صادق جواد المطر
هناك كتبٌ تمنح قارئها معلومات جديدة، وهناك كتبٌ تفعل أكثر من ذلك؛ تدفعه إلى إعادة النظر في الطريقة التي يفهم بها موضوعًا كان يظنه مألوفًا. وحين يحدث ذلك، لا تعود قيمة الكتاب في عدد صفحاته أو كثرة مراجعه، بل في الأسئلة التي يوقظها، وفي الأبواب التي يفتحها أمام قارئه.
بهذا الشعور قرأت «ألفية الكرباسي» للدكتور نضير الخزرجي، فما استوقفني فيه لم يكن تعدد الموضوعات وحده، وإنما الطريقة التي حاول بها المؤلف أن يقرّب إلى القارئ جانبًا من النتاج الفقهي لآية الله الفقيه الشيخ محمد صادق الكرباسي، وأن يقرأه بعين معاصرة تبحث عن صلته بالإنسان وواقعه.

ومع أنَّ العنوان يأخذنا مباشرة إلى عالم الفقه، فإن القارئ سرعان ما يكتشف أنَّ الحديث يتجاوز الصورة الشائعة التي تحصر الفقه في أبواب محددة من العبادات والمعاملات، فما تكشفه موضوعات «شِرعة سيد الأناسي» هو اتساع المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها البحث الفقهي كلما اتسعت حياة الإنسان وتنوعت أسئلته.
وهنا ينبغي التفريق بين الأصل والقراءة التي بين أيدينا، فموضوعات «شِرعة سيد الأناسي» ترجع إلى النتاج الفقهي للشيخ محمد صادق الكرباسي، أما «ألفية الكرباسي» فهي قراءة الدكتور نضير الخزرجي في هذا النتاج، وهذه المجموعة الأولى تتناول جانبًا منه. وهذا التفريق ليس تفصيلًا شكليًا؛ لأنه يوضح طبيعة الكتاب ووظيفته: فنحن لا نقرأ الأصل نفسه، وإنما نقرأ قارئًا يحاور الأصل، ويتأمل موضوعاته، ويحاول تقريبها إلى قارئ آخر.
ومن هنا تبدأ، في رأيي، القيمة الخاصة للكتاب.
فالمؤلفات العلمية الواسعة كثيرًا ما تضع القارئ غير المتخصص أمام سؤال البداية: من أين أدخل؟ وكيف أتعرف إلى هذا العالم دون أن أضيع في تفاصيله؟ وهنا تأتي أهمية القراءة الوسيطة حين تؤدي وظيفتها جيدًا؛ فلا تدّعي أنها تغني عن الأصل، ولا تحوله إلى مختصر سريع، وإنما تمنح القارئ مفاتيح أولى تساعده على الاقتراب منه.
وهذا ما وجدته في «ألفية الكرباسي». فالدكتور الخزرجي وهو باحث عراقي مقيم في لندن لا يكتفي بأن يخبرنا بما تناوله الشيخ الكرباسي، بل يحاول أن يقرأ الموضوع، ويتوقف عند دلالاته، ويستحضر ما يحيط به من أسئلة، ثم يقدمه في سياق أقرب إلى اهتمامات القارئ المعاصر.
ولعل تنوع الموضوعات هو أكثر ما يكشف طبيعة هذا العمل، فالانتقال بين قضايا مثل الجنين والاعتكاف، وبين ما يتصل بحياة الفرد وما يتصل بالمجتمع، قد يبدو للوهلة الأولى انتقالًا بين عوالم متباعدة، لكن هذا التباعد الظاهري يخفي وراءه جامعًا واضحًا: الإنسان.
فالإنسان لا يعيش في دائرة واحدة. هو فرد وأسرة، وعبادة وعمل، وحق ومسؤولية، وجسد وروح، وعلاقة بالمجتمع والعالم من حوله. ومع تطور الحياة تظهر أمامه أسئلة لم تكن مطروحة بالصورة نفسها من قبل. ومن هنا يصبح تنوع البحث الفقهي انعكاسًا طبيعيًا لتنوع الحياة ذاتها، وهذه، في تقديري، من الأفكار التي تستحق التوقف عندها في الكتاب: الشريعة لا تعيش بعيدًا عن الحياة، وإنما تظهر حيويتها بقدر قدرتها على ملامسة أسئلة الإنسان المتجددة، ولا يعني ذلك أن يتغير الأصل كلما تغير الواقع، كما لا يعني أن يُقرأ الواقع بأدوات زمن مضى دون التفات إلى تحولاته، فالمسألة أدق من هذين الطرفين؛ إنها البحث عن المساحة التي يلتقي فيها ثبات المبدأ مع تغير الوقائع، ويحاور فيها النص واقع الإنسان دون أن يفقد أصالته.
وهذا هو الموضع الذي يصبح فيه وصف الكتاب بأنه «قراءة موضوعية معاصرة» ذا دلالة حقيقية، لا مجرد عبارة تضاف إلى العنوان. فالمعاصرة هنا لا ينبغي أن تعني القطيعة مع الموروث، وإنما القدرة على طرح أسئلة الحاضر على المادة العلمية، والنظر في كيفية حضورها في عالم تغيرت فيه المعرفة والوسائل وأنماط العيش والعلاقات بين الناس.
وكلما تقدمت في القراءة، بدا لي أن السؤال الأهم ليس: كم مسألة فقهية تناولها هذا الكتاب؟ وإنما: كيف يمكن أن نجعل المعرفة الفقهية أقرب إلى حياة الناس من غير أن نفقدها عمقها؟
وهذا السؤال يتجاوز «ألفية الكرباسي» نفسها إلى قضية أوسع في ثقافتنا المعاصرة؛ فلدينا مؤلفات ومشروعات علمية ضخمة، لكن ضخامة العمل لا تضمن وحدها وصوله إلى الناس. المعرفة تحتاج إلى من ينتجها، كما تحتاج إلى من يحسن تقديمها، وبين الاثنين مساحة واسعة يؤدي فيها القارئ الباحث والكاتب والناقد دورًا لا يقل أهمية
ومن هنا لا أرى الدكتور الخزرجي في هذا الكتاب ملخِّصًا لخميس كتيباً في أبواب الشريعة طرقها الشيخ الكرباسي بقدر ما أراه قارئًا لها. وهذه نقطة مهمة؛ لأن التلخيص ينتهي عادة عند حدود المادة التي يلخصها، أما القراءة فتضيف إليها الأسئلة والمقارنة والتأمل، وقد تفتح فيها أبوابًا لم تكن ظاهرة للقارئ الأول.
وحين تنجح هذه القراءة، فإنها لا تقف بين القارئ والأصل، بل تقوده إليه. وهذا، في نظري، هو الاختبار الحقيقي لمثل هذه الكتب: هل يخرج القارئ منها مكتفيًا بما قرأ، أم يشعر برغبة في الرجوع إلى المؤلفات التي انطلقت منها؟
وأحسب أن «ألفية الكرباسي» تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تغلق دائرة المعرفة، وإنما توسعها.
ومن الأمور التي تستحق الانتباه أيضًا أن تنوع القضايا المعروضة يعيد إلى الذهن سؤالًا قديمًا متجددًا عن صورة الفقه في الوعي العام. فكثيرون حين يسمعون كلمة «الفقه» تذهب أذهانهم مباشرة إلى مسائل العبادة أو الحلال والحرام بصورتهما المباشرة، بينما تكشف هذه الموضوعات أن دائرة البحث أرحب، وأن حياة الإنسان بمستجداتها يمكن أن تصبح ميدانًا للسؤال الفقهي.
وهذا لا يجعل الفقه مجرد إجابات جاهزة لكل شيء، بل يحمّله مسؤولية أكبر؛ لأن التعامل مع المستجدات يتطلب فهمًا للنص، وفهمًا للواقع، ووعيًا بالفارق بين الثابت والمتغير، ومن هنا تظهر قيمة الاجتهاد، كما تظهر صعوبة المهمة التي يتحملها الباحث في القضايا المعاصرة.
ولعل أجمل ما في الكتاب أنه يتيح للقارئ أن يلمح هذه الحركة بين النص والحياة. فلا النص معزول في زمنه، ولا الحياة سائرة بلا مرجعية، وإنما هناك محاولة دائمة لإقامة الجسر بينهما.
وبالنسبة إليّ، هذا هو المعنى الذي يمنح الكتاب أهميته أكثر من مجرد كثرة العناوين التي يتناولها. فالقارئ قد ينسى بعد مدة أسماء بعض الموضوعات، لكنه لا ينسى بسهولة الفكرة التي جعلته يعيد النظر في تصور كان يحمله من قبل.
وبعد أن أغلقت صفحات هذه المجموعة، لم يكن السؤال الذي بقي معي: ماذا قال الكتاب في الجنين أو الاعتكاف أو غيرهما؟ وإنما كان السؤال أوسع: إلى أي مدى يمكن للشريعة أن تبقى حاضرة في حياة إنسان تتغير حياته بهذه السرعة؟
وهو سؤال لا يجيب عنه كتاب واحد، وربما لا ينبغي له أن يفعل. لكن قيمة الكتاب الجيد أنه يجعلنا نطرحه بوعي أكبر.
ومن هذه الزاوية أرى أنَّ «ألفية الكرباسي في شِرعة سيد الأناسي: قراءة موضوعية معاصرة – المجموعة الأولى» الذي صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت سنة 2024م في 560 صفحة من القطع الوزيري كتابًا يؤدي وظيفتين في آن واحد: يفتح نافذة على جانب من النتاج الفقهي للشيخ محمد صادق الكرباسي، وفي الوقت نفسه يقدم نموذجًا لقراءة تحاول نقل هذا النتاج من دائرة المتخصص إلى أفق أوسع من الحوار الثقافي والمعرفي.
وبين الأصل وقراءته تنشأ علاقة جميلة؛ فالأصل يمنح القراءة مادتها، والقراءة تمنح القارئ طريقًا إلى الأصل. وإذا تحقق ذلك، لم يعد الكتاب الذي نقرؤه نهاية الرحلة، بل أصبح بدايتها.
ولعل هذه هي الغاية التي يطمح إليها كل كتاب جاد: أن يفتح بابًا لا أن يغلقه، وأن يوقظ في قارئه رغبة الاكتشاف لا شعور الاكتفاء.
فبعض الكتب تنتهي عند صفحتها الأخيرة، وبعضها تبدأ منها قراءة أخرى، و«ألفية الكرباسي» من الكتب التي تدعو قارئها إلى أن يبدأ من حيث انتهت.