكثر مما تصنعها النصوص؟ وكم من مهرجان يتحول فيه الشعر إلى بروتوكول، والثقافة إلى صور تذكارية، والكتاب إلى واجهة اجتماعية؟ في مثل هذا المشهد، يصبح الشاعر الذي يكتب خارج قواعد العلاقات الثقافية أقل حظاً في الحضور، حتى لو كان أكثر التصاقاً بالناس.
لم يكن معنياً بأن يجعل القصيدة بطاقة عبور إلى المؤسسة. ولذلك بقيت قصيدته تحمل شيئاً من خشونة الحياة العراقية، بعيداً عن الصقل الزائد الذي قد يحوّل الشعر إلى منتج ثقافي أنيق لكنه منزوع الروح. قوة تجربته لا تأتي من الموضوع وحده، فالوطن والحرب والفقر والخراب موضوعات كتب عنها شعراء كثيرون، وإنما تأتي من طريقة تحويل هذه المادة اليومية إلى بنية شعرية ساخرة ومؤلمة في آن واحد.
فضلاً عن أن السخرية عند موفق ليست ضحكاً على الواقع، بل طريقة لكشفه. كان يعرف أن المأساة العراقية بلغت من القسوة حداً يجعل البكاء وحده عاجزاً عن التعبير عنها. لذلك كان يضع المفارقة في قلب القصيدة، ويترك القارئ يضحك للحظة، قبل أن يكتشف أنه يضحك على جرحه الشخصي. وهنا تكمن القيمة الفنية لتجربته: أن السخرية لديه ليست بديلاً عن الألم، بل شكلاً آخر من أشكاله.
كما أن لغته لم تكن تبحث عن الانفصال عن الجمهور. كان يأخذ من الشارع مفرداته وإيقاعه وذكاءه الشعبي، ثم يعيد تشكيلها شعرياً. وهذا ما منح قصيدته قدرة نادرة على الجمع بين الثقافة الشعبية والحس الشعري، وبين الفصحى والعامية، وبين المباشرة والرمز. إنه شعر يعرف أن العراقي لا يعيش اللغة منفصلة عن حياته؛ اللغة عنده جزء من المقهى والبيت والسوق والشارع والنكتة والمأتم والهزيمة. وهنا أيضاً تكمن أهميته في المشهد الشعري العراقي: لقد رفض، عملياً، فكرة أن الشعر الجاد يجب أن يكون بعيداً عن الناس.
كما أن الحلة في تجربته ليست خلفية جغرافية، وإنما جزء من تكوينه الشعري. النهر عنده ليس مجرد منظر؛ إنه ذاكرة. والمدينة ليست أبنية؛ إنها أصوات ووجوه وطفولة وألم. ولذلك فإن بقاءه في الحلة يمكن قراءته بوصفه موقفاً ثقافياً أيضاً، في بلد ظل المركز الثقافي فيه شديد الارتباط ببغداد. لقد كتب من مدينة لا تمتلك كل أدوات صناعة النجومية الثقافية، لكنه لم يسمح لذلك أن يجعل تجربته أقل قيمة. وهنا المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها المشهد الثقافي العراقي: لماذا نحتاج دائماً إلى أن يذهب المبدع إلى المركز كي نعترف بأنه موجود؟ لماذا لا تستطيع المؤسسات الثقافية أن تذهب هي إلى المدن، إلى المحافظات، إلى الأماكن التي تتشكل فيها التجارب بعيداً عن العاصمة؟
إن مركزية الثقافة لا تختلف كثيراً، في بعض وجوهها، عن مركزية السياسة. كلاهما يستطيع أن يجعل الأطراف أقل ظهوراً، حتى عندما تكون الأطراف أكثر امتلاءً بالحياة. وموفق محمد، في هذا المعنى، ليس حالة فردية فقط؛ إنه سؤال عن طريقة تعاملنا مع الثقافة العراقية نفسها.
لقد عاش العراق حروباً وحصاراً واستبداداً وانهياراً اجتماعياً وسياسياً، ثم دخل بعد 2003 في مرحلة جديدة من التشظي والمحاصصة والاصطفافات والهويات الفرعية. وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الثقافة أيضاً. لكن الثقافة التي يفترض أن تكون مساحة للأسئلة تحولت في أحيان كثيرة إلى مساحة لإعادة إنتاج الاصطفافات نفسها. أصبح بعض المثقفين أسرى للمؤسسة، وبعض المؤسسات أسيرة للتمويل، وبعض المنابر أسيرة للعلاقات، بينما بقي السؤال الأهم: أين الإنسان في كل ذلك؟
كان موفق محمد يضع الإنسان في المقدمة، ولم يكن وطنه نشيداً احتفالياً، ولا صورة معلقة على جدار. كان الوطن عنده سؤالاً عن العدالة والكرامة والحرية. ولذلك لم يكن حبه للعراق من النوع الذي يطلب من الشاعر أن يصمت أمام الخراب؛ كان حباً مشروطاً بكرامة الإنسان. وهذا هو الفارق بين الشاعر الذي يستخدم الوطن موضوعاً، والشاعر الذي يحول الوطن إلى سؤال أخلاقي وشعري مفتوح.
حين رحل موفق محمد في أيار 2025، فقدت الحلة صوتاً كان جزءاً من ذاكرتها. لكن رحيله يفتح سؤالاً أكبر من الرثاء: ماذا تفعل الثقافة العراقية بمبدعيها بعد رحيلهم؟ هل نكتفي بالتمثال، والندوة، والذكرى السنوية، والمنشور العاطفي؟ أم نعيد قراءة النص نفسه؟ أم نضع تجربة الشاعر داخل تاريخ الشعر العراقي، ونبحث عن إضافته الفنية، وعن تأثيره، وعن موقعه الحقيقي بعيداً عن المجاملة؟ تكريم المبدع بعد رحيله جميل، لكنه لا يعوض تقصير المؤسسة الثقافية في حياته.
أستعيد موفق محمد اليوم لا بوصفه شاعراً راحلاً فحسب، بل بوصفه تجربة تستحق إعادة القراءة؛ تجربة شاعر لم يجعل القصيدة زينة للحياة، وإنما جعلها احتجاجاً عليها حين تنحرف عن الإنسان. وقد تعلمت منه أن المثقف لا يكون حراً حين يعلن استقلاله فقط، بل حين يستطيع أن يقول (لا) للمؤسسة التي تمنحه الامتياز، وللجمهور حين يطالبه بالمجاملة، وللأفكار الجاهزة حين تتحول إلى يقين مغلق. لذلك سيبقى موفق محمد حاضراً في الحلة، ليس لأن تمثاله يقف منتصباً على حدائقها فحسب، وإنما لأن قصيدته ما زالت تمشي بين الناس. وربما يكون أجمل ما يمكن أن نفعله تجاهه ألا نحوله إلى تمثال آخر داخل ثقافتنا؛ فالشاعر الذي عاش ساخراً من القوالب يستحق أن تبقى تجربته مفتوحة على السؤال.
موفق محمد ترك لنا مهمة أصعب: أن نعيد قراءة القصيدة، وأن نسأل الثقافة العراقية لماذا تتذكر مبدعيها غالباً بعد أن يفوت أوان الإنصاف.