م. م زيد محمد كاظم
لم يعد الجمهور ينتظر الخبر من نشرة الأخبار أو يبحث عنه في صفحات الصحف كما كان يحدث في السابق فقد أصبح الهاتف المحمول نافذة مفتوحة على الأحداث لحظة وقوعها وأصبحت المنصات الاجتماعية جزءاً من الحياة اليومية للناس حتى تحول المتلقي من شخص ينتظر الرسالة الإعلامية إلى طرف حاضر في إنتاجها ونشرها والتعليق عليها وتحديد مدى انتشارها وهذا التحول لم يحدث بسبب تطور التكنولوجيا وحده وإنما جاء نتيجة تغير طبيعة العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام فالمتلقي اليوم يمتلك القدرة على الوصول إلى مصادر متعددة في اللحظة نفسها ويستطيع أن يقارن بين الروايات المختلفة وأن يعلق على الخبر وأن يصحح بعض المعلومات وأن يعيد نشر المادة التي يراها مهمة كما يستطيع أن يصنع محتوى خاصاً به وينافس المؤسسات الإعلامية في الوصول إلى الجمهور وأحد أهم أسباب هذا التحول هو سرعة المنصات الاجتماعية فقد أصبح الخبر ينتقل من مكان الحدث إلى آلاف الهواتف خلال دقائق وربما ثوانٍ وهذا الأمر جعل المؤسسات الإعلامية أمام جمهور لا يريد الانتظار طويلاً فالتأخير في نشر الخبر قد يعني أن الجمهور شاهده بالفعل من حساب شخصي أو صفحة محلية أو شاهد مقطعاً مصوراً نشره أحد الموجودين في موقع الحدث والسبب الثاني يرتبط بسهولة المشاركة فقد أصبح المتلقي قادراً على إعادة نشر الخبر أو التعليق عليه أو إرساله إلى الآخرين بضغطة واحدة وهذا يعني أن الرسالة الإعلامية لم تعد تسير في اتجاه واحد من المؤسسة إلى الجمهور وإنما أصبحت تتحرك في اتجاهات متعددة ويتدخل الجمهور في تحديد مسارها من خلال التفاعل معها والسبب الثالث يتمثل في ظهور المواطن الصحفي فقد يستطيع شخص عادي موجود في مكان الحدث أن يصور ما يحدث بهاتفه وينشره قبل وصول الكاميرا التلفزيونية أو الصحفي إلى المكان وهذه الإمكانية جعلت الجمهور مصدراً للمعلومات وليس مجرد مستهلك لها والسبب الرابع يرتبط بتنوع الأصوات فقد أتاحت المنصات الاجتماعية مساحة لأشخاص ومجموعات لم تكن تمتلك فرصة الظهور في وسائل الإعلام التقليدية وأصبح من الممكن أن يظهر صوت المواطن والناشط والطالب وصاحب المشروع الصغير والخبير والمتخصص إلى جانب المؤسسات الإعلامية الكبرى وهذه العوامل أعادت تشكيل العلاقة بين الجمهور والإعلام بصورة واضحة فالمؤسسة الإعلامية لم تعد تمتلك وحدها مفاتيح النشر ولم يعد الصحفي هو المصدر الوحيد للمعلومة وأصبح الجمهور أكثر قدرة على مساءلة الوسيلة الإعلامية ومقارنة ما تنشره مع ما تنشره وسائل أخرى فالمتلقي نفسه أصبح جزءاً من العملية الإعلامية فهو يختار ما يشاهده ويتفاعل معه ويشارك في انتشاره وقد يتسبب تعليق واحد في تغيير اتجاه النقاش حول مادة إعلامية كاملة كما يمكن لمقطع قصير أن يتحول إلى موضوع رئيسي تتناوله البرامج والنشرات والمواقع الإخبارية بعد أن بدأ من حساب شخصي
فالواقع العراقي يقدم مثالاً واضحاً على هذه العلاقة الجديدة ففي كثير من الأحداث اليومية يبدأ تداول المعلومة من منشور أو صورة أو مقطع فيديو ينشره مواطن موجود في المكان ثم تنتقل المادة إلى صفحات الأخبار المحلية وبعد ذلك تبدأ المؤسسات الإعلامية بالبحث عن التفاصيل والتأكد من المعلومات وإعداد تقاريرها حول الحدث وهنا يصبح الجمهور جزءاً من نقطة البداية بينما تأتي المؤسسة الإعلامية لاحقاً لتقوم بدورها المهني في التحقق والتفسير والتغطية وهذا التحول يمكن أن يكون مفيداً عندما يؤدي إلى سرعة الوصول إلى المعلومات وفتح المجال أمام أصوات مختلفة لكنه يحمل في الوقت نفسه مشكلة كبيرة تتمثل في سرعة انتشار المعلومات غير الدقيقة فقد تنتشر صورة قديمة على أنها حدث جديد أو مقطع من دولة أخرى على أنه حدث داخل العراق وقد تتحول معلومة غير مؤكدة إلى حقيقة متداولة بسبب كثرة إعادة نشرها والانتشار لا يعني صحة المعلومة وهذه قاعدة أصبحت ضرورية في العلاقة الجديدة بين الجمهور والإعلام فالخبر الذي يحصل على آلاف المشاركات لا يصبح صحيحاً بسبب عدد المشاركات كما أن الفيديو الذي يشاهده ملايين الأشخاص لا يصبح دليلاً مكتمل الأركان لمجرد انتشاره وتظهر مسؤولية المؤسسة الإعلامية التي لم تعد مطالبة بالنشر السريع فقط وإنما أصبحت مطالبة بتقديم ما لا يستطيع الجمهور العادي تقديمه من تحقق وتدقيق وسياق وتحليل وربط بين الأحداث فالقيمة التي يمكن أن يقدمها الإعلام المهني في عصر المنصات ليست مجرد نقل ما يحدث وإنما التأكد مما حدث وشرح خلفياته ووضعه في سياقه الصحيح
فالجمهور أيضاً أصبح أمام مسؤولية جديدة فإعادة نشر الخبر لم تعد فعلاً بسيطاً كما تبدو لأن المشاركة قد تساعد في نشر معلومة صحيحة وقد تساهم في الوقت نفسه في نشر شائعة أو اتهام أو صورة مضللة لذلك أصبح التحقق قبل المشاركة جزءاً من الثقافة الإعلامية التي يحتاجها مستخدم المنصات الاجتماعية
العلاقة الجديدة بين الجمهور والإعلام تقوم في النهاية على المشاركة وليس على التلقي فقط فالجمهور يرسل المعلومات ويتفاعل معها والمؤسسة تتابع ما يهم الناس وتتحقق منه وتفسره ثم يعود الجمهور إلى التفاعل مع ما تقدمه المؤسسة وهكذا تتشكل دائرة إعلامية جديدة يصبح فيها التأثير متبادلاً
النصيحة الأهم في هذه البيئة هي ألا يمنح الجمهور ثقته الكاملة للخبر لمجرد ظهوره أمامه مرات كثيرة وأن يتوقف قبل المشاركة ليتأكد من مصدر المعلومة وتاريخ الصورة والفيديو والجهة التي نشرت الخبر أول مرة كما ينبغي للمؤسسة الإعلامية أن تتعامل مع الجمهور باعتباره شريكاً في العملية الاتصالية لا مجرد رقم في نسب المشاهدة
المنصات الاجتماعية لم تلغ الإعلام لكنها غيرت قواعد العلاقة معه ولم تعد قوة المؤسسة الإعلامية تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى الجمهور وإنما بقدرتها على الحفاظ على الثقة وسط تدفق هائل من المعلومات
المستقبل الإعلامي لن يكون لجمهور ينتظر ولا لمؤسسة تتحدث وحدها بل لعلاقة أكثر تفاعلاً يكون فيها الجمهور حاضراً في صناعة النقاش وتكون فيها المؤسسة مسؤولة عن التحقق والتفسير والحفاظ على المعايير المهنية
ويبقى النجاح الحقيقي لهذه العلاقة مرتبطاً بقدرة الطرفين على فهم الفرق بين سرعة وصول المعلومة وصحة المعلومة وبين كثرة التفاعل وقيمة المحتوى وبين انتشار الخبر وتأثيره الحقيقي في وعي المجتمع.