د. نوري جاسم
حين نقرأ «منطق الطير» لفريد الدين العطار (1145_ 1221)، لا نقرأ حكاية عن طيور تبحث عن ملكها فحسب، بل ندخل إلى واحدة من أعمق الرحلات الرمزية في تاريخ التصوف والعرفان؛ رحلة الإنسان من ظاهر الأشياء إلى باطنها، ومن تشتت النفس إلى وحدتها، ومن السؤال عن الحقيقة إلى اكتشاف أن الحقيقة لا تُنال بمجرد البحث عنها، وإنما يُتهيأ لها الإنسان حين يتغير هو نفسه.
فالطيور في رحلة العطار ليست مجرد كائنات تحلّق في الفضاء، وإنما هي صور للنفوس البشرية، لكل واحدة منها عذرها وخوفها وتعلقها وحجابها، ولهذا كان اجتماعها وبحثها عن السيمرغ صورة مكثفة للإنسان حين يستيقظ في داخله شوق المعرفة، ويبدأ رحلة الخروج من أسر العادة والأنا إلى فضاء الروح.
وفي قلب هذه الرحلة يقف «السيمرغ» رمزًا للغاية التي تتجه إليها القلوب، غير أن المفارقة الكبرى تظهر عند نهاية الطريق؛ فالسالك الذي قطع المسافات وعبر المخاوف والأودية، لم يجد الحقيقة على النحو الذي كان يتخيل، بل وجد أن الرحلة نفسها كانت تكشف له حقيقته. وهنا يتحول السؤال من «أين الحقيقة؟» إلى «من أنا في حضرة الحقيقة؟». وهذه هي إحدى أعمق إشارات العطار: أن المسافة بين الإنسان والحقيقة ليست مسافة مكان، وإنما مسافة حجاب.

وقد جعل العطار الطريق يمر عبر أودية سبعة، تبدأ بالطلب، ثم العشق، فالمعرفة، فالاستغناء والتوحيد، ثم الحيرة، فالفقر والفناء، وتنتهي بالبقاء. وليس المقصود بهذه الأودية مجرد مراحل أدبية، بل حالات للتحول الداخلي؛ فالطلب يوقظ القلب، والعشق يخرجه من برودة المعرفة إلى حرارة التجربة، والمعرفة تفتح له أبواب البصيرة، والتوحيد يحرره من التعلق بالكثرة، والحيرة تكشف عجز العقل وحده عن الإحاطة بالأسرار، والفناء يعني تجاوز أنانية النفس وحجبها، أما البقاء فيشير إلى مقام جديد يعود فيه الإنسان إلى الوجود وقد تغيرت رؤيته لنفسه والعالم.
ومن هنا تتجلى قيمة «منطق الطير» في التصوف والعرفان؛ فالعرفان الحقيقي ليس تراكمًا للمعلومات، والتصوف ليس مجرد ألفاظ أو مظاهر، وإنما هو انتقال بالإنسان من المعرفة بالشيء إلى التحقق بمعناه. ولذلك لا يكفي أن يعرف السالك الطريق، بل ينبغي أن يسلكه، ولا يكفي أن يتحدث عن العشق، بل ينبغي أن يتحول العشق في داخله إلى صفاء وسلوك، ولا يكفي أن يردد معنى التوحيد، بل ينبغي أن ينعكس التوحيد على نظرته إلى الخلق والحياة.
وفي هذه الرحلة يحضر المرشد الروحي بوصفه دليلًا على الطريق، لا بوصفه بديلًا عن السالك؛ فالطريق يحتاج إلى بصيرة، والبصيرة تحتاج إلى تربية، والتربية تحتاج إلى صحبة صادقة، لأن الإنسان قد يعرف الطريق نظريًا ثم تعوقه نفسه عن السير فيه. ومن هنا كانت الصحبة والتزكية والمجاهدة عناصر أساسية في التجربة الصوفية والعرفانية؛ إذ لا تُفتح أبواب الداخل بكثرة الكلام، وإنما بصدق الطلب واستقامة السلوك وتطهير القلب.
ولعل أجمل ما في «منطق الطير» أن العطار لا يجعل الوصول نهاية الرحلة، بل يجعل الوصول بداية أخرى للإنسان. فحين تسقط بعض الحجب، لا يصبح الإنسان مالكًا للحقيقة، وإنما يصبح أكثر تواضعًا أمامها؛ وكلما اتسعت معرفته اتسعت حيرته، وكلما اقترب من النور أدرك أن النور أكبر من أن يُحاط به. وهنا تلتقي الحيرة بالمعرفة، والفناء بالبقاء، والعشق بالتوحيد، في تجربة روحية لا يكون فيها الإنسان منفصلًا عن الطريق، لأن الطريق صار جزءًا من تكوينه.
وهكذا يمكن أن نقرأ «منطق الطير» بوصفه مرآة للإنسان في كل زمان: نحن جميعًا نبحث عن شيء نظنه بعيدًا، وقد نقضي العمر في قطع المسافات، ثم نكتشف أن الرحلة الحقيقية كانت داخلنا. فالإنسان لا يسافر إلى الحقيقة لكي يجدها في مكان آخر، وإنما يسافر في نفسه لكي يزيل ما يحجبه عنها. ومن هنا تصبح الرحلة انتقالًا من النفس إلى الروح، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن التعلق بالشكل إلى إدراك المعنى، ومن تعدد الطرق في الظاهر إلى وحدة المقصد في الباطن.
وإن «منطق الطير» في أعمق دلالاته ليس كتابًا عن الطيور، بل كتاب عن الإنسان؛ عن ذلك الكائن الذي يحمل في داخله سؤالًا أكبر من حدود العالم، ويبحث عن موطن روحه، ويحنّ إلى أصل لا يستطيع أن ينساه. ولذلك تبقى رحلة الطيور رحلة كل سالك، ويبقى السيمرغ رمزًا للحقيقة التي لا تُختزل في صورة، ولا تُحاصر في عبارة، ولا تُدرك بمجرد النظر، وإنما يُهيَّأ القلب لها حين يتحول الإنسان من طالبٍ للحقيقة إلى إنسانٍ تتجلى الحقيقة في سلوكه.
فالسفر إلى الحقيقة ليس انتقالً المكان، بل عبورٌ في الإنسان؛ وكل طريق لا يغيّر الإنسان من الداخل، مهما طال، يبقى مسافةً لا رحلة. وكل عشق لا يهذب النفس، وكل معرفة لا تزيد القلب تواضعًا، وكل تصوف لا يتحول إلى رحمة وسلام، لم يبلغ بعد جوهر الطريق. ولعل هذا هو سر بقاء «منطق الطير» حيًا في الذاكرة الروحية: لأنه لا يحدثنا عن طيورٍ عبرت الأودية فحسب، بل يحدثنا عن أرواحٍ ما زالت تبحث، وقلوبٍ ما زالت تشتاق، وإنسانٍ ما زال يسأل السؤال القديم نفسه:
أين الحقيقة؟ ثم يكتشف، بعد طول سفر، أن أول أبواب الحقيقة كان في داخله. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.